اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَا﴾ الآية. هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف(١). ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني : المطر، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاءً طَهُوراً﴾ قال الزمخشري : فإن قلت : إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول : حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت : لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهارة(٢) إكراماً لهم، وتتميماً للمنّة عليهم(٣).
وطهور : يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولاً من ظاهر(٤)، كقوله تعالى :«شَرَاباً طَهُوراً »(٥)، وقال :
إلى رُجَّحِ الأَكْفَالِ غِيدٌ مِنَ الصِّبَاعِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ(٦)
وأن يكون اسم ما يتطهر به(٧) كالسحور لما يتسحَّر به، والفطور لما يتفطَّر به، قال عليه السلام(٨) في البحر :«هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ »(٩) أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السماء مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] فثبت أن التطهير مختص بالماء(١٠).
( وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز رفع الحدث بها(١١). وقال عليه السلام :«التّراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج » ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام :«طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعاً »(١٢) ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه : طاهر(١٣) إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم الكلام )(١٤) (١٥).
ويجوز أن يكون مصدراً ك ( القبول والولوع )(١٦).
١ عند قوله تعالى: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ [الأعراف: ٥٧]..
٢ في الكشاف: وصفه بالطهور..
٣ الكشاف ٣/١٠٠..
٤ انظر الكشاف ٣/٩٩، البحر المحيط ٦/٥٠٥..
٥ من قوله تعالى: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾ [الإنسان: ٢١]..
٦ البيت من بحر الطويل قاله جميل بن معمر، وهو في ديوانه (٩٣) القرطبي ١٣/٣٠، البحر المحيط ٦/٥٠٥، اللسان (رجح). رجح: جمع رجاح وراجح، وامرأة رجاح. ورجاح: ثقيلة العجيزة من نسوة رجح. الأكفال: جمع كفل، وهو العجز. غيد: جمع غيداء: وهي المرأة المتثنية من اللين، وقد تغايدت في مشيها. والشاهد فيه قوله: ظهور على وزن فعول. بفتح الفاء صفة مبالغة..
٧ انظر الكشاف ٣/٩٩، البحر المحيط ٦/٥٠٥..
٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٩ أخرجه ابن ماجه (صيد) ٢/١٠٨١، ومالك في الموطأ (صيد) ٢/٤٩٥..
١٠ انظر البغوي ٦/٨١٨٢..
١١ المرجع السابق..
١٢ أخرجه مسلم (طهارة) ١/٢٣٤، أبو داود (طهارة) ١/٥٧، وأحمد ٢/٤٢٧، ولغ الكلب في الإناء يلغ ولوغا، أي شرب فيه بأطراف لسانه..
١٣ في ب: طهروا..
١٤ انظر الفخر الرازي ٢٤/٩٠..
١٥ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٦ عزاه أبو حيان وابن منظور إلى سيبويه. انظر البحر المحيط ٦/٥٠٥، اللسان (طهر)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى