محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
[ ٧٢ ] ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ٧٢﴾.
﴿لعمرك﴾ قسم بحياة النبي ﷺ، اعترض به تعبا من شدة غفلتهم وتكريما للمخاطب ﴿إنهم لفي سكرتهم﴾ أي غفلتهم التي ذهبت معها أحلامهم ﴿يعمهون﴾ أي يترددون فلا يفهمون ما يقال لهم. ولما لم يسمعوا منه، النصيحة المبقية لهم، أسمعهم الله الصيحة المهلكة لهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تنبيهان
الأول - قال ابن القيم : في ( أقسام القرآن ) : أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف السلف فيه نزاعا ـ أن هذا، يعني قوله تعالى :﴿لعمرك﴾ قسم من الله بحياة رسوله ﷺ. وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته، وهذه مزية لا تعرف لغيره.
ولم يوفق الزمخشري لذلك : فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط. وإنه من قول الملائكة.
فقال : هو على إرادة القول، أي قالت الملائكة للوط عليه السلام :﴿لعمرك...﴾ الآية وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على أن ما فهمه السلف أطيب، لا أهل التعطيل والاعتزال.
قال ابن عباس رضي الله عنهما :﴿لعمرك﴾ أي حياتك. قال : وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره. والعمر والعمر واحد. إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف، لكثرة دور الحلف على ألسنتهم. وأيضا فإن العمر حياة مخصوصة، فهو عمر شريف عظيم أهل أن يقسم به، لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم. ولا ريب أن عمره وحياته من أعظم النعم والآيات، فهو أهل أن يقسم به، والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات. ثم / قال ابن القيم : وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة، لأن للعشق سكرة مثل سكرة الخمر كما قال القائل :
سكران :
سكر هوى وسكر مدامةومتى إفاقة من به سكران ؟
الثاني - قوله تعالى :﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾ قال السيوطي في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في الفراسة. أخرج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا(١) :" اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ هذه الآية ". وقد كان بعض قضاة المالكية يحكم بالفراسة في الأحكام، جريا على طريق إياس بن معاوية. انتهى.
وقد أجاد بالكلام في الفراسة، الراغب الأصفهاني في كتاب ( الذريعة ) حيث قال في الباب السابع : وأما الفراسة، فالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله، على أخلاقه وفضائله ورذائله.
وربما يقال : هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله. وقد نبه الله تعالى على صدقها بقوله(٢) :﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾، وقوله(٣) :﴿تعرفهم بسيماهم﴾ وقوله(٤) :﴿ولتعرفنّهم في لحن القول﴾ ولفظها من قولهم ( فرس السبع الشاة ) فكأن الفراسة اختلاس المعارف. وذلك ضربان : ضرب يحصل للإنسان عن خاطر لا يعرف سببه، وذلك ضرب من الإلهام، بل ضرب من الوحي. وإياه عنى النبي ﷺ بقوله(٥) :" المؤمن / ينظر بنور الله " وهو الذي يسمى صاحبه المروّع والمحدث. وقال عليه الصلاة والسلام(٦) :" إن يكن في هذه الأمة محدث، فهو عمر ".
وقيل في قوله تعالى(٧) :﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾ الآية : إنما كان وحيا بإلقائه في الروع، وذلك للأنبياء كما قال عز وجل(٨) :﴿نزل به الروح الأمين * على قلبك﴾ وقد يكون بإلهام في حال اليقظة وقد يكون في حال المنام. ولأجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام(٩) :" الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ".
والضرب الثاني من الفراسة يكون بضاعة متعلمة وهي معرفة ما بين الألوان والأشكال، وما بين الأمزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية. ومن عرف ذلك كان ذا فهم ثاقب بالفراسة. وقد عمل في ذلك كتب من تتبع الصحيح منها، اطلع على صدق ما ضمنوه. والفراسة ضرب من الظن، وسئل بعض محصلة الصوفية عن الفرق بينهما فقال : الظن بتقلب القلب، والفراسة بنور الرب. ومن قوي فيه نور الروح المذكورة في قوله تعالى(١٠) :﴿ونفخت فيه من روحي﴾ وكان ممن وصفه بقوله(١١) :﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه﴾ وكان ذلك النور شاهدا، أصاب فيما حكم به. ومن الفراسة قوله عليه الصلاة والسلام(١٢) في المتلاعنين " إن أمرهما بيّن، لولا حكم الله ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى