تفسير الشعراوي — الشعراوي
عن الكتاب
نلاحظ هنا أن القرآن وجَّه النهي ألى القوم مرة، وإلى النساء مرة، وخَصَّ كُلاًّ منهما بنهي، ذلك لأن كلمة قوم لا تُقال إلا للرجال، لأنهم هم الذين يقومون على شئون الأسرة، أما المرأة فليس لها قيامٌ إلا على بيتها، يقول الشاعر:
وَمَا أدْري وَلْستُ إخَالُ أدْري أقوْمٌ آلُ حِصْن أمْ نِسَاءُ
إذن: القوم تُقال للنساء وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ..﴾ [النساء: ٣٤] البعض يفهم من كلمة ﴿قَوَّٰمُونَ﴾ أنها للقهر وللضرب، أبداً، بل الرجال قوَّامون على النساء. يعني: يقومون على رعايتهن وتدبير أمورهن.
لذلك نقول للمرأة (ست بيت) فكأن الرجل هو الخادم الراعي لها، ونحن نقول: فلان قائم بهذا الأمر. يعني: يتولى العمل الشاقَّ فيه. تذكرون في قصة سيدنا آدم لما أسكنه اللهُ الجنةَ هو وزوجه، وحدثتْ من آدم المخالفة لأمر الله، قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾ [طه: ١١٧] هذا خطاب لآدم وحواء.
والقاعدة أن يقول (فتشقيا) بالتثنية، لكن قال ﴿فَتَشْقَىٰ﴾ أي: آدم وحده، لأن مهمة الكدح والشقاء وتحمُّل مسئولية الأسرة للرجل فقط، اما المرأة فهي للبيت ولها دور فيه ودور هام يملأ كلَّ لحظة في حياتها، لكن ماذا نفعل وهُنَّ يُردْنَ أنْ يشقيْنَ مع الرجال؟
والنهي عن السخرية في هذه الآية له سببٌ في الرجال، وله سببٌ في النساء: ثم لم ينس الرجل الذي قيل له تفسح فلم يتفسح، ونزل في حقِّه قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ..﴾ [المجادلة: ١١].
ويُروَى أن السيدة أم سلمة كانت قصيرة، وفي مرة أصابها وجع في رجلها فربطتها بقطعة من القماش، وكان فيها بقية تتدلَّى على الأرض تجرُّها خلفها، فرأتها على هذا الحال السيدة عائشة والسيدة حفصة. فقالت إحداهن للأخرى: تمشي ولها ذيل كذيل الكلب. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية.
لذلك يقول الحق سبحانه في يوم القيامة: ودخل رجل أعرج على أحدهم، فراح ينظر إليه نظرة سخرية لعرجته، ففهم الأعرجُ قصده، فقال له: أتعيب الصَّنعة أم تعيب الصانع؟ فأفحمه حتى ندم على سُوء أدبه معه، وقال: والله لوددتُ عندها أنْ أكون أنا مثله وهو مثلي.
والحق سبحانه وتعالى حينما ينهانا عن السخرية، إنما يريد المساواة بين جميع خَلْقه، فالخَلْق جميعاً خَلْقه وصنعته وعبيده، وليس فيهم من هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة، فلِمَ إذن يسخر بعضنا من بعض؟
إياك والسخرية من الناس مهما كانوا أقلّ منك، عليك إنْ رأيت عيباً في دين أو خُلق أنْ تُقوِّمه وتُصلح من شأنه ما استطعت.
وإذا كان العيبُ في الخَلْق، وفيما لا دخْلَ للمخلوق فيه فتأدَّبْ مع الخالق، ووالله لو علمتم ما جعله الله للمؤوف - يعني: مَنْ به آفة - لتمنيتم جميعاً أنْ تكونوا مؤافين، فإن الله تعالى ليس له ولد، بل وزَّع أسبابَ فضله على عباده، فإنْ أخذ من واحد منهم شيئاً فقد عوَّضه خيراً منه.
والسخرية والاستهزاء لا يكونان إلا من إنسان عَلا في شيء أمام إنسان نقص في هذا الشيء كأن يسخر الغنيُّ من الفقير، أو القوي من الضعيف، أو سليم التكوين من المعاق.. وهذا السلوك نتيجة الغفلة عن ميزان التفاضل بين الخلق جميعاً، ألا وهو التقوى.
وقلنا: إنك لو نظرتَ في الوجود كله لوجدتَ فيه قضية عادلة، هي أن كل إنسان منَّا، مجموع نعم الله عليه تساوي مجموع أيِّ إنسان آخر، لأن الخالق سبحانه وزَّع فضله على عباده لكن هذا أخذ ١٠٠% في العقل وهذا أخذ ١٠٠% في الصحة لكن المجموع في النهاية متساوٍ.
ذلك لأن الله تعالى لا يريد نسخاً مكررة من البشر، إنما يريدنا متفاوتين في المواهب لتستقيم بنا حركة الحياة وتتكامل ويرتبط البشر ببعض ارتباط حاجة، لذلك قلنا إن الباشا قد يحتاج إلى عامل المجاري.
فقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ..﴾ [الأنعام: ١٦٥] يعني كل منا مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر. تعلمون أن بتهوفن الموسيقي الشهير كان أصم لا يسمع، وأن تيمور لنك الذي دوَّخ الدنيا بالفتوحات كان أعرج.
هذا يعني أنك لا تسخر من أحد، ولا تحتقر أحداً لأنك رأيته أقلَّ منك في شيء ما، فكلنا سواسية في ميزان الحق سبحانه، وكأنه سبحانه يريد أنْ يعطينا درساً في أنه سبحانه ليس له ولد وليس له صاحبة.
لذلك كانت الجن أفضل فهماً منا حين قالت: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً﴾ [الجن: ٣] فكلنا عيال الله، بل تبلغ هذه المساواة إلى أن رسول الله يأمرنا بأنْ نسوِّيَ بينَ أولادنا ولو في القُبلة.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا كيف نتصرف إذا ما حدث بيننا شيء من التهكم أو السخرية، وكيف نقابله ونردّ عليه. فيُروي في سبب نزول هذه الآيةانظر كيف عالج سيدنا رسول الله هذا الموقف. وكيف أعلى من شأن صفية، فهب سليلة الرسل والأنبياء وزوجة نبي، نعم رد يفحم ولا يخطر على بال أحد، ولم لا وقد أُوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم.
ومثل هذا الموقف أيضاً حدثوالبعض يقول: كيف يحدث كل هذا في بيت رسول الله؟ نقول: نفهم من هذه الغيرة إلى جانب أنها علامة الحب لسيدنا رسول الله، إلا أنها أيضاً تعني أن عائشة التي تزوجها رسول الله وهي بنت التاسعة، ومع ذلك كانت تغار على كِبره، وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم غير مزهود فيه.
وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ..﴾ [الحجرات: ١١] هنا نَهْي عن صفة أخرى مذمومة لا تليق بأهل الإيمان، هي صفة اللمز وهو أنْ تعيب الآخرين، وتأمل دقة الأداء القرآني في قوله: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ..﴾ [الحجرات: ١١] والإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز غيره، لكنه أنزل الآخرين منزلة الإنسان نفسه، ثم إنك حين تلمز الناس تُجرّئهم على أنْ يلمزوك، على حَدِّ قول الشاعر:
لسَانُكَ لاَ تَذْكُر بِهِ عَوْرَةَ امْرِيء فكُلُّكَ عَوْراتٌ وللنَّاسِ ألْسُنُ
وَعَيْنكَ إنْ أبدَتْ إليْكَ مَسَاوِئاً فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أعيُنُ
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ..﴾ [النور: ٦١] لأنك حين تُسلِّم على الناس يريدون عليك السلام فكأنك سلَّمتَ على نفسك.
وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ..﴾ [الحجرات: ١١] نهي آخر عن التنابز بالألقاب. أي: لا يدع أحدكم أخاه بلقب يكرهه، والتنابز من نبز الشيء يعني: أبعده وتركه، كذلك حين تنادي شخصاً بلقب يكرهه، فكأنك تبعده عنك وتُوسع الفجوة بينك وبينه.
والأسماء عندنا في اللغة اسم ولقب وكُنية: الاسم هو ما يُطلق على المسمى فيصير عَلَماً مثل محمد. واللقب هو ما يُشعِر بمدح أو ذم مثل الصِّديق، أو أن نسمي أحد الضعفاء مثلاً (سليمان بطة)، أما الكُنْية فهي ما صُدِّرتْ بأب أو أم. مثل أبي بكر، أم المؤمنين.
إذن: لا يجوز أنْ ننادي شخصاً مثلاً بلفظ مكروه وهو لا يحبه ولا يحب أن يُنادى به، من ذلك ما ذكرناه من قول عائشة لصفية: يا يهودية. والتنابز بالألقاب يزرع الأحقاد والضغائن، ويهيج الغرائز والغضب عليك، ولم لا تناديه بأحب الأسماء إليه لتعطفه إليك.
حتى أن الفقهاء قالوا: إذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه إياك أنْ تُذكِّره به أو تُعيِّره به، لأن ذلك يُعدُّ قذفاً له، إلى جانب أنك تعين عليه الشيطان، كمن تاب عن الخمر ونقول له (يا خمورجي)، أو تاب عن القمار ونقول له (يا قمرتي) وهكذا.
لذلك قال بعدها: ﴿بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ..﴾ [الحجرات: ١١] يعني: بئس ما تقول لأخيك حينما تُذكِّره بماض يريد أنْ ينساه، وقبيح بك أنْ تُعيِّره بعد أنْ تاب، كما أنه قبيحٌ بك الفسوق بعد الإيمان.
﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ..﴾ [الحجرات: ١١] يعني: عن التنابز بالألقاب ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] نعم ظالمون لأنفسهم بعدم اتباع المنهج في هذا النهي، وظالمون لغيرهم حين ينادونهم بهذه الألقاب المكروهة، فمن حَقِّ الذي تاب ألاَّ تذكره بعيبه، وألاَّ تُعيّره به.
وَمَا أدْري وَلْستُ إخَالُ أدْري أقوْمٌ آلُ حِصْن أمْ نِسَاءُ
إذن: القوم تُقال للنساء وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ..﴾ [النساء: ٣٤] البعض يفهم من كلمة ﴿قَوَّٰمُونَ﴾ أنها للقهر وللضرب، أبداً، بل الرجال قوَّامون على النساء. يعني: يقومون على رعايتهن وتدبير أمورهن.
لذلك نقول للمرأة (ست بيت) فكأن الرجل هو الخادم الراعي لها، ونحن نقول: فلان قائم بهذا الأمر. يعني: يتولى العمل الشاقَّ فيه. تذكرون في قصة سيدنا آدم لما أسكنه اللهُ الجنةَ هو وزوجه، وحدثتْ من آدم المخالفة لأمر الله، قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾ [طه: ١١٧] هذا خطاب لآدم وحواء.
والقاعدة أن يقول (فتشقيا) بالتثنية، لكن قال ﴿فَتَشْقَىٰ﴾ أي: آدم وحده، لأن مهمة الكدح والشقاء وتحمُّل مسئولية الأسرة للرجل فقط، اما المرأة فهي للبيت ولها دور فيه ودور هام يملأ كلَّ لحظة في حياتها، لكن ماذا نفعل وهُنَّ يُردْنَ أنْ يشقيْنَ مع الرجال؟
والنهي عن السخرية في هذه الآية له سببٌ في الرجال، وله سببٌ في النساء: ثم لم ينس الرجل الذي قيل له تفسح فلم يتفسح، ونزل في حقِّه قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ..﴾ [المجادلة: ١١].
ويُروَى أن السيدة أم سلمة كانت قصيرة، وفي مرة أصابها وجع في رجلها فربطتها بقطعة من القماش، وكان فيها بقية تتدلَّى على الأرض تجرُّها خلفها، فرأتها على هذا الحال السيدة عائشة والسيدة حفصة. فقالت إحداهن للأخرى: تمشي ولها ذيل كذيل الكلب. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية.
لذلك يقول الحق سبحانه في يوم القيامة: ودخل رجل أعرج على أحدهم، فراح ينظر إليه نظرة سخرية لعرجته، ففهم الأعرجُ قصده، فقال له: أتعيب الصَّنعة أم تعيب الصانع؟ فأفحمه حتى ندم على سُوء أدبه معه، وقال: والله لوددتُ عندها أنْ أكون أنا مثله وهو مثلي.
والحق سبحانه وتعالى حينما ينهانا عن السخرية، إنما يريد المساواة بين جميع خَلْقه، فالخَلْق جميعاً خَلْقه وصنعته وعبيده، وليس فيهم من هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة، فلِمَ إذن يسخر بعضنا من بعض؟
إياك والسخرية من الناس مهما كانوا أقلّ منك، عليك إنْ رأيت عيباً في دين أو خُلق أنْ تُقوِّمه وتُصلح من شأنه ما استطعت.
وإذا كان العيبُ في الخَلْق، وفيما لا دخْلَ للمخلوق فيه فتأدَّبْ مع الخالق، ووالله لو علمتم ما جعله الله للمؤوف - يعني: مَنْ به آفة - لتمنيتم جميعاً أنْ تكونوا مؤافين، فإن الله تعالى ليس له ولد، بل وزَّع أسبابَ فضله على عباده، فإنْ أخذ من واحد منهم شيئاً فقد عوَّضه خيراً منه.
والسخرية والاستهزاء لا يكونان إلا من إنسان عَلا في شيء أمام إنسان نقص في هذا الشيء كأن يسخر الغنيُّ من الفقير، أو القوي من الضعيف، أو سليم التكوين من المعاق.. وهذا السلوك نتيجة الغفلة عن ميزان التفاضل بين الخلق جميعاً، ألا وهو التقوى.
وقلنا: إنك لو نظرتَ في الوجود كله لوجدتَ فيه قضية عادلة، هي أن كل إنسان منَّا، مجموع نعم الله عليه تساوي مجموع أيِّ إنسان آخر، لأن الخالق سبحانه وزَّع فضله على عباده لكن هذا أخذ ١٠٠% في العقل وهذا أخذ ١٠٠% في الصحة لكن المجموع في النهاية متساوٍ.
ذلك لأن الله تعالى لا يريد نسخاً مكررة من البشر، إنما يريدنا متفاوتين في المواهب لتستقيم بنا حركة الحياة وتتكامل ويرتبط البشر ببعض ارتباط حاجة، لذلك قلنا إن الباشا قد يحتاج إلى عامل المجاري.
فقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ..﴾ [الأنعام: ١٦٥] يعني كل منا مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر. تعلمون أن بتهوفن الموسيقي الشهير كان أصم لا يسمع، وأن تيمور لنك الذي دوَّخ الدنيا بالفتوحات كان أعرج.
هذا يعني أنك لا تسخر من أحد، ولا تحتقر أحداً لأنك رأيته أقلَّ منك في شيء ما، فكلنا سواسية في ميزان الحق سبحانه، وكأنه سبحانه يريد أنْ يعطينا درساً في أنه سبحانه ليس له ولد وليس له صاحبة.
لذلك كانت الجن أفضل فهماً منا حين قالت: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً﴾ [الجن: ٣] فكلنا عيال الله، بل تبلغ هذه المساواة إلى أن رسول الله يأمرنا بأنْ نسوِّيَ بينَ أولادنا ولو في القُبلة.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا كيف نتصرف إذا ما حدث بيننا شيء من التهكم أو السخرية، وكيف نقابله ونردّ عليه. فيُروي في سبب نزول هذه الآيةانظر كيف عالج سيدنا رسول الله هذا الموقف. وكيف أعلى من شأن صفية، فهب سليلة الرسل والأنبياء وزوجة نبي، نعم رد يفحم ولا يخطر على بال أحد، ولم لا وقد أُوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم.
ومثل هذا الموقف أيضاً حدثوالبعض يقول: كيف يحدث كل هذا في بيت رسول الله؟ نقول: نفهم من هذه الغيرة إلى جانب أنها علامة الحب لسيدنا رسول الله، إلا أنها أيضاً تعني أن عائشة التي تزوجها رسول الله وهي بنت التاسعة، ومع ذلك كانت تغار على كِبره، وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم غير مزهود فيه.
وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ..﴾ [الحجرات: ١١] هنا نَهْي عن صفة أخرى مذمومة لا تليق بأهل الإيمان، هي صفة اللمز وهو أنْ تعيب الآخرين، وتأمل دقة الأداء القرآني في قوله: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ..﴾ [الحجرات: ١١] والإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز غيره، لكنه أنزل الآخرين منزلة الإنسان نفسه، ثم إنك حين تلمز الناس تُجرّئهم على أنْ يلمزوك، على حَدِّ قول الشاعر:
لسَانُكَ لاَ تَذْكُر بِهِ عَوْرَةَ امْرِيء فكُلُّكَ عَوْراتٌ وللنَّاسِ ألْسُنُ
وَعَيْنكَ إنْ أبدَتْ إليْكَ مَسَاوِئاً فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أعيُنُ
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ..﴾ [النور: ٦١] لأنك حين تُسلِّم على الناس يريدون عليك السلام فكأنك سلَّمتَ على نفسك.
وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ..﴾ [الحجرات: ١١] نهي آخر عن التنابز بالألقاب. أي: لا يدع أحدكم أخاه بلقب يكرهه، والتنابز من نبز الشيء يعني: أبعده وتركه، كذلك حين تنادي شخصاً بلقب يكرهه، فكأنك تبعده عنك وتُوسع الفجوة بينك وبينه.
والأسماء عندنا في اللغة اسم ولقب وكُنية: الاسم هو ما يُطلق على المسمى فيصير عَلَماً مثل محمد. واللقب هو ما يُشعِر بمدح أو ذم مثل الصِّديق، أو أن نسمي أحد الضعفاء مثلاً (سليمان بطة)، أما الكُنْية فهي ما صُدِّرتْ بأب أو أم. مثل أبي بكر، أم المؤمنين.
إذن: لا يجوز أنْ ننادي شخصاً مثلاً بلفظ مكروه وهو لا يحبه ولا يحب أن يُنادى به، من ذلك ما ذكرناه من قول عائشة لصفية: يا يهودية. والتنابز بالألقاب يزرع الأحقاد والضغائن، ويهيج الغرائز والغضب عليك، ولم لا تناديه بأحب الأسماء إليه لتعطفه إليك.
حتى أن الفقهاء قالوا: إذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه إياك أنْ تُذكِّره به أو تُعيِّره به، لأن ذلك يُعدُّ قذفاً له، إلى جانب أنك تعين عليه الشيطان، كمن تاب عن الخمر ونقول له (يا خمورجي)، أو تاب عن القمار ونقول له (يا قمرتي) وهكذا.
لذلك قال بعدها: ﴿بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ..﴾ [الحجرات: ١١] يعني: بئس ما تقول لأخيك حينما تُذكِّره بماض يريد أنْ ينساه، وقبيح بك أنْ تُعيِّره بعد أنْ تاب، كما أنه قبيحٌ بك الفسوق بعد الإيمان.
﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ..﴾ [الحجرات: ١١] يعني: عن التنابز بالألقاب ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] نعم ظالمون لأنفسهم بعدم اتباع المنهج في هذا النهي، وظالمون لغيرهم حين ينادونهم بهذه الألقاب المكروهة، فمن حَقِّ الذي تاب ألاَّ تذكره بعيبه، وألاَّ تُعيّره به.