فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
اختلف أهل العلم في السبع المثاني ماذا هي ؟ فقال جمهور المفسرين : إنها الفاتحة. قال الواحدي : وأكثر المفسرين على أنها فاتحة الكتاب، وهو قول عمر، وعليّ، وابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والربيع، والكلبي. وزاد القرطبي : أبا هريرة وأبا العالية، وزاد النيسابوري : الضحاك وسعيد بن جبير. وقد روي ذلك من قول رسول الله ﷺ كما سيأتي بيانه، فتعين المصير إليه. وقيل : هي السبع الطوال : البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة الأنفال والتوبة ؛ لأنها كسورة واحدة إذ ليس بينهما تسمية. روي هذا القول عن ابن عباس. وقيل : المراد بالمثاني : السبعة الأحزاب، فإنها سبع صحائف. والمثاني : جمع مثناة من التثنية، أو جمع مثنية. وقال الزجاج : تثنى بما يقرأ بعدها معها، فعلى القول الأوّل يكون وجه تسمية الفاتحة مثاني : أنها تثنى، أي : تكرّر في كل صلاة، وعلى القول بأنها السبع الطوال فوجه التسمية : أن العبر والأحكام والحدود كررت فيها، وعلى القول بأنها السبعة الأحزاب يكون وجه التسمية : هو تكرير ما في القرآن من القصص ونحوها، وقد ذهب إلى أن المراد بالسبع المثاني : القرآن كله الضحاك، وطاوس، وأبو مالك، وهو رواية عن ابن عباس واستدلوا بقوله تعالى :﴿كتابا متشابها مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقيل : المراد بالسبع المثاني : أقسام القرآن، وهي : الأمر، والنهي، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعريف النعم، وأنباء قرون ماضية. قال زياد بن أبي مريم، ولا يخفى عليك أن تسمية الفاتحة مثاني لا تستلزم نفي تسمية غيرها بهذا الاسم، وقد تقرّر أنها المرادة بهذه الآية، فلا يقدح في ذلك صدق وصف المثاني على غيرها. ﴿والقرآن العظيم﴾ معطوف على ﴿سبعا من المثاني﴾، ويكون من عطف العام على الخاص، لأن الفاتحة بعض من القرآن. وكذلك إن أريد بالسبع المثاني السبع الطوال ؛ لأنها بعض من القرآن. وأما إذا أريد بها السبعة الأحزاب أو جميع القرآن أو أقسامه، فيكون من باب عطف أحد الوصفين على الآخر، كما قيل في قول الشاعر :
إلى الملك القرم وابن الهمام ***. . .
ومما يقوي كون السبع المثاني هي الفاتحة : أن هذه السورة مكية، وأكثر السبع الطوال مدنية، وكذلك أكثر القرآن وأكثر أقسامه، وظاهر قوله :﴿وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني﴾ أنه قد تقدّم إيتاء السبع على نزول هذه الآية، و«من » في المثاني للتبعيض أو البيان على اختلاف الأقوال. ذكر معنى ذلك الزجاج فقال : هي للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال، وللبيان إذا أردت الإشباع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عمر في قوله :﴿وَلَقَدْ آتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني﴾ قال : السبع المثاني : فاتحة الكتاب. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني وابن مردويه، والبيهقي من طرق عن عليّ بمثله. وأخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود مثله، وزاد : والقرآن العظيم } سائر القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال : فاتحة الكتاب استثناها الله لأمة محمد، فرفعها في أمّ الكتاب فادخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحد قبل. قيل : فأين الآية السابعة ؟ قال : بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم. وروي عنه نحو هذا من طرق. وأخرج ابن الضريس، وأبو الشيخ، وابن مروديه عن أبي هريرة قال : السبع المثاني : فاتحة الكتاب. وأخرج ابن جرير عن أبيّ بن كعب قال : السبع المثاني :﴿الحمد للَّهِ رَبّ العالمين﴾. وروي نحو قول هؤلاء الصحابة عن جماعة من التابعين. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أنه قال له النبي ﷺ :( ألا أعلمك أفضل سورة قبل أن أخرج من المسجد ؟ فذهب النبي ﷺ ليخرج، فذكرت، فقال :﴿الحمد للَّهِ رَبّ العالمين﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم ) وأخرج البخاري أيضاً من حديث أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :( أمّ القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم )، فوجب بهذا المصير إلى القول بأنها فاتحة الكتاب، ولكن تسميتها بذلك لا ينافي تسمية غيرها به كما قدّمنا. وأخرج ابن مردويه عن عمر، قال في الآية : هي السبع الطوال. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثله. وأخرج الفريابي، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال في الآية : هي السبع الطوال. وأخرج الدارمي، وابن مردويه عن أبيّ بن كعب مثله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال : هي فاتحة الكتاب والسبع الطوال. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال :[ ماثنى ] من القرآن، ألم تسمع لقول الله :﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابا متشابها مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : المثاني : القرآن، يذكر الله القصة الواحدة مراراً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن زياد بن أبي مريم في الآية قال : أعطيتك سبعة أجزاء : مُرْ، وانْهَ، وَشِرْ وَأَنْذِر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واتل نبأ القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ قال : نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿أزواجا منْهُمْ﴾ قال : الأغنياء الأمثال والأشباه. وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال : من أعطي القرآن فمدّ عينه إلى شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن، ألم يسمع إلى قوله :﴿وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني﴾، وإلى قوله :﴿وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وأبقى﴾ [طه: ١٣١] وقد فسر ابن عيينة أيضاً الحديث الصحيح :( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) فقال : إن المعنى : يستغنى به. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله :﴿واخفض جَنَاحَكَ﴾ قال : اخضع.
وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين﴾ الآية قال : هم أهل الكتاب، جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وأخرج ابن جرير من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه قال : عضين : فرقاً. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس أنها نزلت في نفر من قريش، كانوا يصدّون الناس عن رسول الله ﷺ منهم الوليد بن المغيرة. وأخرج الترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أنس عن النبي في قوله :﴿فَوَرَبّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال :«عن قول لا إله إلاّ الله». وأخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر من وجه آخر عن أنس موقوفاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فامضه، وفي عليّ بن أبي طلحة مقال معروف. وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال : ما زال النبي ﷺ مستخفياً حتى نزل ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : هذا أمر من الله لنبيه بتبليغ رسالته قومه، وجميع من أرسل إليه. وأخرج ابن المنذر عنه ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ قال : أعلن بما تؤمر. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ قال : نسخه قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه، وأبو نعيم، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّا كفيناك المستهزئين﴾ قال : المستهزئون : الوليد بن المغيرة، والأسود بن يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل السهمي، والعاص بن وائل، وذكر قصة هلاكهم. وقد روي هذا عن جماعة من الصحابة مع زيادة في عددهم، ونقص على طول في ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في التاريخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال : قال رسول الله ﷺ :
( ما أوحي إليّ أن أجمع المال، وأكن من التاجرين، ولكن أوحي إليّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين. ﴿وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ ) وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه، والديلمي عن أبي الدرداء مرفوعاً نحوه. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق من طريق عبيد الله بن أبان بن عثمان بن حذيفة ابن أوس الطائفي قال : حدثني أبان بن عثمان عن أبيه، عن جدّه يرفعه مثل حديث أبي مسلم الخولاني. وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن عبد الله بن عمر ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ قال : الموت. وأخرج ابن المبارك عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى