البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وانتصب ﴿خلفة﴾ على الحال.
فقيل : هو مصدر خلف خلفة.
وقيل : هو اسم هيئة كالركبة ووقع حالاً اسم الهيئة في قولهم : مررت بماء قعدة رجل، وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر.
والمعنى جعلهما ذوي خلفة أي ذوي عقبة يعقب هذا ذاك وذاك هذا، ويقال الليل والنهار يختلفان كما يقال يعتقبان ومنه قوله ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ ويقال : بفلان خلفة واختلاف إذا اختلف كثيراً إلى متبرزه ومن هذا المعنى قول زهير :
بها العيس والآرام يمشين خلفة. . .
وقول الآخر
يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأباً :
ولها بالما طرون إذاأكل النمل الذي جمعا
خلفة حتى إذا ارتفعتسكنت من جلق بيعا
في بيوت وسط دسكرةحولها الزيتون قد ينعا
وقيل ﴿خلفة﴾ في الزيادة والنقصان.
وقال مجاهد وقتادة والكسائي : هذا أسود وهذا أبيض وهذا طويل وهذا قصير.
﴿لمن أراد أن يذكر﴾.
قال عمر وابن عباس والحسن : معناه ﴿لمن أراد أن يذكر﴾ ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه.
وقال مجاهد وغيره : أي يعتبر بالمصنوعات ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم.
وقال الزمخشري : وعن أُبي بن كعب يتذكر والمعنى.
لينظر في اختلافهما الناظر فيعلم أن لا بد لانتقالهما من حال إلى حال وتغيرهما من نافل ومغير، ويستدل بذلك على عظم قدرته ويشكر الشاكر على النعمة من السكون بالليل والتصرف بالنهار كما قال تعالى :﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله﴾ وليكونا وقتين للمتذكر والشاكر من فاته في أحدهما ورده من العبادة أتى به في الآخر.
وقرأ النخعي وابن وثاب وزيد بن عليّ وطلحة وحمزة تذكر مضارع ذكر خفيفاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى