محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٣ من سورة الحشر في ٩٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقول واحد من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٣ من سورة الحشر

٩٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لأنتُمْ أَشَدّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مّنَ اللّهِ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُونَ * لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرًى مّحَصّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّىَ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَعْقِلُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ : لأنتم أيها المؤمنون أشدّ رهبة في صدور اليهود من بني النضير من الله : يقول : هم يرهبونهم أشدّ من رهبتهم من الله ذَلكَ بأنّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ يقول تعالى ذكره : هذه الرهبة التي لكم في صدور هؤلاء اليهود التي هي أشد من رهبتهم من الله من أجل أنهم قوم لا يفقهون، قدر عظمة الله، فهم لذلك يستخفّون بمعاصيه، ولا يرهبون عقابه قدر رهبته منكم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يخرج معهم المنافقون الذين وعدوهم الخروج من ديارهم، ولئن قاتلهم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لا ينصرهم المنافقون الذين وعدوهم النصر، ولئن نصر المنافقون بني النضير ليولُّنّ الأدبار منهزمين عن محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه هاربين منهم، قد خذلوهم (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) يقول: ثم لا ينصر الله بني النضير على محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه، بل يخذلهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لأنتم أيها المؤمنون أشدّ رهبة في صدور اليهود من بني النضير من الله، يقول: هم يرهبونهم أشدّ من رهبتهم من الله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) يقول تعالى ذكره: هذه الرهبة التي لكم في صدور هؤلاء اليهود التي هي أشدّ من رهبتهم من الله من أجل أنهم قوم لا يفقهون، قدر عظمة الله، فهم لذلك يستخفُّون بمعاصيه، ولا يرهبون عقابه قدر رهبته منكم.
وقوله: (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ) يقول جلّ ثناؤه: يقاتلكم هؤلاء اليهود بني النضير مجتمعين إلا في قرى محصنة بالحصون، لا يبرزون لكم بالبراز، (أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) يقول: أو من خلف حيطان.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة والمدينة (أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) على الجِمَاع بمعنى الحيطان. وقرأه بعض قرّاء مكة والبصرة: (مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) على التوحيد بمعنى الحائط.
* والصواب من القول عندي في ذلك أنهما قرءاتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) يقول جلّ ثناؤه: عداوة بعض هؤلاء الكفار من اليهود بعضًا شديدة (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا) يعني المنافقين وأهل الكتاب، يقول: تظنهم مؤتلفين مجتمعة كلمتهم، (وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) يقول: وقلوبهم مختلفة لمعاداة بعضهم بعضًا.
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي وصفت لكم من أمر هؤلاء اليهود والمنافقين، وذلك تشتيت أهوائهم، ومعاداة بعضهم بعضًا من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظّ لهم مما فيه عليهم البخس والنقص.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) قال: تجد أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحقّ.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) قال: المنافقون يخالف دينهم دين النضير.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) قال: هم المنافقون وأهل الكتاب.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ. قَالَ أَيُّوبُ- أَوْ قَالَ حَظٌّ- إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ «١». كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ- حتى بلغ- عَلِيمٌ حَكِيمٌ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى [الأنفال: ٤١] الآية. ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى - حتى بلغ- لِلْفُقَراءِ... وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ- وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثم قال: استوعبت هذه الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً وَلَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ وَهُوَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ نَصِيبُهُ فِيهَا لَمْ يَعْرَقْ فيها جبينه.

[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١١ الى ١٧]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَضْرَابِهِ حِينَ بُعِثُوا إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعِدُونَهُمُ النَّصْرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَيْ لَكَاذِبُونَ فِيمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ إِمَّا لأنهم قالوا لهم قولا، ومن نيتهم أن لا يفوا لهم به، وإما لأنهم لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الَّذِي قَالُوهُ، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ أَيْ لَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أَيْ قَاتَلُوا مَعَهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ وَهَذِهِ بِشَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بنفسها، وقوله تَعَالَى: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ أَيْ يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النِّسَاءِ: ٧٧] ولهذا قال تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ثُمَّ قَالَ تعالى: لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ يَعْنِي أَنَّهُمْ مِنْ جبنهم
(١) أخرجه أبو داود في الإمارة باب ١٩، والنسائي في الفيء باب ١٦. [.....]
وَهَلَعِهِمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُوَاجَهَةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ بالمبارزة والمقاتلة بَلْ إِمَّا فِي حُصُونٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ مُحَاصَرِينَ فَيُقَاتِلُونَ لِلدَّفْعِ عَنْهُمْ ضَرُورَةً.
ثُمَّ قال تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أَيْ عَدَاوَتُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ شديدة، كما قال تعالى:
وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الْأَنْعَامِ: ٦٥] وَلِهَذَا قَالَ تعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أَيْ تَرَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ فَتَحْسَبُهُمْ مُؤْتَلِفِينَ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ غَايَةَ الِاخْتِلَافِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ:
يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ثم قال تعالى: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يَعْنِي كَمَثَلِ مَا أَصَابَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يَعْنِي يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ فَإِنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أجلاهم قبل هذا.
وقوله تَعَالَى: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ يَعْنِي مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ فِي اغْتِرَارِهِمْ بِالَّذِينِ وَعَدُوهُمُ النَّصْرَ من المنافقين وقول المنافقين لهم إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ، ثُمَّ لَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ وَجَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ وَالْقِتَالُ، تَخَلَّوْا عَنْهُمْ وَأَسْلَمُوهُمْ لِلْهَلَكَةِ، مِثَالُهُمْ فِي هَذَا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ سَوَّلَ لِلْإِنْسَانِ- وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- الْكُفْرَ، فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سول له تَبَرَّأَ مِنْهُ وَتَنَصَّلَ وَقَالَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ. وقد ذكر بعضهم هاهنا قِصَّةً لِبَعْضِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هِيَ كَالْمِثَالِ لِهَذَا الْمَثَلِ، لَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ وَحْدَهَا بِالْمَثَلِ، بَلْ هِيَ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْمُشَاكِلَةِ لَهَا.
فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَهِيكٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ إِنْ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَةً، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ فَعَمَدَ إِلَى امْرَأَةٍ فَأَجَنَّهَا، وَلَهَا إِخْوَةٌ فَقَالَ لِإِخْوَتِهَا عَلَيْكُمْ بِهَذَا القس فيداويها، قال فجاؤوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا وَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ، فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَجَاءَ إِخْوَتُهَا، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبُكَ إِنَّكَ أَعْيَيْتَنِي أَنَا صَنَعْتُ هَذَا بِكَ فَأَطِعْنِي أُنَجِّكَ مِمَّا صَنَعْتُ بِكَ، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً، فَسَجَدَ لَهُ فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧.
(٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٧.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
والسبب الذي أوجب لهم ذلك  أنكم(١) - أيها المؤمنون - ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ فخافوا منكم أعظم مما يخافون الله، وقدموا مخافة المخلوق الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، على مخافة الخالق، الذي بيده الضر والنفع، والعطاء والمنع.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ مراتب الأمور، ولا يعرفون حقائق الأشياء، ولا يتصورون العواقب، وإنما الفقه كل الفقه، أن يكون خوف الخالق ورجاؤه ومحبته مقدمة على غيرها، وغيرها تبعا لها.
١ - في ب: حملهم على ذلك.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وحسب من بعدهم من الفضل أن يسير خلفهم، ويأتم بهداهم، ولهذا ذكر الله من اللاحقين، من هو مؤتم بهم وسائر خلفهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد المهاجرين -[٨٥٢]- والأنصار ﴿يَقُولُونَ﴾ على وجه النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾
وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، السابقين من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين (١) التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضا.
ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره (٢)، الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين.
فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم: ﴿سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ دليل على المشاركة في الإيمان (٣)، وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم، ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها، واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم المؤمنين، لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضا، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن ينصح له حاضرا وغائبا، حيا وميتا، ودلت الآية الكريمة [على] أن هذا من جملة حقوق المؤمنين بعضهم لبعض، ثم ختموا دعاءهم باسمين كريمين، دالين على كمال رحمة الله وشدة رأفته وإحسانه بهم، الذي من جملته، بل من أجله، توفيقهم للقيام بحقوق الله وحقوق عباده.
فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أصناف هذه الأمة، وهم المستحقون للفيء الذي مصرفه راجع إلى مصالح الإسلام.
وهؤلاء أهله الذين هم أهله، جعلنا الله منهم، بمنه وكرمه.
ثم تعجب تعالى من حال المنافقين، الذين طمعوا إخوانهم من أهل الكتاب، في نصرتهم، وموالاتهم على المؤمنين، وأنهم يقولون لهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ أي: لا نطيع في عدم نصرتكم أحدا يعذلنا أو يخوفنا، ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في هذا الوعد الذي غروا به إخوانهم.
ولا يستكثر هذا عليهم، فإن الكذب وصفهم، والغرور والخداع مقارنهم، والنفاق والجبن يصحبهم، ولهذا كذبهم [الله] بقوله، الذي وجد مخبره كما أخبر الله به، ووقع طبق ما قال، فقال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ من ديارهم جلاء ونفيا ﴿لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ لمحبتهم للأوطان، وعدم صبرهم على القتال، وعدم وفائهم بوعدهم (٤).
﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ بل يستولي عليهم الجبن، ويملكهم الفشل، ويخذلون إخوانهم، أحوج ما كانوا إليهم.
﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ على الفرض والتقدير (٥) ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أي: ليحصل منهم الإدبار عن القتال والنصرة، ولا يحصل لهم نصر من الله.
والسبب الذي أوجب لهم ذلك (٦) أنكم - أيها المؤمنون - ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ فخافوا منكم أعظم مما يخافون الله، وقدموا مخافة المخلوق الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، على مخافة الخالق، الذي بيده الضر والنفع، والعطاء والمنع.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مراتب الأمور، ولا يعرفون حقائق الأشياء، ولا يتصورون العواقب، وإنما الفقه كل الفقه، أن يكون خوف الخالق ورجاؤه ومحبته مقدمة على غيرها، وغيرها تبعا لها.
(١) كذا في ب، وفي أ: للمؤمنين.
(٢) في ب: لقليله وكثيره.
(٣) في ب: المشاركة فيه.
(٤) في ب: بالوعد.
(٥) كذا في ب، وفي أ: على ضرب المثل.
(٦) في ب: حملهم على ذلك.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
لأنتم
يعني المؤمنين
في صدورهم
يعني المنافقين وقيل اليهود

إعراب الآية ١٣ من سورة الحشر

من كتاب: إعراب القرآن

يقومون، ودخلت اللام في الأول لأنه شرط للثاني، وكذا ما بعده، وكذا ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ معطوف عليه، ويجوز أن يكون مقطوعا منه.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٣]

لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣)
أي في صدور بني النضير من اليهود، ونصبت رهبة على التمييز. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي من أجل أنّهم قوم لا يفقهون قدر عظمة الله جلّ وعزّ فهم يجترءون على معاصيه ولا يتخوّفون عقابه.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٤]

لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)
نصبت جَمِيعاً على الحال، وقرية وقرى عند الفرّاء شاذّ كان يجب أن يكون جمعه قراء مثل غلوة وغلاء. قال أبو جعفر: وأنكر أبو إسحاق هذا وأن يقال شاذّ لما نطق به القرآن، ولكنه مثل ضيعة وضيع جاء بحذف الألف.
وقيل: هو اسم للجميع. أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ وقرأ أبو عمر وابن كثير أو من وراء جدار «١» وحكي عن المكيين أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بفتح الجيم وإسكان الدال، ويجوز جدر على أن الأصل جدر فحذفت الضّمة لثقلها. وجدر لغة بمعنى جدار، وجدار واحد يؤدّي عن جمع إلا أن الجمع أشبه بنسق الآية لأن قبله إِلَّا فِي قُرىً ولم يقل: إلّا في قرية تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً مفعول ثان لتحسب، وليس على الحال. وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى قال قتادة: أهل الباطل مختلفة أهواؤهم مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون على معاداة أهل الحقّ. قال مجاهد: وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى لأن بني النضير يهود والمنافقين ليسوا بيهود. وفي حرف «٢» ابن مسعود وقلوبهم أشتّ يكون أفعل بمعنى فاعل أو يحذف منه «من» ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ أي لا يعقلون ما لهم فيه الحظّ مما عليهم فيه النّقص.

[سورة الحشر (٥٩) : آية ١٥]

كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ المعنى مثلهم كمثل الذين من قبلهم حين تمادوا على العصيان فأهلكوا. واختلف أهل التأويل في الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هاهنا فقال ابن عباس:
هم بنو قينقاع، وقال مجاهد هم أهل بدر. والصواب أن يقال في هذا: إنّ الآية عامة
(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٧. انظر تيسير الداني ١٧٠ (قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الجيم وألف بعد الدال، وأمال أبو عمرو فتحة الدال والباقون «جدر» بضم الجيم والدال).
(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٨.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

قول واحد من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَأَنْتُمْ﴾ معشر المسلمين ﴿أشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: قلوب المنافقين؛ ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ فيَعتبرون١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٨١.
التفسير بالمأثور لسورة الحشر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٣ من سورة الحشر

١٠ وقفات في هذه الآية

  • (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) إظهار العدو الكافر والمنافق لك قوته هو مجرد تصنع فخبيئتهم الرهبة من المؤمنين.

    — محسن المطيرى

  • "لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله" الرهبة أشدُّ من الخوف، فهي طول واستمرار الخوف، ومن ثَمَّ قيل للراهب: راهب؛ لأنَّه يُديم خوفه.

    — فوائد القرآن

  • " لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون" المنافق يخشى الناس ويخافهم أكثر من الله سبحانه

    — نوال العيد

  • المنافق يُخوَّف بالناس، والمؤمن يُخوَّف بالله، تأمل: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّه).

    — القصاب

  • تأملات في سورة الحشر آيه 13

    — خالد السبت

  • (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) عندما يخلو القلب من تعظيم الله فإنه يخلو من خوف الله

    — مجالس التدبر

  • ‌‏﴿لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ‏تدل على أن من خاف غير الله عز وجل فليس بفقيه، بل هو جاهل.

    — نجم الدين الطوفي

  • قوله {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} وبعده {قوم لا يعقلون} لأن الأول متصل بقوله {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} لأنهم يرون الظاهر ولا يفقهون علم ما استتر عليهم والفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه بسرعة فطنة فنفى عنهم ذلك والثاني متصل بقوله {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} أي لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا.

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • قوله تعالى: (لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) أي أشدُّ خوفاً في صدور المنافقين أو اليهود، وظاهرُه لأنتم أشد خوفاً من الله تعالى. فإن قلتَ: إن عُلِّق قولُه " من الله " بأشدَّ، لزم ثبوتُ الخوف للَّهِ وهو مُحال، أو بالرهبة لزم كونُ المؤمنين أشدَّ خوفاً من المذكورين، وليس مراد اً؟ قلتُ: الرهبةُ مصدر " رُهِب " بالبناء للمفعول هنا، فالمعنى أشدُّ موهوبيةً، يعني أنكم في صدورهم أهيبُ من كونِ الله تعالى فيها، ونظيرُه قولُك: زيدٌ أشدُّ ضرباً في الدار من عمرو، يعني مضروبيةً.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) ختمه هنا بقوله " لا يفقهون " وبعده بقوله " لا يعقلون " لأن الأول متصل بقوله " لأنتُمْ أشدُّ رهْبَةً في صدُورِهمْ منَ اللَّهِ " أي لأنهم يفقهون ظاهر الشيء دون باطنه، والفقهُ معرفةُ الظاهر والباطن، فناسب نفيُه الفقه عنهم. والثاني متَّصلٌ بقوله " تَحْسبُهم جَمِيعاً وقلوبُهُمْ شَتَّى " أي لو عقلوا لاجتمعوا على الحقِّ ولم يتفرَّقوا، فناسب نَفيُ العقلِ عنهم. إن قلتَ: كيف يستقيم التفضيلُ بأشدِّيةِ الرهبة، مع أنهم لا يرهبون الله، لأنهم لو رهبوه لتركوا النفاق والكفر؟! قلتُ: معناه أن رهبتَهم في السرِّ منكم، أشدُّ من رهبتهم من الله تعالى، التي يظهرونها لكم، وكانوا يُظهرون للمؤمنين رهبةً شديدةً من الله تعالى.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

ترجمات معاني الآية ١٣ من سورة الحشر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(13) You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال