غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
ثم بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال :﴿ذلك﴾ قال الزجاج : أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصةً إذا قتلوا أو ماتوا. عن مقاتل : أن قوماً من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا : إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل ﴿ومن عاقب﴾ أي قاتل ﴿بمثل ما عوقب به﴾ أي كما ابتدئ بقتاله سمي الابتداء باسم الجزاء للطباق وللملابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ﴿ثم بغي عليه﴾ أي ثم كان المجازي مبغياً عليه أي مظلوماً.
ومعنى " ثم " تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما قيل " البادي أظلم " وهو موجب لتنصرته ظاهراً إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوماً هو السبب الأصلي في النصرة. وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات. واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص فقال : من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه. وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه منها : أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠] وكأنه قال : أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام وطلب إكثار ما هو أولى به فإِني عفوّ غفور. ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح. ومنها أن دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وكأين من قرية﴾ قالب ﴿أهلكناها﴾ بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة. ﴿وبئر معطلة﴾ هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق ﴿وقصر مشيد﴾ وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة ﴿أفلم يسيروا﴾ في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب ﴿فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ الرحمن بذاته ﴿أو آذان﴾ قلوب ﴿يسمعون بها﴾ أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله. وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن " وكقول يعقوب
﴿إني لأجد ريح يوسف﴾ [يوسف: ٩٤] ﴿ولن يخلف الله وعده﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله " سبقت رحمتي غضبي " ﴿وإن يوماً عند ربك كألف سنة﴾ قيل : لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت : ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل : جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿أمليت لها﴾ فيه انه تعالى يمهل ولنه لا يهمل ﴿لهم مغفرة﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل :
لا تنكرن جحدي هواك فإنماذاك الجحود عليك ستر مسبل
ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال " أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري " ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني. والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم ﴿إلا إذا تمنى﴾ فيه أن النبي ﷺ بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تأثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، ﴿أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾ هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها ﴿والذين هاجروا﴾ عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ﴿ثم قتلوا﴾ بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم ﴿أو ماتوا﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ليرزقهم الله رزقاً حسناً﴾ فرزق القلوب حلاوة العرفان. ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال. ﴿وإن الله لهو خير الرازقين﴾ لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال ﷺ " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿ومن عاقب﴾ بالمجاهدة نفسه ﴿بمثل﴾ ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ﴿ثم بغي عليه﴾ أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها ﴿لينصرنه الله﴾ باستئصال النفس وتمحيق صفاتها ﴿إن الله لعفوّ﴾ لما سلف ﴿غفور﴾ لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية. ﴿يولج﴾ ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس ﴿أنزل من﴾ سماء القلب ماء الحكمة ﴿فتصبح﴾ أرض البشرية ﴿مخضرة﴾ بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى