التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - سبحانه - :﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يرى جمهور المفسرين أنه كلام معترض بين أجزاء قصة لوط - عليه السلام - مع قومه، لبيان أن الموعظة لا تجدى مع القوم الغاوين، ولتسلية الرسول ﷺ عما أصابه من سفهاء قومه.
فالخطاب فيه للنبى ﷺ واللام في ﴿لعمرك﴾ لام القسم، والمقسم به حياته ﷺ والعمر - بفتح العين - لغة في العمر - بضمها، ومعناهما : مدة حياة الإِنسان وبقائه في هذه الدنيا، إلا أنهم ألزموا مفتوح العين في القسم، وهو مبتدأ وخبره محذوف وجوبا والتقدير لعمرك قسمى أو يمبنى.
والسكرة : ذهاب العقل، مأخوذة من السكر - بفتح السين وإسكان الكاف - وهو السد والإِغلاق. وأطلقت هنا على الغواية والضلالة لإِزالتهما الرشد والهداية عن عقل الإِنسان و ﴿يعمهون﴾ من العمه بمعنى التحير والتردد فى الأمر. وهو للبصيرة بمنزلة العمى للبصر.
يقال : عمه فلان - كفرح - عمها، إذا تردد وتحير، فهو عمه وعامه، وهم عمهون وعمه - كركع -
والمعنى : بحق حياتك - أيها الرسول الكريم - إن هؤلاء المكذبين لك، لفى غفلتهم وغوايتهم يترددون ويتحيرون، شأنهم فى ذلك شأن الضالين من قبلهم كقوم لوط وقوم شعيب وقوم صالح، وغيرهم من المتكبرين فى الأرض بغير الحق..
قال الآلوسى : " وقوله ﴿لعمرك﴾ قسم من الله - تعالى - بعمر نبينا ﷺ على ما عليه جمهور المفسرين. وأخرج البيهقى فى الدلائل، وأبو نعيم وابن مردويه وغيرهم عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : ما خلق الله - تعالى - وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ وما سمعت الله - تعالى - أقسم بحياة أحد غيره، قال - تعالى - :﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقيل هو قسم من الملائكة بعمر لوط - عليه السلام -، وهو مع مخالفته للمأثور محتاج لتقدير القول، أى. قالت الملائكة للوط - عليه السلام - لعمرك.. وهو خلاف الأصل وإن كان سياق القصة شاهداً له وقرينة عليه.. ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى