تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ اللين : نوع من التمر، وهو جيد.
قال : أبو عبيدة : وهو ما خالف العجوة والبَرْنِيّ من التمر.
وقال كثيرون(١) من المفسرين : اللينة : ألوان التمر سوى العجوة.
قال : ابن جرير : هو جميع النخل. ونقله عن مجاهد : وهو البُوَيرة أيضًا ؛ وذلك أن رسول الله ﷺ لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم(٢) إهانة لهم، وإرهابًا وإرعابًا لقلوبهم. فروى محمد ابن إسحاق عن يزيد بن رومان، وقتادة، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا :[ فبعث بنو النضير ] (٣) يقولون لرسول الله ﷺ : إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار ؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة، أي : ما قطعتم وما تركتم من الأشجار، فالجميع بإذن الله ومشيئته وقدرته (٤) ورضاه، وفيه نكاية بالعدو(٥) وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم.
وقال مجاهد : نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا : إنما هي مغانم المسلمين. فنزل(٦) القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه. وقد روي نحو هذا مرفوعًا، فقال النسائي : أخبرنا الحسن بن محمد، عن(٧) عفان، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله :﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال : يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم، فقال المسلمون : قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله ﷺ : هل لنا فيما قطعنا من أجر ؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر ؟ فأنزل الله :﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (٨).
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا سفيان بن وَكِيع، حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر - وعن أبي الزبير، عن جابر - قال : رخص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم فأتوا(٩) النبي ﷺ فقالوا : يا رسول الله، علينا إثم فيما قطعنا ؟ أو علينا وزر فيما تركنا ؟ فأنزل الله، عز وجل :﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١٠).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ؛ أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحَرّق.
وأخرجه صاحبا الصحيح من رواية موسى بن عقبة، بنحوه (١١) ولفظ البخاري من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال : حاربت(١٢) النضيرُ وقريظة، فأجلى بني النضير وأقر قريظة ومَنّ عليهم حتى حاربت قريظة فقتل من رجالهم وقسم(١٣) نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فأمَّنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكلّ يهود بالمدينة.
ولهما أيضًا عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر : أن رسول الله ﷺ حَرّق نخل بني النضير وقطع - وهي البُوَيرةُ - فأنزل الله، عز وجل فيه :﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١٤).
وللبخاري، رحمه الله، من رواية جُوَيْرية بن أسماء عن نافع، عن عبد الله بن عمر ؛ أن رسول الله ﷺ حَرّق نخل بني النضير(١٥). ولها يقول حسان بن ثابت، رضي الله عنه :
وَهَان عَلى سَراة بني لُؤيّحَريق بالبُوَيَرة مُسْتَطيرُ
فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول :
أدَام اللهُ ذلكَ من صَنيعوَحَرّق في نَوَاحيها السَّعير
سَتَعلم أيُّنا منْها بِنزهٍوَتَعْلُمُ أيّ أرْضينَا نَضِيرُ
كذا رواه البخاري (١٦) ولم يذكره ابن إسحاق.
وقال محمد ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف :فقال :
لَقَد خَزيت (١٧) بغَدْرَتِها الحُبُوركَذَاكَ الدهرُ ذو صَرْف يَدُورُ
وَذَلك أنَّهم كفَرُوا بِرَبّعَظيم أمرُهُ أمرٌ كَبِيرُ
وقَد أوتوا معًا فَهمًا وعلماوَجَاءهُمُ من الله النَّذيرُ
نَذير صَادق أدّى (١٨) كتاباوآيات مُبَيَّنَةً تُنيرُ
فقال (١٩) ما أتيت بأمر صدقوأنت بمنكر منا جَديرُ
بَلى لقد أديتُ حقًايُصَدّقني به الفَهم الخَبيرُ
فَمن يَتْبعه يُهدَ لِكُل رُشُدوَمَن يَكفُر به يُجزَ الكَفُورُ
فَلَمَّا أْشربُوا غَدْرًا وكُفْرًاوَجَدّ بهم عن الحَقّ النَفورُ
أرَى الله النبيّ بِرَأي صدْقوكانَ الله يَحكُم لا يَجُورُ
فَأيَّدَهُ وَسَلَّطَه عَلَيهموكانَ نَصيرهُ نعْم النَّصيرُ. . .
فَغُودرَ منْهمُو كَعب صريعًافَذَلَّتْ بعدَ مَصْرَعة النَّضيرُ
عَلى الكَفَّين ثمَّ وقَدْ عَلَتْهُ. . . بأيدينا مُشَهَّرة ذكُورُفَقَالَ :
بأمْر مُحَمَّد إذ دَس لَيلاإلى كَعب أخَا كَعب يَسيرُ
فَمَا كَرَه فَأنزلَه بِمَكْروَمحمودُ أخُو ثقَة جَسُورُ
فَتلْك بَنُو النَّضير بدار سَوءأبَارَهُمُ بما اجترموا المُبيرُ
غَداة أتاهُمُ في الزّحْف رَهوًارَسُولُ الله وَهّوَ بهم بَصيرُ
وَغَسَّانُ الحماةُ مُوازرُوهعَلَى الأعداء وهو لهم وَزيرُ
السْلم ويحكمُ فَصَدّواوَحَالفَ أمْرَهَم كَذبٌ وَزُورُ
فَذَاقُوا غبّ أمْرهُمُ دَبَالالكُلّ ثَلاثَة منهُم بَعيرُ
وَأجلوا عَامدين لقَينُقَاعوَغُودرَ مِنْهُم نَخْل ودُورُ (٢٠)
قال : وكان مما(٢١) قيل من الأشعار في بني النضير قولُ ابن لُقَيم العَبْسيّ - ويقال : قالها قيس بن بحر بن طريف، قال ابن هشام الأشجعي :
أهلي فدَاءٌ لامرئ غَير هَالكأحَلّ (٢٢) اليهودَ بالحَسِى(٢٣) المُزَنَّم
يَقيلُونَ في جَمْر الغَضاة وبُدّلُواأهَيضبَ عودا بالوَدي المُكَمَّم
فإن يَكُ ظَني صَادقًا بمُحَمديَرَوا خَيلَه بينَ الصّلا وَيَرمْرَم(٢٤)
يَؤمّ بها عَمرو بنُ بُهثَةَ إنَّهُمْعَدُو ما حَيّ صَديق كمُجْرم
عَلَيهنّ أبطالُ مَساعيرُ في الوَغَىيَهُزّونَ أطرافَ الوَشيج المُقَوّم
وكُلّ رَقيق الشَّفرتَين مُهَنَّدٍتُورثْنَ من أزْمان عاد وَجُرْهُمِ
فَمَن مُبلغٌ عَني قُرَيشًا رسَالةفَهَلْ بَعدَهُم في المجْد من مُتَكرّم
بأنّ أخاكمُ فاعلَمنّ مُحَمَّدًاتَليدُ النَّدى بينَ الحَجُون وزَمْزَم
فَدينُوا له بالحقّ تَجْسُمْ أمُورُكموتَسْمُوا منَ الدنْيا إلى كُل مُعْظَم
نبي تلافَته منَ الله رَحَمةٌولا تَسْألُوهُ أمْرَ غَيب مُرَجَّم
فَقَدْ كانَ في بَدْر لَعَمْري عِبرَةٌلَكُم يا قُرَيش والقَليب المُلَمَّم
غَدَاة أتَى في الخَزْرَجيَّةِ عامِدًاإليكُم مُطيعًا للعَظيمِ المُكَرّم
مُعَانًا برُوح القُدْس يَنْكي عَدوهرَسُولا مِنَ الرّحمن حَقّا بِمَعْلم
رَسُولا مِنَ الرّحمن يَتْلُو كِتابَهُفَلَمّا أنارَ الحَقّ لم يَتَلعْثَم
أرَى أمْرَهُ يَزْدَادُ في كُلّ مَوْطنعُلُوّا لأمرْ حَمَّه اللهُ مُحْكَم(٢٥)
وقد أورد ابن إسحاق، رحمه الله، هاهنا أشعارًا كثيرة، فيها آداب ومواعظ وحكم، وتفاصيل للقصة، تركنا باقيها اختصارًا واكتفاء بما ذكرناه، ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق : كانت وقعة بني النضير بعد وقعة أحد وبعد بئر معونة. وحكى البخاري، عن الزهري، عن عروة أنه قال : كانت وقعة بني النضير بعد بدر بستة أشهر(٢٦).
١ - (٤) في م: "كثير"..
٢ - (٥) في م: "نخلهم"..
٣ -(٦) في هـ بياض، وفي م: "بنو قريظة" وهو خطأ، والمثبت من تفسير الطبري. ومستفادا من هامش ط. الشعب..
٤ - (٧) في م: "وقدره"..
٥ - (٨) في م: "للعدو"..
٦ - (٩) في م: "فأنزل"..
٧ - (١٠) في م: "بن"..
٨ - (١١) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٤)..
٩ - (١) في م: "فسألوا"..
١٠ - (٢) مسند أبي يعلى (٤/١٣٥) وفيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف. تنبيه: رواية سليمان بن موسى عن جابر لم أجدها في مسند أبي يعلى المطبوع فلعلها سقطت..
١١ - (٣) المسند (٢/٧) وصحيح البخاري برقم (٢٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦)..
١٢ - (٤) في م: "حارب"..
١٣ - (٥) في م: "فقتل من رجالهم وسبى وقسم"..
١٤ - (٦) صحيح البخاري برقم (٤٨٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦)..
١٥ - (٧) في هـ، أ: "نخل بنى النضير، وقطع البويرة"، وقوله: "قطع البويرة" غير ثابت في البخاري، ويبدو أنه سهو من الناسخ..
١٦ - (١) صحيح البخاري برقم (٤٠٣٢)..
١٧ - (٢) في أ: "خربت"..
١٨ - (٣) في م: "أوتي"..
١٩ - (٤) في م: "فقالوا"..
٢٠ - (٥) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٩)..
٢١ - (٦) في م: "ومما كان"..
٢٢ - (١) في أ: "أجلي"..
٢٣ - (٢) في م، أ: "بالحس"..
٢٤ - (٣) في أ: "بين الصفا وبزمزم"..
٢٥ - (٤) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٥)..
٢٦ - (٥) صحيح البخاري (٧/٣٢٩) "فتح"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى