البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وتقدم الخلاف في قراءة الريح بالإفراد والجمع في البقرة.
قال ابن عطية : وقراءة الجمع أوجه لأن عرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب، ومتى كانت للمطر والرحمة فإنما هي رياح لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب وتتفرّق وتأتي لينة ومن ههنا وههنا وشيئاً اثر شيء، وريح العذاب خرجت لاتتداءب وإنما تأتي جسداً واحداً.
ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه.
قال الرماني : جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح : الجنوب، والصبا، والشمال.
وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور.
قال أي ابن عطية : يرد هذا قول النبيّ ﷺ : إذا هبت الريح :« اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » انتهى.
ولا يسوغ أن يقال : هذه القراءة أوجه لأنه كلاً من القراءتين متواتر والألف واللام في الريح للجنس فتعم، وما ذكر من أن قول الرماني يرده الحديث فلا يظهر لأنه يجوز أن يريد بقوله عليه السلام :« رياحاً » الثلاثة اللواقح وبقوله « ولا تجعلها ريحاً » الدبور.
فيكون ما قاله الرماني مطابقاً للحديث على هذا المفهوم.
وتقدم الخلاف في قراءة ﴿نشراً﴾ وفي مدلوله في الأعراف ﴿بين يدي رحمته﴾ استعارة حسنة أي قدام المطر لأنه يجيء معلماً به.
والطهور فعول إما للمبالغة كنؤوم فهو معدول عن طاهر، وإما أن يكون اسماً لما يتطهر به كالسحور والفطور، وإما مصدر لتطهر جاء على غير المصدر حكاه سيبويه.
والظاهر في قوله ﴿ماء طهوراً﴾ أن يكون للمبالغة في طهارته وجهة المبالغة كونه لم يشبه شيء بخلاف ما نبع من الأرض ونحوه فإنه تشوبه أجزاء أرضية من مقره أو ممره أو مما يطرح فيه، ويجوز أن يوصف بالاسم وبالمصدر.
وقال ثعلب : هو ما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، فإن كان ما قاله شرحاً لمبالغته في الطهارة كان سديداً ويعضده ﴿وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به﴾ وإلاّ ففعول لا يكون بمعنى مفعل، ومن استعمال طهور للمبالغة قوله تعالى ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾ وقال الشاعر :
إلى رحج الأكفال غيد من الظباعذاب الثنايا ريقهنّ طهور

تفسير هذه الآية من كتب أخرى