فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
محل ﴿ذلك﴾ الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك، أو مبتدأ خبره محذوف، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي افعلوا ذلك، والمشار إليه هو ما سبق من أعمال الحجّ، وهذا وأمثاله يطلق للفصل بين الكلامين أو بين طرفي كلام واحد، والحرمات جمع حرمة. قال الزجاج : الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وهي في هذه الآية ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها. والظاهر من الآية عموم كل حرمة في الحج وغيره كما يفيده اللفظ وإن كان السبب خاصاً، وتعظيمها ترك ملابستها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أي فالتعظيم خير له ﴿عِندَ رَبّهِ﴾ يعني : في الآخرة من التهاون بشيء منها. وقيل : إن صيغة التفضيل هنا لا يراد بها معناها الحقيقي، بل المراد : أن ذلك التعظيم خير ينتفع به، فهي عدة بخير ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ أي في الكتاب العزيز من المحرّمات، وهي الميتة وما ذكر معها في سورة المائدة. وقيل في قوله :﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١].
﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ الرجس : القذر، والوثن : التمثال، وأصله من وثن الشيء، أي أقام في مقامه، وسمي الصليب وثناً، لأنه ينصب ويركز في مقامه، فلا يبرح عنه. والمراد : اجتناب عبادة الأوثان، وسماها رجساً ؛ لأنها سبب الرجس وهو العذاب. وقيل : جعلها سبحانه رجساً حكماً، والرجس : النجس، وليست النجاسة وصفاً ذاتياً لها ولكنها وصف شرعي، فلا تزول إلا بالإيمان كما أنها لا تزول النجاسة الحسية إلا بالماء. قال الزجاج :«من » هنا لتخليص جنس من أجناس، أي فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن ﴿واجتنبوا قَوْلَ الزور﴾ الذي هو الباطل، وسمي زوراً ؛ لأنه مائل عن الحق، ومنه قوله تعالى :﴿تَزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]. وقولهم : مدينة زوراء، أي مائلة، والمراد هنا قول الزور على العموم، وأعظمه الشرك بالله بأيّ لفظ كان. وقال الزجاج المراد بقول الزور ها هنا : تحليلهم بعض الأنعام وتحريمهم بعضها، وقولهم :﴿هذا حلال وهذا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]. وقيل : المراد به : شهادة الزور.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿حرمات الله﴾ قال : الحرمة مكة والحجّ والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ يقول : اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان ﴿واجتنبوا قَوْل الزور﴾ يعني : الافتراء على الله والتكذيب به. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أيمن بن حريم قال : قام رسول الله ﷺ خطيباً فقال :( يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور شركاً بالله ) ( ثلاثاً، ثم قرأ :﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور﴾ )، قال أحمد : غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد. وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن حريم سماعاً من النبيّ ﷺ. وقد أخرجه أحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من حديث حريم. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال : قال رسول الله ﷺ :( «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثاً، قلنا : بلى يا رسول الله، قال :«الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئاً، فجلس فقال :«ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور»، فما زال يكرّرها حتى قلنا : ليته سكت ). وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿حُنَفَاء للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قال : حجاجاً لله غير مشركين به، وذلك أن الجاهلية كانوا يحجون مشركين، فلما أظهر الله الإسلام، قال الله للمسلمين : حجوا الآن غير مشركين بالله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصدّيق نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله﴾ قال : البدن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله﴾ قال : الاستسمان والاستحسان والاستعظام، وفي قوله :﴿لَكُمْ فِيهَا منافع إلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال : إلى أن تسمى بدناً. وأخرج هؤلاء عن مجاهد نحوه، وفيه قال : ولكم فيها منافع إلى أجل مسمى، في ظهورها وألبانها وأوبارها وأشعارها وأصوافها إلى أن تسمى هدياً، فإذا سميت هدياً ذهبت المنافع ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ يقول : حين تسمى ﴿إلى البيت العتيق﴾، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال : إذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ قال : عيداً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : إهراق الدماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : ذبحاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال : مكة لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها. وقد وردت أحاديث في الأضحية ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿وَبَشّرِ المخبتين﴾ قال : المطمئنين. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن أوس قال : المخبتون في الآية الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى