البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
واللام في لعمرك لام الابتداء، والكاف خطاب للوط عليه السلام، والتقدير : قالت الملائكة للوط لعمرك، وكنى عن الضلالة والغفلة بالسكرة أي : تحيرهم في غفلتهم، وضلالتهم منعهم عن إدراك الصواب الذي يشير به من ترك البنين إلى البنات.
وقيل : الخطاب للرسول ﷺ، وهو قول الجمهور ابن عباس، وأبو الحوراء، وغيرهما.
أقسم تعالى بحياته تكريماً له.
والعمر : بفتح العين وضمها البقاء، وألزموا الفتح القسم، ويجوز حذف اللام، وبذلك قرأ ابن عباس : وعمرك.
وقال أبو الهيثم : لعمرك لدينك الذي يعمر، وأنشد :
أيها المنكح الثريا سهيلاً. . .عمرك الله كيف يلتقيان
أي : عبادتك الله.
وقال ابن الأعرابي : عمرت ربي أي عبدته، وفلان عامر لربه أي عابد.
قال : ويقال تركت فلاناً يعمر ربه أي يعبده، فعلى هذا لعمرك لعبادتك.
وقال الزجاج : ألزموا الفتح القسم لأنه أخف عليهم، وهم يكثرون القسم بلعمرى ولعمرك فلزموا الأخف، وارتفاعه بالابتداء، والخبر محذوف أي : ما أقسم به.
وقال بعض أصحاب المعاني : لا يجوز أن يضاف إلى الله، لأنه لا يقال لله تعالى عمر، وإنما يقال : هو أزلي، وكأنه يوهم أنّ العمر لا يقال إلا فيما له انقطاع، وليس كذلك العمر، والعمر البقاء.
قال الشاعر :
إذا رضيت عليّ بنو قشير.لعمر الله أعجبني رضاها
وقال الأعشى :
ولعمر من جعل الشهور علامة. . .فبين منها نقصها وكمالها
وكره النخعي أن يقال : لعمري، لأنه حلف بحياة المقسم.
وقال النابغة :
لعمري وما عمري عليّ بهين. . .
والضمير في سكرتهم عائد على قوم لوط، وقال الطبري : لقريش، وهذا مروي عن ابن عباس.
قال : ما خلق الله نفساً أكرم على الله من محمد قال له : وحياتك إنهم أي قومك من قريش لفي سكرتهم أي ضلالهم، وجهلهم يعمهون يتردّدن.
قال ابن عطية : وهذا بعيد لانقطاعه مما قبله وما بعده.
وقرأ الأشهب : سكرتهم بضم السين، وابن أبي عبلة : سكراتهم بالجمع، والأعمش : سكرهم بغير تاء، وأبو عمرو في رواية الجهضمي : أنهم بفتح همزة أنهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى