التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول ﷺ، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئنانًا وثقة بوعد الله - تعالى - فقال :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم﴾.
والمراد بالسبع المثانى : صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة.
قال صاحب الكشاف : " والمثانى من التثنية وهى التكرير للشئ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله - تعالى -... ".
والمعنى : ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التي هي سبع آيات، والتى تعاد قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك - أيضًا - القرآن العظيم الذي يهدى للطريق التي هي أقوم.
وأوثر فعل ﴿آتيناك﴾ بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك ؛ لأن الإِعطاء أظهر في الإِكرام والإِنعام.
وقوله ﴿والقرآن العظيم﴾ معطوف على ﴿سبعًا﴾ من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء.
ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم، تنويهًا بشأنه، وإعلاء لقدره.
ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى بسنده عن أبى سعيد بن المعلى قال : " مر بى النبى ﷺ وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال : ما منعك أن تأتينى ؟ فقلت : كنت أصلى.
فقال : ألم يقل الله :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾.
ثم قال : ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد ؟ ثم ذهب النبى ﷺ ليخرج، فذكرته فقال :﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ هي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أوتيته ".
وروى البخارى - أيضًا - عن أبى هريرة قال : قال النبى ﷺ : " أم القرآن هى : السبع المثانى والقرآن العظيم ".
هذا، وهناك أقوال أخرى في المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض المفسرين فقال : اختلف العلماء في السبع المثانى : فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبى ﷺ من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى...
وقال ابن عباس : هي السبع الطوال : البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معًا...
وأنكر قوم هذا وقالوا : أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شيء إذ ذاك.
وقيل : المثانى القرآن كله، قال الله - تعالى - ﴿كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾ هذا قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس. وقيل له : مثانى، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه...
وقيل : المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإِنذار..
ثم قال : والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثانى ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبى ﷺ وثبت عنه نص في شيء لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده.
والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا : سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله ﷺ، ومتى ثبت النص الصحيح عنه ﷺ في شيء فلا كلام لأحد معه أو بعده صلى الله عليه وسلم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى