مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
الصفة الثالثة : قوله :﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما﴾ واعلم أنه تعالى لما ذكر سيرتهم في النهار من وجهين : أحدهما : ترك الإيذاء، وهو المراد من قوله :﴿يمشون على الأرض هونا﴾ والآخر تحمل التأذي، وهو المراد من قوله :﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ فكأنه شرح سيرتهم مع الخلق في النهار، فبين في هذه الآيات سيرتهم في الليالي عند الاشتغال بخدمة الخالق وهو كقوله :﴿تتجافي جنوبهم عن المضاجع﴾ ثم قال الزجاج : كل من أدركه الليل قيل بات وإن لم ينم كما يقال بات فلان قلقا، ومعنى ﴿يبيتون لربهم﴾ أن يكونوا في لياليهم مصلين، ثم اختلفوا فقال بعضهم : من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل، فقد بات ساجدا وقائما، وقيل ركعتين بعد المغرب وأربعا بعد العشاء الأخيرة، والأولى أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره يقال فلان يظل صائما ويبيت قائما، قال الحسن يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون له وجوههم تجري دموعهم على خدودهم خوفا من ربهم.