فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله﴾ أي في شأن الله، كقول من قال : إن الملائكة بنات الله، والمسيح ابن الله، وعزير ابن الله. قيل : نزلت في النضر بن الحارث. وقيل : في أبي جهل. وقيل : هي عامة لكل من يتصدى لإضلال الناس وإغوائهم، وعلى كل حال فالاعتبار بما يدلّ عليه اللفظ وإن كان السبب خاصاً. ومعنى اللفظ : ومن الناس فريق يجادل في الله، فيدخل في ذلك كل مجادل في ذات الله، أو صفاته أو شرائعه الواضحة، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في محل نصب على الحال، أي كائناً بغير علم. قيل : والمراد بالعلم هو : العلم الضروري، وبالهدى هو العلم النظري الاستدلالي. والأولى حمل العلم على العموم، وحمل الهدى على معناه اللغوي، وهو : الإرشاد. والمراد بالكتاب المنير هو : القرآن، والمنير : النير البين الحجة الواضح البرهان، وهو وإن دخل تحت قوله :﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فإفراده بالذكر كإفراد جبريل بالذكر عند ذكر الملائكة، وذلك لكونه الفرد الكامل الفائق على غيره من أفراد العلم. وأما من حمل العلم على الضروري والهدى على الاستدلالي، فقد حمل الكتاب هنا على الدليل السمعي، فتكون الآية متضمنة لنفي الدليل العقلي ضرورياً كان أو استدلالياً، ومتضمنة لنفي الدليل النقلي بأقسامه، وما ذكرناه أولى. قيل : والمراد بهذا المجادل في هذه الآية هو المجادل في الآية الأولى، أعني قوله :﴿وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شيطان مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] وبذلك قال كثير من المفسرين. والتكرير للمبالغة في الذمّ كما تقول للرجل تذمه وتوبخه : أنت فعلت هذا أنت فعلت هذا ؟ ويجوز أن يكون التكرير لكونه وصفه في كل آية بزيادة على ما وصفه به في الآية الأخرى، فكأنه قال : ومن الناس من يجادل في الله ويتبع كلّ شيطان مريد بغير علم ﴿وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ﴾ ليضل عن سبيل الله اه. وقيل : الآية الأولى في المقلدين اسم فاعل. والثانية في المقلدين اسم مفعول. ولا وجه لهذا كما أنه لا وجه لقول من قال : إن الآية الأولى خاصة بإضلال المتبوعين لتابعيهم، والثانية عامة في كلّ إضلال وجدال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس والسديّ وابن يزيد وابن جريج أنه المعرض. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله :﴿ثَانِي عِطْفِهِ﴾ قال : أنزلت في النضر بن الحارث. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : هو رجل من بني عبد الدار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ﴿ثَانِي عطْفِهِ﴾ قال : مستكبراً في نفسه. وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾ قال : كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً وأنتجت خيله قال : هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه بسند صحيح قال : كان ناس من الأعراب يأتون النبيّ ﷺ يسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا : إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا : ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله :﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً نحوه، وفي إسناده العوفي. وأخرج ابن مردويه أيضاً من طريقه أيضاً عن أبي سعيد قال : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبيّ ﷺ فقال : أقلني أقلني، قال :«إن الإسلام لا يقال»، فقال : لم أصب من ديني هذا خيراً، ذهب بصري ومالي ومات ولدي، فقال :( يا يهوديّ، الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة )، فنزلت ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾ ). وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله﴾ قال : من كان يظنّ أن لن ينصر الله محمداً في الدنيا والآخرة ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قال : فليربط بحبل ﴿إِلَى السماء﴾ قال : إلى سماء بيته السقف ﴿ثُمَّ ليَقْطَعْ﴾ قال : ثم يختنق به حتى يموت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه قال :﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لن يَنصُرَهُ الله﴾ يقول : أن لن يرزقه الله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء﴾ فليأخذ حبلاً فليربطه في سماء بيته فليختنق به ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ قال : فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى