فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان
عن الكتاب
ثم زاد في المبالغة فقال :
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ لعل ذكره زيادة تقرير، لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه، من حيث أنه الخالق للكل والمتصرف فيه ﴿ومَا بَيْنَهُمَا﴾ ولم يقل بينهن، لأنه أراد النوعين والمعنى خلقهما ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ فخلق الأرض في يومين الأحد والاثنين، وما بينهما في يومين الثلاثاء والأربعاء، والسماوات في يومين الخميس والجمعة، وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل في مقدار هذه المدة، لأنه لم يكن حينئذ ليل ولا نهار وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة، تعليما لخلقه الرفق والتثبيت والتأني في الأمر والتؤدة والتدرج.
فإن قيل يلزم ان يكون خلق العرش بعد خلق السماوات والأرض، كما يفيده قوله :﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فيقال : إن كلمة ﴿ثم﴾ تدخل على خلق العرش بل على علوه على السماوات والأرض، والعرش في اللغة سرير الملك، والمراد هنا الجسم العظيم المحيط بالعالم الكائن فوق السماوات السبع، والاستواء صفة لله سبحانه معناها مباينته عن الخلق وكونه على الذات وفوق العالم، وقد تقدم الكلام عليها في سورة الأعراف وأخواتها.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى : أعلم ان الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله وتشعبت أطرافه، وتباينت فيه المذاهب وتفاوتت فيه الطرائق، وتخالفت النحل، وسبب هذا عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله، ودخولهم في أبواب لم يأذن الله لهم بدخولها، ومحاولتهم لعلم شيء استأثر الله بعلمه، حتى تفرقوا فرقا وتشعبوا شعبا وصاروا أحزابا كانوا في البداية، ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة مختلفي المقاصد متبايني المطالب فطائفة وهي أخف هذه الطوائف المتكلفة، علم ما لم يكلفها الله سبحانه بعلمه إثما، وأقلها عقوبة وجرما وهي التي أرادت الوصول إلى الحق والوقوف على الصواب لكن سلكت في طلبه طريقة متوعرة، وصعدت في الكشف عنه إلى عقبة كؤود، لا يرجع من سلكها سالما فضلا عن أن يظفر فيها بمطلوب صحيح، ومع هذا أصلوا أصولا ظنوها حقا، فدفعوا بها آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة نبوية واعتلوا في ذلك الدفع بشبهة واهية وحالات مختلفة.
وهؤلاء هم طائفتان الطائفة الأولى، هي الطائفة التي غلت في التنزيه فوصلت إلى حد يقشعر عنده الجلد ويضطرب له القلب، من تعطيل الصفات الثابتة، بالكتاب والسنة، ثبوتا أوضح من شمس النهار وأظهر من فلق الصباح، وظنوا هذا من صنيعهم موافقا للحق، مطابقا لما يريده الله سبحانه، فضلوا الطريق المستقيمة، وأضلوا من رام سلوكها، والطائفة الأخرى : هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة، غلوا بلغ إلى حد أنه لا تأثير لغيرها، ولا اعتبار بما سواها، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض، والقسر الخالص، فلم يبق لبعثة الرسل، وإنزال الكتب، كثير فائدة، ولا يعود ذلك على عبادة بعائدة، و جاؤا بتأويلات للآيات البينات، ومحاولات لحجج الله الواضحات، فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال، مع أن كلا المقصدين صحيح، ووجه كل منهما صبيح، لولا ما شأنه من الغلو القبيح.
وطائفة توسطت، ورامت الجمع بين الضب والنون، وظنت أنها قد وقفت بمكان بين الإفراط والتفريط، ثم أخذت كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث تجادل، وتناضل، وتحقق، وتدقق في زعمها، وتجول عمل الأخرى، وتصول، بما ظفرت به، مما يوافق ما ذهبت إليه، وكل حزب بما لديهم فرحون، وعند الله تلتقي الخصوم.
ومع هذا فهم متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية بطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز وقالوا : هنيئا للعامة، فتدبر هذه الأعلمية التي كان حاصلها أن يهنأ من ظفر لأهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم وممن تدين بدينهم ويمشي على طريقتهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوت ويدل بأوضح دلالة على أن هذه الأعلمية التي طلبوها، الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه أن الجهل خير منه ويتمنى عند البلوغ إلى غايته والوصول إلى نهايته، أن يكون جاهلا به عاطلا عنه ففي هذا عبرة للمعتبرين وآية بينة للناظرين، فهلا عملوا على جهل هذا المعارف التي دخلوا فيها بدء ؟ وسلموا من تبعاتها، وأراحوا أنفسهم من تعبها، وقالوا كما قال القائل :
أرى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولا
وربحوا الخلوص من هذا التمني، والسلامة من هذه التهنئة للعامة، فإن العاقل لا يتمنى رتبة مثل رتبته أو دونها، ولا يهنئ لمن هو مثله أو دونه، بل لا يكون ذلك إلا لمن رتبته، أرفع من رتبته، ومكانه أعلى من مكانه، فيالله العجب، من علم يكون الجهل البسيط أعلى رتبة منه، وأفضل مقدارا بالنسبة إليه.
وهل سمع السامعون بمثل هذه الغربية، ونقل الناقلون ما يماثلها أو يشابهها، وإذا كان هذا حال هذه الطائفة التي قد عرفناك أنها أخف الطوائف تكلفا، وأقلها تبعة فما ظنك بما عداها من الطوائف، التي قد ظهر فساد مقاصدها، وتبين بطلان مواردها ومصادرها، كالطوائف التي أرادت بالمظاهر، التي تظاهرت به، كيد الإسلام وأهله، والسعي في التشكيك فيه بإيراد الشبه، وتقرير الأمور المفضية إلى القدح في الدين، وتنفير أهله عنه. وعند هذا تعلم أن :
خير الأمور والسالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
وأن الحق الذي لا شك فيه، ولا شبهة، هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا رحمهم الله تعالى وأرشدنا إلى الاقتداء بهم، والاهتداء بهديهم، يمرون آيات الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يحرفون ولا يؤولون، وهذا المعلوم من أقوالهم وأفعالهم، والمتقرر من مذهبهم، لا يشك فيه شاك ولا ينكره منكر ولا يجادل فيه مجادل، وإن نزغ من بينهم نازغ أو نجم في عصرهم ناجم أوضحوا للناس أمره وبينوا لهم أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك في المجامع والمحافل : وحذروا الناس من بدعته، كما كان منهم لما ظهر معبد الجهني وأصحابه، وقالوا : إن الأمر أنف، فتبرؤوا منه وبينوا ضلالته، وبطلان مقالته للناس فحذروه إلا من ختم الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة.
وهكذا كان من بعدهم، يوضح للناس بطلان أقوال أهل الضلال، ويحذرهم منها، كما فعل التابعون رحمهم الله بالجعد بن درهم، ومن قال بقوله، وانتحل نحلته الباطلة، ثم ما زالوا هكذا لا يستطيع المبتدع في الصفات أن يتظاهر ببدعته، بل يتكتمون بها كما يتكتم الزنادقة بكفرهم، وهكذا سائر المبتدعين في الدين، على اختلاف البدع، وتفاوت المقالات الباطلة.
ولكنا نقتصر ههنا على الكلام في هذه المسألة، التي ورد السؤال عنها، وهي مسألة الصفات، وما كان من المتكلمين فيها بغير الحق المتكلفين علم ما لم يأذن الله، بأن يعلموه، وبيان أن إمرار آيات الصفات على ظاهرها، هو مذهب السلف الصالح، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وأن كل من أراد من نزاغ المتكلفين، وشذاذ المحرفين، والمتأولين، أن يظهر ما يخالف المرور على ذلك الظاهر، قاموا عليه، وحذروا الناس منه، وبينوا لهم أنه على خلاف ما عليه أهل الإسلام، فصار المبتدعون في الصفات، القائلون بأقوال تخالف ما عليه السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، في خبايا وزوايا لا يتصل بهم إلا مغرور.
ولا ينخدع بزخارف أقوالهم إلا مخدوع، وهم مع ذلك على تخوف من أهل الإسلام وترقب لنزول مكروه بهم من حماة الدين من العلماء الهادين والرؤساء والسلاطين، حتى نجم ناجم المحنة وبرق بارق الشر من جهة الدولة ومن لهم في الأمر والنهي والإصدار والإيراد الأعظم صولة، وذلك في الدولة المأمونية بسبب قاضيها أحمد بن أبي دؤاد.
فعند ذلك أطلع المنكمشون في تلك الزوايا رؤوسهم، وانطلق ما كان قد خرس من ألسنتهم، وأعلنوا مذاهبهم الزائغة، وبدعهم المضلة، ودعوا الناس إليها، وجادلوا عنها، وناضلوا المخالفين، حتى اختلط المعروف بالمنكر، واشتبه على العامة الحق بالباطل، والسنة بالبدعة.
ولما قال الله سبحانه، قد تكفل فإظهار دينه على الدين كله، وحفظه عن التحريف، والتغيير، والتبديل، أوجد من علماء الكتاب والسنة في كل عصر من العصور، من يبين للناس دينهم، وينكر على أهل البدع بدعهم، فكان لهم ولله الحمد المقامات المحمودة، والمواقف المشهورة في نصر الدين، وهتك المبتدعين، وبهذا الكلام القليل الذي ذكرناه، تعرف أن مذهب السلف من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، هو إمرار أدلة الصفات على ظاهرها، من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف، لشيء منها، ولا جبر، ولا تشبيه، ولا تعطيل، يفضي إليه كثير من التأويلات وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات، تلوا عليه الدليل، وامسكوا عن القال والقيل، وقالوا : قال الله هكذا ولا ندري بما سوى ذلك.
ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلمه ولا أذن الله لنا بمجاوزته فإن أراد السائل ان يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول الله ﷺ وحفظه التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين.
وكان في هذه القرون الفاضلة الكلمة في الصفات متحدة والطريقة لهم جميعا متفقة، وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به، وكلفهم القيام بفرائضه من الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وإنفاق الأموال، في أنواع البر وطلب العلم النافع وإرشاد الناس إلى الخير على اختلاف أنواعه والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة والنجاة من النار، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة وبما تبلغ إليه القدرة ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم الله بعلمه ولا تعبدهم بالوقوف على حقيقته.
فكان الدين إذ ذاك صافيا عن كدر البدع، خالصا عن شوب قذر التمذهب، فعلى هذا النمط كان الصحابة والتابعون وتابعوهم وبهدي رسول الله ﷺ اهتدوا وبأفعاله وأقواله اقتدوا، فمن قال إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو غيرها فقد أعظم عليهم الفرية وليس بمقبول في ذلك، فإن تقول الأئمة المطلعين على أحوالهم العارفين بها الآخذين لها عن الثقات الأثبات ترد عليه وعليهم وتدفع في وجهه.
يعلم ذلك كل من له علم، ويعرفه كل عارف، فاشدد يديك على هذا واعلم انه مذهب خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات، وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون واصطلحوا عليها وجعلوها أصلا يرد إليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن وافقاها فقد وافقا الأصول المقررة في زعمهم، وإن خالفاها فقد خالفا الأصول المقررة في زعمهم، ويجعلون المرافق لها من قسم المقبول والمحكم، والمخالف لها م
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ لعل ذكره زيادة تقرير، لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه، من حيث أنه الخالق للكل والمتصرف فيه ﴿ومَا بَيْنَهُمَا﴾ ولم يقل بينهن، لأنه أراد النوعين والمعنى خلقهما ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ فخلق الأرض في يومين الأحد والاثنين، وما بينهما في يومين الثلاثاء والأربعاء، والسماوات في يومين الخميس والجمعة، وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل في مقدار هذه المدة، لأنه لم يكن حينئذ ليل ولا نهار وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة، تعليما لخلقه الرفق والتثبيت والتأني في الأمر والتؤدة والتدرج.
فإن قيل يلزم ان يكون خلق العرش بعد خلق السماوات والأرض، كما يفيده قوله :﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فيقال : إن كلمة ﴿ثم﴾ تدخل على خلق العرش بل على علوه على السماوات والأرض، والعرش في اللغة سرير الملك، والمراد هنا الجسم العظيم المحيط بالعالم الكائن فوق السماوات السبع، والاستواء صفة لله سبحانه معناها مباينته عن الخلق وكونه على الذات وفوق العالم، وقد تقدم الكلام عليها في سورة الأعراف وأخواتها.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى : أعلم ان الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله وتشعبت أطرافه، وتباينت فيه المذاهب وتفاوتت فيه الطرائق، وتخالفت النحل، وسبب هذا عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله، ودخولهم في أبواب لم يأذن الله لهم بدخولها، ومحاولتهم لعلم شيء استأثر الله بعلمه، حتى تفرقوا فرقا وتشعبوا شعبا وصاروا أحزابا كانوا في البداية، ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة مختلفي المقاصد متبايني المطالب فطائفة وهي أخف هذه الطوائف المتكلفة، علم ما لم يكلفها الله سبحانه بعلمه إثما، وأقلها عقوبة وجرما وهي التي أرادت الوصول إلى الحق والوقوف على الصواب لكن سلكت في طلبه طريقة متوعرة، وصعدت في الكشف عنه إلى عقبة كؤود، لا يرجع من سلكها سالما فضلا عن أن يظفر فيها بمطلوب صحيح، ومع هذا أصلوا أصولا ظنوها حقا، فدفعوا بها آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة نبوية واعتلوا في ذلك الدفع بشبهة واهية وحالات مختلفة.
وهؤلاء هم طائفتان الطائفة الأولى، هي الطائفة التي غلت في التنزيه فوصلت إلى حد يقشعر عنده الجلد ويضطرب له القلب، من تعطيل الصفات الثابتة، بالكتاب والسنة، ثبوتا أوضح من شمس النهار وأظهر من فلق الصباح، وظنوا هذا من صنيعهم موافقا للحق، مطابقا لما يريده الله سبحانه، فضلوا الطريق المستقيمة، وأضلوا من رام سلوكها، والطائفة الأخرى : هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة، غلوا بلغ إلى حد أنه لا تأثير لغيرها، ولا اعتبار بما سواها، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض، والقسر الخالص، فلم يبق لبعثة الرسل، وإنزال الكتب، كثير فائدة، ولا يعود ذلك على عبادة بعائدة، و جاؤا بتأويلات للآيات البينات، ومحاولات لحجج الله الواضحات، فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال، مع أن كلا المقصدين صحيح، ووجه كل منهما صبيح، لولا ما شأنه من الغلو القبيح.
وطائفة توسطت، ورامت الجمع بين الضب والنون، وظنت أنها قد وقفت بمكان بين الإفراط والتفريط، ثم أخذت كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث تجادل، وتناضل، وتحقق، وتدقق في زعمها، وتجول عمل الأخرى، وتصول، بما ظفرت به، مما يوافق ما ذهبت إليه، وكل حزب بما لديهم فرحون، وعند الله تلتقي الخصوم.
ومع هذا فهم متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية بطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز وقالوا : هنيئا للعامة، فتدبر هذه الأعلمية التي كان حاصلها أن يهنأ من ظفر لأهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم وممن تدين بدينهم ويمشي على طريقتهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوت ويدل بأوضح دلالة على أن هذه الأعلمية التي طلبوها، الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه أن الجهل خير منه ويتمنى عند البلوغ إلى غايته والوصول إلى نهايته، أن يكون جاهلا به عاطلا عنه ففي هذا عبرة للمعتبرين وآية بينة للناظرين، فهلا عملوا على جهل هذا المعارف التي دخلوا فيها بدء ؟ وسلموا من تبعاتها، وأراحوا أنفسهم من تعبها، وقالوا كما قال القائل :
أرى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولا
وربحوا الخلوص من هذا التمني، والسلامة من هذه التهنئة للعامة، فإن العاقل لا يتمنى رتبة مثل رتبته أو دونها، ولا يهنئ لمن هو مثله أو دونه، بل لا يكون ذلك إلا لمن رتبته، أرفع من رتبته، ومكانه أعلى من مكانه، فيالله العجب، من علم يكون الجهل البسيط أعلى رتبة منه، وأفضل مقدارا بالنسبة إليه.
وهل سمع السامعون بمثل هذه الغربية، ونقل الناقلون ما يماثلها أو يشابهها، وإذا كان هذا حال هذه الطائفة التي قد عرفناك أنها أخف الطوائف تكلفا، وأقلها تبعة فما ظنك بما عداها من الطوائف، التي قد ظهر فساد مقاصدها، وتبين بطلان مواردها ومصادرها، كالطوائف التي أرادت بالمظاهر، التي تظاهرت به، كيد الإسلام وأهله، والسعي في التشكيك فيه بإيراد الشبه، وتقرير الأمور المفضية إلى القدح في الدين، وتنفير أهله عنه. وعند هذا تعلم أن :
خير الأمور والسالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
وأن الحق الذي لا شك فيه، ولا شبهة، هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا رحمهم الله تعالى وأرشدنا إلى الاقتداء بهم، والاهتداء بهديهم، يمرون آيات الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يحرفون ولا يؤولون، وهذا المعلوم من أقوالهم وأفعالهم، والمتقرر من مذهبهم، لا يشك فيه شاك ولا ينكره منكر ولا يجادل فيه مجادل، وإن نزغ من بينهم نازغ أو نجم في عصرهم ناجم أوضحوا للناس أمره وبينوا لهم أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك في المجامع والمحافل : وحذروا الناس من بدعته، كما كان منهم لما ظهر معبد الجهني وأصحابه، وقالوا : إن الأمر أنف، فتبرؤوا منه وبينوا ضلالته، وبطلان مقالته للناس فحذروه إلا من ختم الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة.
وهكذا كان من بعدهم، يوضح للناس بطلان أقوال أهل الضلال، ويحذرهم منها، كما فعل التابعون رحمهم الله بالجعد بن درهم، ومن قال بقوله، وانتحل نحلته الباطلة، ثم ما زالوا هكذا لا يستطيع المبتدع في الصفات أن يتظاهر ببدعته، بل يتكتمون بها كما يتكتم الزنادقة بكفرهم، وهكذا سائر المبتدعين في الدين، على اختلاف البدع، وتفاوت المقالات الباطلة.
ولكنا نقتصر ههنا على الكلام في هذه المسألة، التي ورد السؤال عنها، وهي مسألة الصفات، وما كان من المتكلمين فيها بغير الحق المتكلفين علم ما لم يأذن الله، بأن يعلموه، وبيان أن إمرار آيات الصفات على ظاهرها، هو مذهب السلف الصالح، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وأن كل من أراد من نزاغ المتكلفين، وشذاذ المحرفين، والمتأولين، أن يظهر ما يخالف المرور على ذلك الظاهر، قاموا عليه، وحذروا الناس منه، وبينوا لهم أنه على خلاف ما عليه أهل الإسلام، فصار المبتدعون في الصفات، القائلون بأقوال تخالف ما عليه السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، في خبايا وزوايا لا يتصل بهم إلا مغرور.
ولا ينخدع بزخارف أقوالهم إلا مخدوع، وهم مع ذلك على تخوف من أهل الإسلام وترقب لنزول مكروه بهم من حماة الدين من العلماء الهادين والرؤساء والسلاطين، حتى نجم ناجم المحنة وبرق بارق الشر من جهة الدولة ومن لهم في الأمر والنهي والإصدار والإيراد الأعظم صولة، وذلك في الدولة المأمونية بسبب قاضيها أحمد بن أبي دؤاد.
فعند ذلك أطلع المنكمشون في تلك الزوايا رؤوسهم، وانطلق ما كان قد خرس من ألسنتهم، وأعلنوا مذاهبهم الزائغة، وبدعهم المضلة، ودعوا الناس إليها، وجادلوا عنها، وناضلوا المخالفين، حتى اختلط المعروف بالمنكر، واشتبه على العامة الحق بالباطل، والسنة بالبدعة.
ولما قال الله سبحانه، قد تكفل فإظهار دينه على الدين كله، وحفظه عن التحريف، والتغيير، والتبديل، أوجد من علماء الكتاب والسنة في كل عصر من العصور، من يبين للناس دينهم، وينكر على أهل البدع بدعهم، فكان لهم ولله الحمد المقامات المحمودة، والمواقف المشهورة في نصر الدين، وهتك المبتدعين، وبهذا الكلام القليل الذي ذكرناه، تعرف أن مذهب السلف من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، هو إمرار أدلة الصفات على ظاهرها، من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف، لشيء منها، ولا جبر، ولا تشبيه، ولا تعطيل، يفضي إليه كثير من التأويلات وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات، تلوا عليه الدليل، وامسكوا عن القال والقيل، وقالوا : قال الله هكذا ولا ندري بما سوى ذلك.
ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلمه ولا أذن الله لنا بمجاوزته فإن أراد السائل ان يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول الله ﷺ وحفظه التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين.
وكان في هذه القرون الفاضلة الكلمة في الصفات متحدة والطريقة لهم جميعا متفقة، وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به، وكلفهم القيام بفرائضه من الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وإنفاق الأموال، في أنواع البر وطلب العلم النافع وإرشاد الناس إلى الخير على اختلاف أنواعه والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة والنجاة من النار، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة وبما تبلغ إليه القدرة ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم الله بعلمه ولا تعبدهم بالوقوف على حقيقته.
فكان الدين إذ ذاك صافيا عن كدر البدع، خالصا عن شوب قذر التمذهب، فعلى هذا النمط كان الصحابة والتابعون وتابعوهم وبهدي رسول الله ﷺ اهتدوا وبأفعاله وأقواله اقتدوا، فمن قال إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو غيرها فقد أعظم عليهم الفرية وليس بمقبول في ذلك، فإن تقول الأئمة المطلعين على أحوالهم العارفين بها الآخذين لها عن الثقات الأثبات ترد عليه وعليهم وتدفع في وجهه.
يعلم ذلك كل من له علم، ويعرفه كل عارف، فاشدد يديك على هذا واعلم انه مذهب خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات، وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون واصطلحوا عليها وجعلوها أصلا يرد إليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن وافقاها فقد وافقا الأصول المقررة في زعمهم، وإن خالفاها فقد خالفا الأصول المقررة في زعمهم، ويجعلون المرافق لها من قسم المقبول والمحكم، والمخالف لها م