التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري

عن الكتاب
وسورة الحجر مبدوءة بحروف الهجاء المقطعة ﴿أ. ل. ر.﴾ نظير كل من : سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف، وسورة الرعد، وسورة إبراهيم الواردة قبلها على التوالي دون فاصل بينها، والمفتتحة كلها بنفس النوع من الحروف الهجائية المنفصلة، على نفس النهج الذي بدئت به كل من سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة الأعراف، وقد تكرر في هذه المجموعة من السور التسع حرف الألف وحرف اللام، وتكرر حرف الراء في ست منها، وتكرر حرف الميم في أربع منها، وورد حرف الصاد في واحدة منها.
وهناك مجموعة أخرى من السور على هذا النمط يبلغ عددها العشرين، وهي حسب ترتيب كتابتها في المصحف الكريم : سورة مريم، وسورة طه، وسورة الشعراء، وسورة النمل، وسورة القصص، وسورة العنكبوت، وسورة الروم، وسورة لقمان، وسورة السجدة، وسورة يس، وسورة ص، وسورة غافر، وسورة فصلت، وسورة الشورى، وسورة الزخرف، وسورة الدخان، وسورة الجاثية، وسورة الأحقاف، وسورة ﴿ق﴾ وسورة ﴿ن﴾. وقد تكرر حرف الميم في ثلاث عشرة منها، وتكرر حرف الحاء في سبع منها، وورد حرف الطاء وحرف السين فيها أربع مرات، وورد فيها كل من حرف الصاد وحرف الياء وحرف الهاء مرتين، وورد فيها كل من حرف الكاف وحرف القاف وحرف النون مرة واحدة.
وكل هذه السور المفتتحة بالحروف المقطعة يأتي في مطلعها الحديث عن معجزة القرآن، والتنويه بها تنويها خاصا، ومن بين من نبه على ذلك ابن كثير، ودل عليه الاستقراء في علم التفسير، كقوله تعالى هنا في سورة الحجر التي نحن بصدد تفسيرها ﴿ألر، تلك آيات الكتاب وقرآن مبين﴾.
وكأن إيراد الحروف الهجائية المقطعة في مطلع هذه السور إشارة إلى أن حكمة الله البالغة اقتضت أن تحول الحروف العادية الجارية على ألسنة الناس، والتي لا يصوغون منها أي كلام معجز للبشر، إلى مادة إعجاز إلهي يقف الجنس البشري كله أمامها مبهوتا ومبهورا، سواء من آمن منه أو من كفر، كما هو الأمر بالنسبة إلى مواد أخرى هي في متناول البشر جميعا، ولكنهم عاجزون عن أن يصنعوا منها أي شيء خارق للعادة، بينما القدرة الإلهية تصنع منها أعجب الأعاجيب، وفي طليعتها الإنسان المخلوق من طين، والطين في متناول كل الناس، ولكنهم عاجزون عن أن يصنعوا منه بأيديهم حتى أخس الحشرات، وأضعف الجراثيم، فضلا عما هو أعلى وأدق، ﴿هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾ |لقمان : ١١|.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى