الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿عَلَى أَرْجَآئِهَآ﴾ : خبرُ المبتدأ. والضميرُ للسماء. وقيل : للأرض. قال الزمخشري :" فإنْ قلتَ : ما الفرقُ بين قولِه " والمَلَكُ " وبين أنْ يقال : والملائكة ؟ قلت : المَلَكُ أعَمُّ مِنْ الملائكةِ ؛ ألا ترى أنَّ قولَك " ما مِنْ مَلَكٍ إلاَّ وهو شاهِدٌ " أعمُّ من قولِك :" ما مِنْ ملائكة " انتهى. قال الشيخ :" ولا يَظْهر أنَّ المَلَكَ أعَمُّ مِنْ الملائكةِ ؛ لأنَّ المفردَ المحلَّى بالألف واللام [ الجنسية ] قُصاره أَنْ يكونَ مُراداً به الجمعُ المُحلَّى [ بهما ] ولذلك صَحَّ الاستثناءُ منه، فقصاراه أن يكونَ كالجمعِ المُحَلَّى بهما، وأمَّا دَعْواه أنه أعَمُّ منه بقوله :" ألا ترى إلى آخره " فليس دليلاً على دَعْواه ؛ لأنَّ " مِنْ مَلَكٍ " نكرةٌ مفردةٌ في سياقِ النفيِ قد دَخَلَتْ عليها " مِنْ " المُخَلِّصةُ للاستغفارق. فَشَمَلَتْ كلَّ مَلَكٍ، فاندرج تحتها الجمعُ لوجود الفردِ فيه، فانتفى كلُّ فردٍ بخلافِ " مِنْ ملائكة " فإنَّ " مِنْ " دَخَلَتْ على جمع مُنكَّرٍ، فَعَمَّ في كلِّ جمعٍ جمعٍ من الملائكة، ولا يلزَمُ مِنْ ذلك انتفاءُ كلِّ فردٍ مَنْ الملائكة. لو قلت :" ما في الدارِ مِنْ رجال " جاز أَنْ يكونَ فيها واحدٌ ؛ لأنَّ النفيَ إنما انسحب على جمعٍ، ولا يَلْزَمُ مِنْ انتفاءِ الجمعِ أَنْ ينتفيَ المفرد، والمَلَكُ في الآية ليس في سياقِ نفيٍ دَخَلَتْ عليه " مِنْ " وإنما جيء به مفرداً لأنه أَخفُّ، ولأنَّ قولَه " على أَرْجائِها " يَدُلُّ على الجَمْعِ ؛ لأنَّ الواحدَ بما هو واحدٌ لا يمكنُ أَنْ يكونَ " على أرجائها " في وقتٍ واحدٍ، بل في أوقاتٍ. والمرادُ واللَّهُ أعلَمُ أنَّ الملائكةَ على أرجائها، لا أنه مَلَكٌ/ واحدٌ ينتقِلُ على أرجائها في أوقات ".
قلت : الزمخشريُّ مَنْزَعُه في هذا ما قدَّمْتُه عنه في أواخرِ سورةِ البقرة عند قوله ﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ فليُراجَعْ ثمة. وأمَّا قولُ الشيخ :" ما [ في الدار ] مِنْ رجال، إنَّ النفي مَنسَحِبٌ على رُتَبِ الجمعِ " ففيه خلافٌ للناسِ ونَظَرٌ. والتحقيقُ ما ذكره. والضمير في " فوقهم " يجوزُ أَنْ يعودَ على المَلَك ؛ لأنه بمعنى الجمع كما تقدَّم، وأَنْ يعودَ على الحامِلينَ الثمانيةِ. وقيل : يعود على جمع العالَمِ، أي : إن الملائكةَ تحملُ عَرْشَ اللَّهِ تعالى فوق العالَمِ كلِّه.
قوله :﴿ثمانيةٌ﴾ أَبْهم اللهُ تعالى هذا العددَ، فلم يَذْكُرْ له تمييزاً فقيل : تقديرُه ثمانية أشخاصٍ. وقيل : ثمانيةُ صُنوفٍ.
قوله :﴿الْحَاقَّةُ﴾ : مبتدأٌ و " ما " مبتدأٌ ثانٍ، و " الحاقَّةُ " خبرُه، والجملةُ خبرُ الأوِل، وقد تَقَدَّم تحريرُ هذا في الواقعة. وهناك سؤالٌ حسنٌ وجوابٌ مثلُه فعليك باعتبارِه. والحاقَّةُ فيها وجهان، أحدهما : أنَّه وصفٌ اسمُ فاعلٍ بمعنى : أنها تُبْدِي حقائق الأشياءِ. وقيل : لأنَّ الأمرَ يَحِقُّ فيها فهي من باب : ليلٌ نائمٌ ونهارٌ صائمٌ. وقيل : مِنْ حَقَّ الشيءُ : ثَبَتَ فهي ثابتةٌ كائنةٌ. وقيل : لأنها تَحُقُّ كلَّ مُحاقٍّ في دينِ اللَّهِ، أي : تَغْلِبُه. مِنْ حاقَقْتُه فحقَقْتُه أحُقُّه، أي : غَلَبْتُه. والثاني : أنها مصدرٌ كالعاقبةِ والعافيةِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى