اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله : لايْمُن الله، و " إنَّهُمْ "، وما في حيزه جواب القسم، تقديره : لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج(١) : لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب " لعَمْرِي ولعَمْرُكَ ".
وله أحكام كثيرة :
منها : أنه متى اقترن بلام الابتداء ؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها : أنه يصير صريحاً في القسم، أي : يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو : عَهْدُ اللهِ ومِيثَاقُه.
ومنها : أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو : عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان :
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان :
أحدهما : أن الأصل : أسألك بعمرك الله، أي : بوصفك الله –تعالى- بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني : أن المعنى : بعبادتك الله، والعَمْرُ : العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي : إنِّي عمرتُ ربِّي، أي : عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي : عابده.
وأمَّا الرفع : فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رحمه الله : معناه :[ عَمَّرك ](٢) الله تعميراً، وقال الأخفش : أصله : أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول : عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله :[ الخفيف ]
أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاًعَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْوسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي(٣)
ويجوز دخول باء الجر عليه ؛ نحو : بعمرك لأفعلنَّ ؛ قال :[ الوافر ]
رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَاومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا(٤)
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم : أنه لا يضاف إلى الله –تعالى-.
قيل : كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر :[ الوافر ]
إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍلعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا(٥)
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة :[ الطويل ]
لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍلقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ(٦)
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا : وعملي، وهي رديئة.
" إنَّهُمْ " العامة على كسر " إنَّ " لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو(٧) في رواية الجهضمي له " أنَّ " فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ ( ألا أنهم ليأكلون الطعام ] بالفتح.
وقرأ الأعمش :" سَكْرهُمْ " بغير تاء(٨)، وابن أبي عبلة(٩) " سَكرَاتهِمِ " جمعاً، والأشهب(١٠) :" سُكْرتِهِم " بضم السين.
و " يَعْمَهُونَ " حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.

فصل


قيل : إن الملائكة -عليهم السلام- قالت للوطٍ -صلوات الله وسلامه عليه- " لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ " : يتحيَّرون.
وقال قتادة : يلعبون(١١) فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك ؟.
وقيل : إنَّ الخطاب لرسول الله ﷺ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ ﷺ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ(١٢).
قال ابن العربي : قال المفسرون بإجماعهم : أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ ﷺ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ : اتفق أهل التفسير في هذا : أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد ﷺ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي : ما الذي يمنعُ أن يقسم الله –تعالى- بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعطيه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد ﷺ ؛ لأنَّه أكرم على الله منه ؛ أو لا تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطى ذلك لمحمدٍ ﷺ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ ﷺ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ(١٣) : ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد ﷺ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ : يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال : هؤلاء بناتي، قالت الملائكة : يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل : فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل ؟ قيل له : ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد ﷺ.
١ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٣/١٨٣..
٢ في ب: يعمرك..
٣ تقدم..
٤ البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات. ينظر: ديوانه (١٣٧)، المحتسب ١/٤٣، الهمع ٢/٤١، الدرر ٢/٤٦، والأغاني ٤/١٦٤، تذكرة النحاة ص ٤٣٤، والدر المصون ٤/٣٠٤..
٥ تقدم..
٦ ينظر: ديوانه ص ٣٤، الكتاب ٢/٧٠، ابن الشجري ١/٣٤٤، المغني ٢/٣٩٠، شواهد المغني ٢٧٦، خزانة الأدب ٢/٤٤٧، شرح أبيات سيبويه ١/٤٤٦، جمهرة اللغة ص ١٣٠٨، البحر المحيط ٥/٤٥٠، والألوسي ١٤/٧٣، والقرطبي ١٠/٤١ والدر المصون ٤/٣٠٥..
٧ ينظر: الشواذ ٧١، والبحر ٥/٤٥٠، والدر المصون ٤/٣٠٥..
٨ السابق نفسه، والمحرر ٨/٣٤١..
٩ ينظر: البحر ٥/٤٥٠، والدر المصون ٤/٣٠٥..
١٠ ينظر السابق..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٢٧) وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٥٥)..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٢٦) وأبو يعلى (٥/١٣٩) رقم (٢٧٥٤) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٤٨٨).
وذكره الهيثمي في "المجمع" (٧/٤٩)، وقال: رواه أبو يعلى وإسناده جيد وذكره أيضا ابن حجر في: "المطالب العالية" (٣/٣٤٦- ٣٤٧) رقم (٢٥٣٦، ٢٥٣٧) وعزاه إلى أبي يعلى والحارث بن أسامة.
والأثر في "الدر المنثور" (٤/١٩٢) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في "دلائل النبوة"..

١٣ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/٢٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى