الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَعَمْرُكَ﴾ : مبتدأٌ، محذوفٌُ الخبر وجوباً، ومثلُه : لايْمُنُ الله. و " إنهم " وما في حَيِّزه جوابُ القسمِ تقديرُه : لَعَمْرك قسمي أو يميني إنهم. والعَمْر والعُمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنهم التزموا الفتح في القسم. قال/ الزجاج :" لأنَّه أَخَفُّ عليهم، وهم يُكْثرون القَسَم ب " لَعَمْري " و " لَعَمْرك ". وله أحكامٌ كثيرة منها : أنه متى اقترن بلامِ الابتداء لَزِم فيه الرفعُ بالابتداءِ، وحُذِفَ خبرُه، لِسَدِّ جوابِ القسم مَسَدَّه. ومنها : أنه يصير صريحاً في القسم، أي : يَتَعَيَّن فيه، بخلافِ غيرِه نحو : عهدُ الله وميثاقُه. ومنها : أنه يَلْزَمُ فَتْحُ عينِه، فإن لم يقترنْ به لامُ الابتداء جاز نصبُهُ بفعل مقدر نحو : عَمْرَ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذ في الجلالةِ وجهان : النصبُ والرفعُ، فالنصبُ على أنه مصدرٌ مضافٌ لفاعله وفي ذلك معنيان، أحدهمل : أنَّ الأصلَ : أسألُكَ بتعميرك اللهَ. أي : بوصِفك اللهَ تعالى بالبقاء، ثم حُذِف زوائدُ المصدرِ. والثاني : أن المعنى : عبادتك الله، والعَمْر : العبادة، حكى ابن الأعرابي " عَمَرْتُ ربي "، أي : عَبَدْته، وفلانٌ عامِرٌ ربِّه، أي : عابدُه.
وأمَّا الرفعُ : فعلى أنه مضافٌ لمفعولِه. قال الفارسي :" معناه : عَمَّرَك اللهُ تَعْميراً ". وقال الأخفش :" أصله : أسألك بتعميرك اللهَ، فحُذِفَ زوائدُ المصدرِ والفعلُ والباءُ فانتصب، وجاز أيضاً ذِكْرُ خبرِهِ فتقول : عَمْرُك قَسَمي لأقومَنَّ، وجاز أيضاً ضَمُّ عينِه، ويُنْشِدُ بالوجهين قولُه :
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلاًعَمْرَكَ اللهَ كيفَ يلتقيانِ
ويجوزُ دخولُ باءِ الجرِّ عليه، نحو : بعَمْرِكَ لأفعلَنَّ. قال :
رُقَيَّ بعَمْرِكُمْ لا تَهْجُرِيناومَنَّيْنا المُنَى ثم امْطُلِينا
وهو من الأسماء اللازمة للإِضافة، فلا يُقطع عنها، ويُضاف لكلِّ شيءٍ. وزعم بعضُهم أنه لا يُضاف إلى الله. قيل : كأنَّ قائل هذا تَوَهَّم أنه لا يُسْتعمل إلا في الانقطاع، وقد سُمع إضافُته للباري تعالى. قال الشاعر :
إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍلعَمْرُ اللهِ أَعْجبني رِضاها
ومَنَع بعضُهم إضافتَه إلى ياءِ المتكلمِ قال : لأنه حَلْفٌ بحياة المُقْسِم، وقد وَرَدَ ذلك، قال النابغة :
لَعَمْري -وما عَمْري عليَّ بهَيِّنٍ-لقد نَطَقَتْ بُطْلاً عَلَيَّ الأقارِعُ
وقد قَلَبَتْه العربُ بتقديمِ رائِه على لامه فقالوا :" رَعَمْلي "، وهي ردئيةٌ.
والعامَّة على كسرِ " إنَّ " لوقوعِ اللامِ في خبرها. وقرأ أبو عمروٍ في روايةِ الجَهْضَمِيِّ بفتحها. وتخريجُها على زيادةِ اللامِ وهي كقراءة ابن جبير :﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٢٠] بالفتح.
والأعمش :" سَكْرِهم " دون تاءٍ. وابن أبي عبلة " سَكَراتهم " جمعاً. والأشهبُ " سُكْرَتِهم " بضم السين.
و " يَعْمَهُون " حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في الجارِّ، وإمَّا من الضميرِ المجرورِ بالإِضافةِ. والعامل : إمَّا نفسُ " سَكْرَة " لأنها مصدرٌ، وإمَّا معنى الإِضافة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى