جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ ربّي يقول جلّ ثناؤه لنبيه : قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم : أيّ شيء يَعُدّكم، وأيّ شيء يصنع بكم ربي ؟ يقال منه : عبأت به أعبأ عبئا، وعبأت الطيب أعبؤه : إذا هيأته، كما قال الشاعر :
كأنّ بِنَحْرِهِ وبِمَنْكِبَيْهِعَبِيرا باتَ يَعْبَؤُهُ عَرُوسُ
يقول : يهيئه ويعمله يعبؤُه عبا وعبوءا، ومنه قولهم : عَبّأت الجيش بالتشديد والتخفيف فأنا أعبئه : أُهَيّئُهُ. والعِبءُ : الثقل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : قُلْ ما يَعْبأُ بِكُمْ رَبّي يصنع لولا دعاؤكم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبّي قال : يعبأ : يفعل. وقوله : لَوْلا دُعاؤُكُمْ يقول : لولا عبادة من يعبده منكم، وطاعة من يطيعه منكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يقول : لولا إيمانكم، وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حبّبه إلى المؤمنين.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله لَوْلا دُعاؤُكُمْ قال : لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وتطيعوه.
وقوله فَقَدْ كَذّبْتُمْ يقول تعالى ذكره لمشركي قريش قوم رسول الله ﷺ : فقد كذّبتم أيها القوم رسولكم الذي أرسل إليكم وخالفتم أمر ربكم الذي أمر بالتمسك به. لو تمسكتم به، كان يعبأ بكم ربي فسوف يكون تكذيبكم رسول ربكم، وخلافكم أمر بارئكم، عذابا لكم ملازما، قتلاً بالسيوف وهلاكا لكم مفنيا يلحق بعضكم بعضا، كما قال أبو ذُؤَيب الهُذَليّ :
فَفاجأَهُ بِعادِيَةٍ لِزَامٍكمَا يَتَفَجّرُ الحَوْضُ اللّقِيفُ
يعني باللزام : الكبير الذي يتبع بعضه بعضا، وباللقيف : المتساقط الحجارة المتهدّم، ففعل الله ذلك بهم، وصدقهم وعده، وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه، وألحق بعضهم ببعض، فكان ذلك العذاب اللزام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : أخبرني مولى لشقيق بن ثور أنه سمع سلمان أبا عبد الله، قال : صليت مع ابن الزّبير فسمعته يقرأ : فقد كذب الكافرون.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا سعيد بن أدهم السدوسيّ، قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة، عن عبد المجيد، قال : سمعت مسلم بن عمار، قال : سمعت ابن عباس يقرأ هذا الحرف : فقد كذب الكافرون فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاما.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاما يقول : كذب الكافرون أعداء الله.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود، قال : فسوف يلقون لزاما يوم بدر.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال : قال عبد الرحمن : خمس قد مضين : الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، قوله فَسَوْفَ يكُونُ لِزَاما قال أُبَيّ بن كعب : هو القتل يوم بدر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن عمرو، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : اللزام : يوم بدر.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد فَسَوْفَ يكُونُ لِزَاما قال : هو يوم بدر.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فَسَوْفَ يكُونُ لِزَاما قال : يوم بدر.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن مَعْمر، عن منصور، عن سفيان، عن ابن مسعود، قال : اللزام : القتل يوم بدر.
حُدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَقَدْ كَذّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاما الكفار كذبوا رسول الله ﷺ، وبما جاء به من عند الله، فسوف يكون لزاما، وهو يوم بدر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال : قد مضى اللزام، كان اللزام يوم بدر، أسروا سبعين، وقتلوا سبعين.
وقال آخرون : معنى اللزام : القتال. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاما قال : فسوف يكون قتالاً اللزام : القتال.
وقال آخرون : اللزام : الموت. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس فَسَوْفَ يكُونُ لِزَاما قال : موتا.
وقال بعض أهل العلم بكلام العرب : معنى ذلك : فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما عمل من خير أو شرّ. وقد بيّنا الصواب من القول في ذلك. وللنصب في اللزام وجه آخر غير الذي قلناه، وهو أن يكون في قوله يَكُون مجهول، ثم ينصب اللزام على الخبر كما قيل :
*** إذَا كان طَعْنا بَيْنَهُمْ وقتالاً ***
وقد كان بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم يقول في تأويل ذلك : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ما تَدْعون من دونه من الآلهة والأنداد، وهذا قول لا معنى للتشاغل به لخروجه عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل.
آخر ( تفسير ) سورة الفرقان، والحمد لله وحده.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى