اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ الآية. لما قال :﴿وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٦] أتبعه ببيان من يهديه ومن لا يهديه. واعلم أن ( إن ) الثانية واسمها وخبرها في محل رفع خبراً ل «أن » الأولى(١) قال الزمخشري(٢) : وأدخلت «إنَّ » على كل واحد من جزأي الجملة لزيادة التأكيد ونحوه قول جرير :
قال أبو حيان : وظاهر هذا أنه شبه(٤) البيت بالآية، وكذلك قرنه الزجاج(٥) بالآية، ولا يتعين أن يكون البيت كالآية، لأن البيت يحتمل أن يكون ( إن الخليفة ) (٦) خبره ( به ترجى الخواتيم ) ويكون ( إنَّ(٧) اللَّهَ سَرْبَلَهُ ) جملة اعتراض بين اسم ( إنَّ ) وخبرها بخلاف الآية فإنه يتعين قوله :﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ﴾(٨) وحسن دخول «إن » على الجملة الواقعة خبراً لطول الفصل بينهما بالمعاطيف(٩). قال شهاب الدين : قوله : فإنه يتعين قوله :﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ﴾(١٠) يعني أن يكون خبراً. ليس كذلك، لأن الآية محتملة لوجهين آخرين ذكرهما الناس :
الأول : أن يكون الخبر محذوفاً تقديره : يفترقون(١١) يوم القيامة ونحوه، والمذكور تفسير(١٢) له كذا ذكره أبو البقاء (١٣).
والثاني : أن «إن » الثانية تكرير(١٤) للأولى على سبيل التوكيد(١٥)، وهذا ماش على القاعدة وهو أن الحرف إذا كرر توكيداً أعيد معه ما اتصل به(١٦) أو ضمير ما اتصل به، وهذا قد أعيد معه ما اتصل به أولاً، وهي الجلالة المعظمة فلم يتعين أن يكون قوله ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ﴾ خبراً ل «إنَّ » الأولى(١٧) كما ذكر(١٨). واختلف العلماء في المجوس، فقيل : قوم يعبدون النار، وقيل : الشمس والقمر وقيل : اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح(١٩)، وقيل : أخذوا من دين النصارى شيئاً ومن دين اليهود(٢٠) شيئاً، وهم القائلون بأن للعالم أصلان، نور وظلمة، وقيل هم قوم يستعملون النجاسات، والأصل : نجوس - بالنون - فأبدلت ميماً (٢١).
ومعنى ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي : يحكم بينهم، ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي : عالم(٢٢) بما يستحقه كل منهم، فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف (٢٣).
| إنَّ الخَلِيفَة إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ | سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الخَوَاتِيم(٣) |
الأول : أن يكون الخبر محذوفاً تقديره : يفترقون(١١) يوم القيامة ونحوه، والمذكور تفسير(١٢) له كذا ذكره أبو البقاء (١٣).
والثاني : أن «إن » الثانية تكرير(١٤) للأولى على سبيل التوكيد(١٥)، وهذا ماش على القاعدة وهو أن الحرف إذا كرر توكيداً أعيد معه ما اتصل به(١٦) أو ضمير ما اتصل به، وهذا قد أعيد معه ما اتصل به أولاً، وهي الجلالة المعظمة فلم يتعين أن يكون قوله ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ﴾ خبراً ل «إنَّ » الأولى(١٧) كما ذكر(١٨). واختلف العلماء في المجوس، فقيل : قوم يعبدون النار، وقيل : الشمس والقمر وقيل : اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح(١٩)، وقيل : أخذوا من دين النصارى شيئاً ومن دين اليهود(٢٠) شيئاً، وهم القائلون بأن للعالم أصلان، نور وظلمة، وقيل هم قوم يستعملون النجاسات، والأصل : نجوس - بالنون - فأبدلت ميماً (٢١).
ومعنى ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي : يحكم بينهم، ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي : عالم(٢٢) بما يستحقه كل منهم، فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف (٢٣).
١ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/١٧١، التبيان ٢/٩٣٦..
٢ الكشاف ٣/٢٨..
٣ البيت من بحر البسيط قاله جرير، اللسان (ختم)، وقد تقدم..
٤ في ب: أشبه..
٥ قال الزجاج: (وخبر "إن" الأولى جملة الكلام مع "إن" الثانية. وقد زعم قوم أن قولك: إن زيدا إنه قائم رديء. وأن هذه الآية إنما صلحت في الذي. ولا فرق بين الذي وغيره في باب (إن)، إن قلت: إن زيدا إنه قائم كان جيدا، ومثله قول الشاعر:
إن الخليفة إن الله سربله ***... البيت
وليس بين البصريين خلاف في أن "إن" تدخل على كل ابتداء وخبر، تقول: إن زيدا هو قائم وإن زيدا إنه قائم) معاني للقرآن وإعرابه ٣/٤١٧ – ٤١٨..
٦ في ب: أن يكون كالخليفة وهو تحريف..
٧ إن سقط من ب..
٨ أي: يتعين أن يكون خبرا..
٩ البحر المحيط ٦/٣٥٩..
١٠ في ب: "إن الله يفصل بينهم"..
١١ في ب: يعترفون. وهو تحريف..
١٢ في ب: يفسر. وهو تحريف..
١٣ التبيان ٢/٩٣٦، وانظر أيضا البيان ٢/١٧١..
١٤ في ب: تكرار..
١٥ انظر التبيان ٢/٩٣٦..
١٦ إذا كان المؤكد حرفا غير جواب عاملا أو غيره لم يعد اختبارا إلا مع ما دخل عليه إن كان مضمرا نحو قوله تعالى: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾ [المؤمنون: ٣٥] وإن كان ظاهرا يعاد هو أو ضميره نحو إن زيدا إن زيدا فاضل أو إن زيدا إنه فاضل، ولا بد من الفصل بين الحرفين كما سبق وشذ اتصالهما كقوله:
الهمع ٢/١٢٥، شرح الأشموني ٣/٨٢-٨٣..
١٧ في ب: الأول..
١٨ أي: كما ذكر أبو حيان..
١٩ في ب: المنسوخ. وهو تحريف والمسوح: جمع المسح، وهو الكساء من الشعر. اللسان (مسح)..
٢٠ في ب: من اليهود..
٢١ الدر المصون: ٥/٦٧..
٢٢ عالم: سقط من ب..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٣/٢٠..
٢ الكشاف ٣/٢٨..
٣ البيت من بحر البسيط قاله جرير، اللسان (ختم)، وقد تقدم..
٤ في ب: أشبه..
٥ قال الزجاج: (وخبر "إن" الأولى جملة الكلام مع "إن" الثانية. وقد زعم قوم أن قولك: إن زيدا إنه قائم رديء. وأن هذه الآية إنما صلحت في الذي. ولا فرق بين الذي وغيره في باب (إن)، إن قلت: إن زيدا إنه قائم كان جيدا، ومثله قول الشاعر:
إن الخليفة إن الله سربله ***... البيت
وليس بين البصريين خلاف في أن "إن" تدخل على كل ابتداء وخبر، تقول: إن زيدا هو قائم وإن زيدا إنه قائم) معاني للقرآن وإعرابه ٣/٤١٧ – ٤١٨..
٦ في ب: أن يكون كالخليفة وهو تحريف..
٧ إن سقط من ب..
٨ أي: يتعين أن يكون خبرا..
٩ البحر المحيط ٦/٣٥٩..
١٠ في ب: "إن الله يفصل بينهم"..
١١ في ب: يعترفون. وهو تحريف..
١٢ في ب: يفسر. وهو تحريف..
١٣ التبيان ٢/٩٣٦، وانظر أيضا البيان ٢/١٧١..
١٤ في ب: تكرار..
١٥ انظر التبيان ٢/٩٣٦..
١٦ إذا كان المؤكد حرفا غير جواب عاملا أو غيره لم يعد اختبارا إلا مع ما دخل عليه إن كان مضمرا نحو قوله تعالى: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾ [المؤمنون: ٣٥] وإن كان ظاهرا يعاد هو أو ضميره نحو إن زيدا إن زيدا فاضل أو إن زيدا إنه فاضل، ولا بد من الفصل بين الحرفين كما سبق وشذ اتصالهما كقوله:
| إن إنّ الكريم يحلم ما لم | يرين من أجاره قد ضيما |
١٧ في ب: الأول..
١٨ أي: كما ذكر أبو حيان..
١٩ في ب: المنسوخ. وهو تحريف والمسوح: جمع المسح، وهو الكساء من الشعر. اللسان (مسح)..
٢٠ في ب: من اليهود..
٢١ الدر المصون: ٥/٦٧..
٢٢ عالم: سقط من ب..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٣/٢٠..