تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله﴾ يحتمل أن تكون رهبة هؤلاء في صدورهم على التحقيق، ويجوز أن يكون على التمثيل.
فأما وجه التمثيل فهو ما قال :﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هو منكم ولكنهم قوم يفرقون﴾ [التوبة: ٥٦] فأخبر أنهم يعتذرون إليهم بالحلف، فيجوز أن تكون معاملتهم هذه [ في ](١) التمثيل معاملة من يرهبهم. فسمى ذلك رهبة في صدورهم(٢). وهذا نحو قوله تعالى :﴿الذي جمع مالا وعدده﴾ ﴿يحسب أن ماله أخلده﴾[ الهمزة : ٢ و ٣ ] يعني : جمع ماله[ جمع من ﴿يحسب أن ماله ](٣) أخلده﴾ فكذلك الأول.
ويجوز أن يكون على التحقيق، ولذلك أوجه(٤) من التأويل :
أحدها : أنهم كانوا يظهرون الموالاة لكل فريق، وكان عندهم أن الله تعالى ولي أحد الفريقين لا محالة، وإذا نجا أحد الفريقين نجواهم. فكأنهم على هذا التأويل كانوا يرهبون الخلق جميعا، لا [ يخص بها ](٥) المؤمنون، وكانوا لا يرهبون الله لأنهم أمنوا ناحيته من الوجه الذي وصفنا.
[ والثاني ](٦) : يجوز أن تكون رهبتهم من المؤمنين خاصة ؛ وذلك أن أهل النفاق إنما كانوا من أحد الصنفين :
إما إن كانوا دهرية، فنافقوا، وإما إن كانوا أهل كتاب، فنافقوا.
فإذا كانوا دهرية فكانوا لا يرهبون الله تعالى لما كانوا غير مقرين بالصانع، وإن كانوا أهل كتاب فإنهم قد أمنوا أيضا لما كانوا يضيفون من قولهم :﴿نحن أبناؤا الله وأحباؤه﴾ [المائدة: ١٨].
وإذا سقطت الرهبة من كلا الجانبين من الله تعالى حصلت الرهبة من المؤمنين خاصة، والله أعلم.
[ والثالث ](٧) يجوز أن يكون تفسير قوله :﴿لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله﴾ في قوله :﴿ذلك بأنهم قوم لا يفقهون﴾ وذلك يحتمل وجهين :
أحدهما : أنهم لا يفقهون أن البلايا التي في الدنيا ونعيمها تذكير ببلايا الآخرة ونعيمها، وكانوا يرون أنها جعلت لأنفسها ؛ وإذا كان هذا وهمهم وحسبانهم لم يرهبوا من الله تعالى.
والثاني :﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ من الوعد والوعيد، بل كانت رهبتهم ممن كانوا يأملون منهم المنافع، ويحذرون مضارهم، فلا يرهبون من الله تعالى.
ولقائل أن يقول : إنه لا أحد من أهل الإسلام إلا ورهبته من الناس أشد من رهبته من الله تعالى ؛ لأنك ترى الرجل يمتنع عن الزلة عند اطلاع الناس عليه ما لا يمتنع عن كثير من الزلات في ما بينه وبين الله تعالى. والجواب عن هذا [ في وجهين ](٨) :
أحدهما : أنه ليس بإزاء الخوف من الإنسان رجاء يرجوه، وبإزاء رهبته من الله تعالى رجاء يرجوه من رحمته وإحسانه. فيجوز أن يكون الرجاء من رهبة الله ورحمته وفضله [ لا ](٩) يغلب عليه، فيقترف الذنوب، ويرتكبها(١٠).
والوجه الثاني : إذا كان في ما يرتكبه من الذنوب شرك(١١) فليس يهابهم، وإنما خوفه من قوم، فيهم سمة الصلاح وأمارة النصر لدين الله تعالى، ليس من نفس المخلوقين، والله أعلم.
فأما وجه التمثيل فهو ما قال :﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هو منكم ولكنهم قوم يفرقون﴾ [التوبة: ٥٦] فأخبر أنهم يعتذرون إليهم بالحلف، فيجوز أن تكون معاملتهم هذه [ في ](١) التمثيل معاملة من يرهبهم. فسمى ذلك رهبة في صدورهم(٢). وهذا نحو قوله تعالى :﴿الذي جمع مالا وعدده﴾ ﴿يحسب أن ماله أخلده﴾[ الهمزة : ٢ و ٣ ] يعني : جمع ماله[ جمع من ﴿يحسب أن ماله ](٣) أخلده﴾ فكذلك الأول.
ويجوز أن يكون على التحقيق، ولذلك أوجه(٤) من التأويل :
أحدها : أنهم كانوا يظهرون الموالاة لكل فريق، وكان عندهم أن الله تعالى ولي أحد الفريقين لا محالة، وإذا نجا أحد الفريقين نجواهم. فكأنهم على هذا التأويل كانوا يرهبون الخلق جميعا، لا [ يخص بها ](٥) المؤمنون، وكانوا لا يرهبون الله لأنهم أمنوا ناحيته من الوجه الذي وصفنا.
[ والثاني ](٦) : يجوز أن تكون رهبتهم من المؤمنين خاصة ؛ وذلك أن أهل النفاق إنما كانوا من أحد الصنفين :
إما إن كانوا دهرية، فنافقوا، وإما إن كانوا أهل كتاب، فنافقوا.
فإذا كانوا دهرية فكانوا لا يرهبون الله تعالى لما كانوا غير مقرين بالصانع، وإن كانوا أهل كتاب فإنهم قد أمنوا أيضا لما كانوا يضيفون من قولهم :﴿نحن أبناؤا الله وأحباؤه﴾ [المائدة: ١٨].
وإذا سقطت الرهبة من كلا الجانبين من الله تعالى حصلت الرهبة من المؤمنين خاصة، والله أعلم.
[ والثالث ](٧) يجوز أن يكون تفسير قوله :﴿لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله﴾ في قوله :﴿ذلك بأنهم قوم لا يفقهون﴾ وذلك يحتمل وجهين :
أحدهما : أنهم لا يفقهون أن البلايا التي في الدنيا ونعيمها تذكير ببلايا الآخرة ونعيمها، وكانوا يرون أنها جعلت لأنفسها ؛ وإذا كان هذا وهمهم وحسبانهم لم يرهبوا من الله تعالى.
والثاني :﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ من الوعد والوعيد، بل كانت رهبتهم ممن كانوا يأملون منهم المنافع، ويحذرون مضارهم، فلا يرهبون من الله تعالى.
ولقائل أن يقول : إنه لا أحد من أهل الإسلام إلا ورهبته من الناس أشد من رهبته من الله تعالى ؛ لأنك ترى الرجل يمتنع عن الزلة عند اطلاع الناس عليه ما لا يمتنع عن كثير من الزلات في ما بينه وبين الله تعالى. والجواب عن هذا [ في وجهين ](٨) :
أحدهما : أنه ليس بإزاء الخوف من الإنسان رجاء يرجوه، وبإزاء رهبته من الله تعالى رجاء يرجوه من رحمته وإحسانه. فيجوز أن يكون الرجاء من رهبة الله ورحمته وفضله [ لا ](٩) يغلب عليه، فيقترف الذنوب، ويرتكبها(١٠).
والوجه الثاني : إذا كان في ما يرتكبه من الذنوب شرك(١١) فليس يهابهم، وإنما خوفه من قوم، فيهم سمة الصلاح وأمارة النصر لدين الله تعالى، ليس من نفس المخلوقين، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: قلوبهم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: أوجها..
٥ في الأصل و م: أن يختص به..
٦ في الأصل و م: و..
٧ في الأصل و م: و.
٨ في الأصل و م: و جهان..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ في الأصل و م: ويرتكبه..
١١ في الأصل و م: شركا..
٢ في الأصل و م: قلوبهم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: أوجها..
٥ في الأصل و م: أن يختص به..
٦ في الأصل و م: و..
٧ في الأصل و م: و.
٨ في الأصل و م: و جهان..
٩ ساقطة من الأصل و م..
١٠ في الأصل و م: ويرتكبه..
١١ في الأصل و م: شركا..