غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم. قيل : في المدخل الذي يرضونه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف صراع. وقال أبو القاسم القشيري : هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم. وقال ابن عباس : يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً ﴿وإن الله لعليم﴾ بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ﴿حليم﴾ عن تفريط المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿وكأين من قرية﴾ قالب ﴿أهلكناها﴾ بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة. ﴿وبئر معطلة﴾ هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق ﴿وقصر مشيد﴾ وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة ﴿أفلم يسيروا﴾ في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب ﴿فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ الرحمن بذاته ﴿أو آذان﴾ قلوب ﴿يسمعون بها﴾ أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله. وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن " وكقول يعقوب
﴿إني لأجد ريح يوسف﴾ [يوسف: ٩٤] ﴿ولن يخلف الله وعده﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله " سبقت رحمتي غضبي " ﴿وإن يوماً عند ربك كألف سنة﴾ قيل : لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت : ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل : جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿أمليت لها﴾ فيه انه تعالى يمهل ولنه لا يهمل ﴿لهم مغفرة﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل :
ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال " أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري " ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني. والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم ﴿إلا إذا تمنى﴾ فيه أن النبي ﷺ بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تأثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، ﴿أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾ هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها ﴿والذين هاجروا﴾ عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ﴿ثم قتلوا﴾ بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم ﴿أو ماتوا﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ليرزقهم الله رزقاً حسناً﴾ فرزق القلوب حلاوة العرفان. ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال. ﴿وإن الله لهو خير الرازقين﴾ لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال ﷺ " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿ومن عاقب﴾ بالمجاهدة نفسه ﴿بمثل﴾ ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ﴿ثم بغي عليه﴾ أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها ﴿لينصرنه الله﴾ باستئصال النفس وتمحيق صفاتها ﴿إن الله لعفوّ﴾ لما سلف ﴿غفور﴾ لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية. ﴿يولج﴾ ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس ﴿أنزل من﴾ سماء القلب ماء الحكمة ﴿فتصبح﴾ أرض البشرية ﴿مخضرة﴾ بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.
﴿إني لأجد ريح يوسف﴾ [يوسف: ٩٤] ﴿ولن يخلف الله وعده﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله " سبقت رحمتي غضبي " ﴿وإن يوماً عند ربك كألف سنة﴾ قيل : لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت : ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل : جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿أمليت لها﴾ فيه انه تعالى يمهل ولنه لا يهمل ﴿لهم مغفرة﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل :
| لا تنكرن جحدي هواك فإنما | ذاك الجحود عليك ستر مسبل |