غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
وفي قوله ﴿على ما رزقهم﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله تعالى ولو قيل " لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام " لم يكن شيء من هذه الفوائد. والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها. ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة. وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد. وعلى الأول يكون قوله ﴿في أيام﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ليشهدوا﴾ ﴿وليذكروا﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني. ومعنى ﴿بهيمة الأنعام﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل : إذا ذبحت فقل " بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك " وتستقبل القبلة.
وزاد الكلبي " إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ". قال القفال : كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته. أما قوله ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في " التوبة " وفي غيرها. ثم من الناس من قال : الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم. والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب. ثم منهم من قال : يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين. ومنهم من قال : يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال : يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار. والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً. وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية الخزاعي " قال : قلت : يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن ؟ قال : انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها " وقال أيضا ﷺ في مثله :" لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿وطهر بيتي﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿رجالاً﴾ هي النفس وصفاتها ﴿وعلى كل ضامر﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة. لأنها نيات الضمير فقط ﴿من كل فج عميق﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ويذكروا﴾ أي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿على ما رزقهم من﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة. ﴿وأحلت لكم﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ في قولنا ﴿ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١] وفي قول النبي ﷺ " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه " ﴿فاجتنبوا﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان. لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم. ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به. ﴿فله أسلموا﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿وبشر المخبتين﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة. ﴿وجلت قلوبهم﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿والصابرين على ما أصابهم﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿والمقيمي الصلاة﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿والبدن﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة.
﴿وكذلك سخرناها لكم﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿إن الله يدافع﴾ خيانة النفس وهواها ﴿عن الذين آمنوا﴾ ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله تعالى وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ولولا دفع الله﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿يذكر فيها اسم الله كثيراً﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿أن مكناهم في الأرض﴾ البشرية ﴿أقاموا﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.
وزاد الكلبي " إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ". قال القفال : كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته. أما قوله ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في " التوبة " وفي غيرها. ثم من الناس من قال : الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم. والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب. ثم منهم من قال : يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين. ومنهم من قال : يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال : يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار. والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً. وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية الخزاعي " قال : قلت : يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن ؟ قال : انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها " وقال أيضا ﷺ في مثله :" لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك ".
| شربت الحب كأساً بعد كأس | فما نفد الشراب وما رويت |