اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾.
«ما » شرطية في موضع نصب ب «قطعتم »، و«من لينة » بيان له، و«فبإذن الله » جزاء الشرط، فلا بد من حذف، أي : فقطعها بإذن الله، فيكون «بإذن الله » الخبر لذلك المبتدأ(١).
واللِّيْنة : فيها خلاف كبير(٢).
قيل : هي النَّخْلة مطلقاً.
وأنشد الشاعر في ذلك :[ الطويل ]
كَأنَّ قُتُودِي فوقهَا عُشُّ طَائرٍعَلَى لِينَةٍ سَوْقاءَ تَهْفُو جُنُوبُهَا(٣)
وقال ذو الرمة :[ الطويل ]
طِرَاقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍنَدَى لَيْلهِ فِي رِيشِهِ يَتَرقْرَقُ(٤)
وقيل : هي النَّخْلة ما لم تكن عجوة. قاله الزهري، ومالك، وسعيد بن جبير وعكرمة، والخليل.
وقيل : ما لم تكن عجوة ولا برنيَّة، وهو قول أبي عبيدة.
قال جعفر بن محمد : هي العجوة خاصة، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح في السفينة والعتيق : الفَحْل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها، فلذلك شقّ على اليهود قطعها حكاه الماوردي(٥).
وقيل : هي النَّخْلة الكريمة، أي : القريبة من الأرض.
وأنشد الأخفش رحمة الله عليه :[ الخفيف ]
قَدْ شَجَانِي الحمَامُ حِينَ تَغَنَّىبِفِراقِ الأحْبَابِ مِنْ فَوْقِ لِينَهْ(٦)
وقال سفيان بن عيينة : هي ضرب من النخل، يقال لثمره : اللَّون. تمره أجود التَّمر، وهو شديد الصُّفرة يرى نواه من خارجه، ويغيب فيه الضِّرْس، النخلة منها أحب إليهم من وصيف.
وقيل : هي الفَسِيْلة ؛ لأنها ألينُ من النخلة.
وأنشد :[ الخفيف ]
غَرَسُوا لِينَةً بِمَجْرَى مَعِينٍثُمَّ حَفُّوا النَّخِيلَ بالآجَامِ(٧)
وقيل : اللينة هي الأشجار كلها للينها بالحياة، وأنشد بيت ذي الرمة المتقدم.
وقال الأصمعي : إنها الدَّقَل. قال : وأهل «المدينة » يقولون : لا تنتفخ الموائد حتى توجد الألوان يعنون الدَّقل.
قال ابن العربي(٨) :«والصَّحيح ما قاله الزهري ومالك ».
وفي عين «لينة » قولان(٩) :
أحدهما : أنها «واو » ؛ لأنها من اللون، وإنما قلبت ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها ك «ديمة » و«قيمة ».
الثاني : أنها «ياء » ؛ لأنها من اللين.
وجمع اللينة «لين » ؛ لأنه من باب اسم الجنس ك «تمرة، وتمر ».
وقد كسر على «ليان » وهو شاذّ ؛ لأن تكسير ما يفرق بتاء التأنيث شاذ ك «رطبة ورطب وأرطاب ».
وأنشد :[ المتقارب ]
وسَالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِّيَانِ أضْرَمَ فيهَا الغَويُّ الشُّعُرْ(١٠)
والضمير في قوله «تَرَكْتُمُوهَا » عائد على معنى «ما »(١١).
قوله :«قَائِمَةً ».
قرأ عبد الله والأعمش وزيد(١٢) بن علي :«قُوَّماً » على وزن «ضُرَّباً » جمع «قائم » مراعاة لمعنى «ما » فإنه جمع.
وقرأ(١٣) عبد الله، ﴿ما قطعتم من لينةٍ ولا تركتموها على أصولها﴾ أي : لم تقطعوها.
وقرئ(١٤) :«قَائِماً » مفرداً مذكراً.
وقوله :﴿أُصُولِهَا﴾.
قرئ :«أصْلها »(١٥) بغير «واو »، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه جمع «أصل » نحو :«رَهْن ورُهُن ».
والثاني : أن يكون حذف الواو استثقالاً لها، واكتفى بالضمة عن «الواو ».

فصل في نزول الآية :


روي أن رسول الله ﷺ لما نزل بنو النضير، وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ذلك، وقالوا : يا محمد زعمت أنك تريد الصَّلاح، أفمن الصلاح قطع الشجر وعَقْر النخل ؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض ؟ فوجد المسلمون في أنفسهم وخشوا أن ذلك فساداً، واختلفوا في ذلك.
فقال بعضهم : لا تقطعوا فإنها مما أفَاءَ اللَّه علينا.
وقال بعضهم : بل نُغيظهم بقطعها، وأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم(١٦).
وروي عن عمر - رضي الله عنه - قال : حرَّق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع وهي «البُويرة »، فنزل :﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله﴾(١٧) أخبر في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه «فبإذْنِ الله » أي : بأمره ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسقين﴾.
و«اللام » في «ليخزي » متعلقة بمحذوف أي : أذن في قطعها ليسرَّ المؤمنين ويعزهم ويخزي الفاسقين(١٨).

فصل في هدم حصون الكفار


احتجُّوا بهذه الآية على أنَّ حصون الكفرة وديارهُم يجوز هدمُهَا وتحريقُهَا وتغريقها وأن ترمى بالمجانيق وكذلك أشجارهم(١٩).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنهم قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال(٢٠).
وروي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة والآخر اللون، فسألهما رسول الله ﷺ فقال هذا : تركتها لرسول الله ﷺ، وقال الآخر : قطعتها غيظاً على الكُفَّار(٢١).
واستدلوا به على جواز الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ.
قال الماوردي رحمه الله(٢٢) : في هذه الآية دليل على أن كل مجتهد مصيب.
وقال إلكيا الطبري : وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي ﷺ بين أظهرهم، ولا شكَّ أن رسول الله ﷺ رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط.
قال ابن العربي(٢٣) : وهذا باطل لأن رسول الله ﷺ كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور النبي ﷺ وإنما يدل على اجتهاد النبي ﷺ فيما لم ينزل عليه أخذاً بعموم الأذية للكفار، ودخولاً في الإذْنِ للكل فيما يقضي عليهم بالبوارِ، وذلك قوله - عز وجل - :﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسقين﴾.
١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٣..
٢ ينظر: القرطبي ١٨/٨..
٣ قائله ذو الرُّمة، ينظر ديوانه (٨٥)، والكشاف ٤/٨١، والسراج المنير ٤/٢٤١، والدر المصون ٦/٢٩٣..
٤ تقدم..
٥ ينظر: النكت والعيون ٥/٥٠٢..
٦ ينظر: القرطبي ١٧/٨..
٧ ينظر: القرطبي ١٧/٨، والبحر ٨/٢٤٣، والدر المصون ٦/٣٩٤..
٨ ينظر: أحكام القرآن ٤/١٧٦٩..
٩ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٤..
١٠ قائله هو امرؤ القيس، ويروى "السمر" مكان "السعر".
ينظر ديوانه ص ١٦٥، وإعراب القرآن للنحاس ٤/٣٩١، واللسان (سحق) ومجمع البيان ٩/٣٨٥، والقرطبي ١٨/٨، والمعاني الكبير ص ١٧..

١١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٤..
١٢ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٨٥، والبحر المحيط ٨/٢٤٤، والدر المصون ٦/٢٩٤، والقرطبي ١٨/٨..
١٣ ينظر: القرطبي ١٨/٨..
١٤ ينظر الكشاف ٤/٥٠١، والبحر المحيط ٨/٢٤٤، والدر المصون ٦/٢٩٤..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٤٤، والدر المصون ٦/٢٩٤..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٣)، من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رومان وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٣١٥)..
١٧ أخرجه البخاري (٨/٤٩٧)، كتاب التفسير، باب: "ما قطعتم من لينة" حديث (٤٨٨٤)، من طريق نافع عن ابن عمر..
١٨ ينظر: الدر المصون ٦/٢٩٤..
١٩ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٤٧..
٢٠ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٩/٢٤٧)، عن ابن مسعود..
٢١ ينظر المصدر السابق..
٢٢ ينظر: النكت والعيون ٥/٥٠٢، والقرطبي ١٨/٧..
٢٣ ينظر: أحكام القرآن ٤/١٧٦٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى