اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات﴾.
العامل في «يوم » «ذلك الفوز العظيم ».
وقيل :«هو بدل من اليوم الأول ».
وقال ابن الخطيب(١) منصوب ب «اذْكر » مقدّرا.
واعلم أنه لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين، فقال : يوم يقول.
قوله :﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾. «اللام » للتبليغ.
و﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ قراءة العامة :«انْظُرونَا أمر من النَّظر ».
وحمزة :«أنْظِرُونا »(٢) بقطع الهمزة، وكسر الظَّاء من الإنظار بمعنى الانتظار.
وبها قرأ الأعمش، ويحيى بن وثَّاب(٣)، أي : انتظرونا لنلحق بكم، فنستضيء بنوركم.
والقراءة الأولى يجوز أن تكون بمعنى هذه، إذ يقال(٤) : نظره بمعنى انتظره، وذلك أنَّه يسرع بالخواص على نُجُب إلى الجنة، فيقول المنافقون : انتظرونا لأنَّا مُشَاة لا نستطيع لحوقكم، ويجوز أن يكون من النظر وهو الإبصار ؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيضيء لهم المكان، وهذا أليق بقوله :﴿نقتبس من نوركم﴾. قال معناه الزمخشري(٥).
إلاَّ أن أبا حيان قال(٦) : إن النَّظر بمعنى الإبصار لا يتعدى بنفسه إلا في الشِّعر، إنما يتعدى ب «إلى ».
قوله :﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي : نستضيء من نوركم.
و«القَبَس » : الشعلة من النار أو السِّراج.
قال ابن عبَّاس وأبو أمامة : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة(٧).
قال الماوردي(٨) : أظنّها بعد فصل القضاء، ثم يعطون نوراً يمشون فيه.
قال المفسّرون(٩) : يعطي الله كل أحد يوم القيامة نوراً على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين [ نوراً خديعة لهم، بدليل قوله تعالى :﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
وقيل : إنما يعطون النور ؛ لأن جميعهم أهل دعوة ](١٠) دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه. قاله ابن عباس.
وقال أبو أمامة : يعطى المؤمن النور، ويترك الكافر والمنافق بلا نور.
وقال الكلبي : بل يستضيء المنافق بنور المؤمنين، [ فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحاً وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين، فذلك قول المؤمنين ](١١) :﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة، فإنهم لا يبصرون مواضع أقدامهم، قالوا للمؤمنين :﴿انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾. قيل : ارجعُوا «وراءكم »، أي : إلى المواضع التي أخذنا منها النور، فاطلبوا هناك نوراً لأنفسكم، فإنكم لا تقتبسون من نورنا، فلما رجعوا وانعزلوا في طلبِ النور «ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ »(١٢).
وقيل : معناه هلاَّ طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا(١٣) ؟.
قوله :«وراءكم » فيه وجهان(١٤) :
أظهرهما : أنه منصوب ب «ارجعوا » على معنى ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور، فالتمسوا هناك ممن يقتبس، أو ارجعوا إلى الدُّنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه، وهو الإيمان، أو يكون معناه : فارجعوا خائبين وتنحّوا عنَّا فالتمسوا نوراً آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور.
والثاني : أن «وَرَاءكُم » اسم للفعل فيه ضمير فاعل، أي : ارجعوا «رجوعاً » قاله أبو البقاء(١٥).
ومنع أن يكون ظرفاً ل «ارجعوا ».
قال : لقلّة فائدته ؛ لأن الرُّجوع لا يكون إلاَّ إلى وراء.
قال شهاب الدين(١٦) :«وهذا فاسد ؛ لأن الفائدة جليلة كما تقدم شرحها ».
قوله :﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾.
العامة على بنائه للمفعول، والقائم مقام الفاعل يجوز أن يكون «بِسُورٍ » وهو الظاهر، وأن يكون الظرف.
وقال مكي(١٧) :«الباء » مزيدة، أي : ضرب سور. ثم قال :«والباء متعلقة بالمصدر أي : ضرباً بسور ».
وهذا متناقض(١٨)، إلاَّ أن يكون قد غلط عليه من النساخ، والأصل : والباء متعلقة بالمصدر، والقائم مقام الفاعل الظرف، وعلى الجملة هو ضعيف، والسور : البناء المحيط وتقدم اشتقاقه في أول البقرة(١٩).
قوله :«لَهُ بابٌ ». مبتدأ وخبر في موضع جرّ صفة ل «سُور ».
وقوله :﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون في موضع جر صفة ثانية ل «سور »، ويجوز أن تكون في موضع رفع صفة ل «باب »، وهو أولى لقربه، والضمير إنما يعود إلى الأقرب إلا بقرينة(٢٠).
وقرأ زيد بن علي(٢١)، وعمرو بن عبيد :«فضرب » مبنيًّا للفاعل، وهو الله أو الملك.

فصل في المراد بالسور


«السور » : حاجز بين الجنة والنار.
قال القرطبي(٢٢) :«روي أن ذلك السُّور ب «بيت المقدس » عند موضع يعرف ب «وادي جهنم » فيه الرَّحْمَة يعني : ما يَلِي منه المؤمنين، وظاهره من قبله العذاب يعني : ما يلي المنافقين ».
قال كعب الأحبار رضي الله عنه : هو الباب الذي ب «بيت المقدس » المعروف ب «باب الرحمة ».
وقال عبد الله بن عمرو : إنه سور ب «بيت المقدس » الشرقي، باطنه فيه المسجد، وظاهره من قبله العذاب، يعني : جهنم ونحوه عن ابن عباس(٢٣).
وقال زياد بن أبي سوادة : قام عبادة بن الصَّامت على سُور ب «بيت المقدس » الشرقي فبكى، وقال : من هاهنا أخبرنا رسول الله ﷺ أنه رأى جهنم(٢٤).
وقال قتادة : هو حائط بين الجنَّة والنار، ﴿باطنه فيه الرحمة﴾ يعني : الجنة، ﴿وظاهره من قبله العذاب﴾ يعني : جهنم(٢٥).
وقال مجاهد : إنَّه حجاب. كما في «الأعراف » وقد مضى القول فيه.
وقد قيل : إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي هو في ظاهره ظلمة المنافقين.
وقيل : السُّور عبارة عن منع المنافقين عن طلبِ المؤمنين.
١ التفسير الكبير ٢٩/١٩٥..
٢ ينظر: السبعة ٦٢٦، والحجة ٦/٢٦٩، وإعراب القراءات ٢/٣٥٠، وحجة القراءات ٦٩٩، والعنوان ١٨٦، وشرح شعلة ٥٩٨، وشرح الطيبة ٦/٣٩، وإتحاف ٢/٥٢١..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٦٢، والبحر المحيط ٨/٢٢٠، والقرطبي ١٧/١٥٩..
٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٧٦..
٥ ينظر: الكشاف ٤/٤٧٥..
٦ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٢٠..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٧٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٥١) وزاد نسبته إلى ابن مردويه والبيهقي في "البعث" عن ابن عباس..
٨ ينظر: النكت والعيون ٥/٤٧٤..
٩ ينظر: القرطبي ١٧/١٥٩..
١٠ سقط من أ..
١١ سقط من أ..
١٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٥٩) عن الكلبي..
١٣ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٥٩..
١٤ ينظر: الدر المصون ٦/٢٧٦..
١٥ ينظر البيتان في إعراب القرآن ص ١٢٠٨..
١٦ ينظر: الدر المصون ٦/٢٧٦..
١٧ ينظر: المشكل ٢/٧١٨..
١٨ ينظر: الدر المصون ٦/٢٧٦..
١٩ آية رقم (٢٣)..
٢٠ ينظر: السابق..
٢١ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٢١، والدر المصون ٦/٢٧٦..
٢٢ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٦٠..
٢٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٧٨) والحاكم (٤/٦٠١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٥٢) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر..

٢٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٥٢) وعزاه لعبد بن حميد عن عبادة بن الصامت وأخرجه الحاكم (٢/٤٧٩) من طريق محمد بن ميمون عن بلال بن عبد الله عن عبادة.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ورده الذهبي فقال: بل منكر وآخره باطل لأنه ما اجتمع عبادة برسول الله ﷺ هناك ثم من هو ابن ميمون وشيخه وفي نسخة أبي مسعر، عن سعيد عن زياد بن أبي سوادة قال: رئي عبادة بن الصامت ببيت المقدس يبكي وقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله ﷺ رأى جهنم فهذا المرسل أجود.
والطريق المرسل هو الذي ذكره المؤلف.
قلت: وفي سماع زياد من عبادة كلام وقد توقف أبو حاتم في سماعه منه.
وانظر جامع التحصيل ص (١٧٨)..

٢٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٧٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٥٢) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى