تفسير سورة سورة الحجرات

الشعراوي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

تستطيع هنا أن تلاحظ المناسبة بين هذه الآية في مفتتح سورة الحجرات وبين نهاية سورة الفتح، الحق سبحانه في أواخر آيات الفتح حدثنا عما دار في الحديبية، وكيف انتهى الموقف هناك بالصلح، وكيف أن هذا الصلح أحدث خلافاً بين الرسول وبين المؤمنين به.
وقلنا: أنهم قبل أنْ يعودوا إلى المدينة أخبرهم الحق سبحانه بالحكمة من العودة دون أداء العمرة هذا العام. إذن: كان للمؤمنين رأي، وكان لرسول الله رأي آخر، لأن المسلمين تعصبوا لأنفسهم أما رسول الله فقد تعصَّب للإسلام.
ولما حدثتْ المعارضة لرسول الله جاءتْ سورة الحجرات لتعالج هذه المسألة في أول آية منها: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ.. [الحجرات: ١] والنداء هنا خاص بالذين آمنوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً.
لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ.. [الحجرات: ١] يعني: إياكم أنْ تُقدِّموا رأياً أو تقطعوا أمراً قبل أنْ يأذن الله لكم به ويأذن رسوله ويقضي فيه، لأن رسول الله لا يصدر إلا عن وحي من الله.
وأنتم حينما تقفون في وجه أمر الرسول فأنتم في حقيقة الأمر تعارضون أمر الله الذي ارتضيتم به رباً وإلهاً وآمنتم بصفاته، ومقتضى هذا الإيمان ألاَّ تُقدِّموا رأيكم على رأيه، ولا حكمكم على حكمه، فإذا قال الله أو قال رسول الله فلا تقدموا رأياً من عندكم.
وكلمة بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ.. [الحجرات: ١] بين يديك يعني: أمامك، يعني لا تسبقوه بأنْ تقطعوا أمراً دونه، وتذكّر أنك أمام الله وفي مواجهته، فهو لا يُكلِّفك حركة فتلتفت يميناً أو شمالاً.
وقوله: وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ.. [الحجرات: ١] يعني: إنْ أردتم ألاَّ تُقدِّموا بين يدي الله ورسوله فاتقوا الله في ذلك. يعني: لا تكونوا كذابين فيه، ولا تعودوا مرة أخرى إلى المخالفة فهذا لا يصح.
إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ١] يعني: اتقوا مَنْ هذه صفاته فهو سميع يسمع كلَّ ما يقال، وعليم بكل ما يختلج في نفوسكم، ولا يخفى عليه شيء من أموركم. وما دُمتم قد آمنتم به فقد وجبتْ عليكم طاعته وطاعة رسوله.

ثم يقول الحق سبحانه:

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ... .
النداء هنا أيضاً للذين آمنوا، ألاَّ يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي في حضرته، وكذلك لا يرفعوا رأيهم فوق رأيه، ومن أدب الحديث عموماً ألاَّ ترفع صوتك، لأن رفع الصوت فيه استعلاء، أو على الأقل فيه مساواة، فما بالك إنْ كان مُحدِّثك رسول الله؟.
إذن: وجب عليك ألاَّ يعلو صوتك على صوته، بل يكون صوتك أقلَّ وأخفت، وتكلّمه بأدب وخشوع، فكما آمنتَ به نبياً ورسولاً مبلِّغاً وقدمتَ رأيه على رأيك.
فكذلك حين تُحدِّثه لا ترفع صوتك فوق صوته، فصوته صلى الله عليه وسلم ينبغي أنْ يكون الأعلى، لأنه الأوْلَى بالاستماع وبالاهتمام، ونحن في حقبة من تاريخنا شاعتْ بيننا مقولة (لا صوتَ يعلو فوق صوت المعركة) لأن المعركة في هذا الوقت كانت هي الحل. والمعنى: لا يعلو صوتٌ على صوته.
وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ.. [الحجرات: ٢] لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً، فلا نقول: تعالى يا أحمد تعال يا محمد. بل نقول: يأيها النبي يأيها الرسول، يا رسول الله، لأن ربك الذي خلقك وخلقه وأرسله لك رسولاً خاطبه هكذا.
في حين أنه تعالى خاطب كل الرسل بأسمائهم: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى إلا محمداً صلى الله عليه وسلم لم يخاطبه باسمه إنما بوصفه (يا أيها النبي) (يا أيها الرسول) فإذا كان خالقه لم يدعه باسمه.
إذن: وجب عليك أنْ تدعوه بهذه الوصف، إلا إذا كنتَ أنت أعلى مقاماً من الذي خلقك والعياذ بالله.
وقوله تعالى: أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ.. [الحجرات: ٢] أي: خشية أنْ تحبط أعمالكم. يعني: تبطل وتفسد، لماذا؟ لأن الجهر لرسول الله بهذه الصورة أو رفْع الصوت عنده يُعد مخالفة للمنهج الذي جاء به.
فرسول الله لم يأت بمنهج من عنده، إنما هو مبلِّغ عن الله، فمَنْ خالف في ذلك فقد خالف منهج الله واستحقَّ أنْ يحبط عمله، ثم في إهانة الرسول إهانة لمن أرسله.
وقوله: وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢] أي: يحبط عملك ويبطل وأنت لا تدري، فهذه المسألة من الأشياء الدقيقة التي ينبغي التنبه لها، فمع كونه صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ لكن لا تغرّنك هذه الصفات وتجعلك تساويه بغيره في النداء، بل احتفظ له صلى الله عليه وسلم بمنزلته ومهابته وكرامته، ولا تجعله مثلك في الخطاب، مثل رجل يُدلل الخادم فيغتر الخادم بذلك، حتى أن سيده يناديه فلا يجيب.
لذلك الرجل العربي دخل على قوم لا يعرفهم ولا يعرفونه. فقال: السلام عليكم قوم حَسُنتْ أخلاقهم، قالوا: وكيف علمت حُسْن أخلاقنا؟ قال: عرفت حُسن أخلاقكم من سوء أخلاق عبيدكم، أي: أنهم يُدلِّلون العبيد ولا يعاقبونهم.
وقد ورد عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ثم يقول الحق سبحانه:
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ... [الحجرات: ٣].
معنى يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. الحجرات: ٣] يخفضونها ويُخافتون بها في حضرته صلى الله عليه وسلم، احتراماً له وتكريماً.
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ.. [الحجرات: ٣] أي: صفّاها وأخلصها لتكون محلاً للتقوى وللطاعة، ولحمل منهج رسول الله إلى الناس كافة، فهم مُؤهَّلون لحمل هذه الرسالة بعد أنْ نقَّى الله قلوبهم وطهرها وصفَّاها من الخبث، ونفى عنها أمراض الرياء والنفاق وضعف الإيمان.
لقد صهرتهم الأحداث في بوتقة الشدائد، بحيث لم يَبْقَ في صفوف الإيمان إلا أقوياء العقيدة القادرون على حمل أمانة هذه الدعوة.
لذلك قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣] فالرسول يشهد أنه بلّغنا، ونحن نشهد أننا بلغنا الناس.
نزلت هذه الآية في جماعة كان لهم أسرى، فجاءوا يراجعون رسول الله في أمرهم ليطلق سراحهم، لكنهم أخطأوا من عدة وجوه:
أولاً: جاءوا بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الوراء ولم يأتوا من الأبواب.
ذلك لأنهم لا يعرفون في أيِّ حجرة يقيم رسول الله، أهو عند عائشة؟ أمن عند حفصة؟ أمن عند أم سلمة؟ وهم يعلمون أن لرسول الله مهمات شتى، له مهمة مع الناس، ومهمة مع أهله، ومهمة قبل ذلك مع ربه.
فكان عليهم إذا لم يظهر لهم رسول الله في المسجد أنْ ينتظروا خروجه وألاَّ يُزعجوه، فهو ولابدَّ في مهمة من هذه المهمات وربما كان مشغولاً في خلوة مع ربه عز وجل أو مع أهله.
ثانياً: نادوا رسول الله كما ينادي بعضهم بعضاً، ولم يراعوا حرمة رسول الله ومنزلته، لذلك وُصف أكثرهم بأنهم لا يعقلون، فالتعقل يقتضي خلاف هذا التصرف.
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ.. [الحجرات: ٥] نعم خيراً لهم لأنه صلى الله عليه وسلم بعد أنْ نادوه واضطروه للخروج أطلق نصف الأسرى، وقال: والله لو صبروا حتى أخرج عليهم لأطلقتُ الأسرى كلهم.
إنما جعل ذلك تأديباً لهم لخروجهم عن اللياقة والأدب في التعامل معه صلى الله عليه وسلم.
وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: ٥] لم يأخذهم بالعذاب ورسول الله عاقبهم على قدر أعمالهم حتى لا يكون غضبه لنفسه.

ثم قول الحق سبحانه:

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ... .
نزلت هذه الآية في جماعة كان لهم أسرى، فجاءوا يراجعون رسول الله في أمرهم ليطلق سراحهم، لكنهم أخطأوا من عدة وجوه:
أولاً: جاءوا بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الوراء ولم يأتوا من الأبواب.
ذلك لأنهم لا يعرفون في أيِّ حجرة يقيم رسول الله، أهو عند عائشة؟ أمن عند حفصة؟ أمن عند أم سلمة؟ وهم يعلمون أن لرسول الله مهمات شتى، له مهمة مع الناس، ومهمة مع أهله، ومهمة قبل ذلك مع ربه.
فكان عليهم إذا لم يظهر لهم رسول الله في المسجد أنْ ينتظروا خروجه وألاَّ يُزعجوه، فهو ولابدَّ في مهمة من هذه المهمات وربما كان مشغولاً في خلوة مع ربه عز وجل أو مع أهله.
ثانياً: نادوا رسول الله كما ينادي بعضهم بعضاً، ولم يراعوا حرمة رسول الله ومنزلته، لذلك وُصف أكثرهم بأنهم لا يعقلون، فالتعقل يقتضي خلاف هذا التصرف.
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ.. [الحجرات: ٥] نعم خيراً لهم لأنه صلى الله عليه وسلم بعد أنْ نادوه واضطروه للخروج أطلق نصف الأسرى، وقال: والله لو صبروا حتى أخرج عليهم لأطلقتُ الأسرى كلهم.
إنما جعل ذلك تأديباً لهم لخروجهم عن اللياقة والأدب في التعامل معه صلى الله عليه وسلم.
وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: ٥] لم يأخذهم بالعذاب ورسول الله عاقبهم على قدر أعمالهم حتى لا يكون غضبه لنفسه.

ثم قول الحق سبحانه:

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ... .
أيضاً نداء خاص بالذين آمنوا، وهو النداء الثالث بعد يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ.. [الحجرات: ١] وبعد يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ.. [الحجرات: ٢] وهنا يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ.. [الحجرات: ٦].
ونلاحظ أن النسق القرآني لم يجمع بين هذه الأمور الثلاثة في نداء واحد، ولم يستخدم أدوات العطف إنما خصَّ كل أمر منها بنداء خاص لمزيد التأكيد والاهتمام.
ففي وصية سيدنا لقمان لابنه قال: يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣].
وقال: يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ [لقمان: ١٧-١٩].
إذن: خصّ مسألة العقيدة بنداء خاص لأهميتها، وجمع عمل الجوارح في نداء واحد لأنها على مستوى واحد من الأهمية في الدين.
إذن: نفهم من تكرار النداء بيأيها الذين آمنوا أنه يعطي أهمية خاصة لكل نداء. ومعنى إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ.. [الحجرات: ٦] الفاسق وصْف مأخوذ من قولنا فسقت الرطبة. يعني: خرجت عن قشرتها، وخروج الرطبة عن قشرتها يُعرِّضها للحشرات وللآفات الضارة.
كذلك المؤمن يُغلفه الإيمان ويحميه أنْ تصيبه آفات النفوس، فإذا فسق يعني: خرج عن حدود الإيمان وشذَّ عنه أصابته الأمراض المهلكة، لذلك قالوا عن الفاسق هو مرتكب كبيرة أو مجهول الحال.
فإذا جاءك النبأ أي الخبر من مثل هذا من فاسق فلا تُسلم له بما قال، إنما فَتَبَيَّنُوۤاْ.. [الحجرات: ٦] يعني: تثبَّتوا من صحة هذا الخبر ومن صدَّقه.
قف حتى تتبين وجه الحقيقة فيما سمعتَ حتى يكون حكمك على الأمور واقعياً، ولا تأخذك العجلة والحمية فتقع في محظور فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: ٦].
الحق سبحانه يأمرنا بالتثبت هنا لأن الإنسان ابن أغيار كثير التقلب، فربما اتصف بالصدق، لكن كذب هذه المرة أو اتصف بالكذب، لكن صدق هذه المرة، فالتثبت احتياط واجب، حتى يأتي الحكم والتصرف بعد ذلك موضوعياً ولا نقع في دائرة الظلم والتعدي على الآخرين.
تبيَّن من خبر الفاسق لعله يكون من الأشياء التي عصى الله فيها، لأن العصيان عنده سهلٌ، فلو صدَّقته ربما تصيب قوماً لا ذنبَ لهم.
بِجَهَالَةٍ.. [الحجرات: ١] وأنت تجهل حقيقة الأمر، وعندها يصبح المصاب صاحبَ حق وأنت مُعتد فتندم على تعدِّيك وتجاوزك للصواب، تندم لأنك جعلتَ مَنْ أسأته صاحبَ حَقٍّ عليك.
وفرْق بين مَنْ يفعل الذنب بجهالة ومَنْ يفعله متعمداً، وبحسب موقف النفس البشرية من المعصية يكون قبول التوبة، وأذكر ونحن في فرنسا أن واحداً من الزملاء رُشِّح لأنْ يكون مبعوثاً إلى فرنسا، هذا ذاهب إلى هناك لقصد العلم فقط وليس في باله أي أغراض أخرى، وهناك سكن على طريقة الغرباء في أحد البيوت مع إحدى الأسر.
وفي ليلة دخلت عليه بنت هؤلاء الذين يسكن معهم، ربما قد يكون ارتكب معصية معها في هذا الموقف لكنه وقع فيه عن جهالة ودون أن يخطط له.
على خلاف شخص آخر حينما يذهب إلى هذه البلاد يذهب وفي باله هذه المسائل، وربما اتصل بمَنْ يعطيه عناوين أهل المعصية.
لذلك يُحدد الحق سبحانه شروط التوبة المقبولة، فيقول: إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٧-١٨].
والندم على المعصية أول مراحل التوبة، لكن الأمر بالتثبُّت من خبر الفاسق، أهو وعظ ابتداءً أم له سَببٌ نزل القرآنُ من أجله؟ قالوا: بل له سببٌ وهو حادثة الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما ولاَّه رسولُ الله جبايةَ أموال الزكاة من بني المصطلق.
فلما ذهب إليهم خرجوا جميعاً لمقابلته والاحتفاء به حين علموا أنه رسول رسول الله، لكنه خاف من جمعهم على هذه الصورة، وخشي أنْ ينالوه بشرٍّ خاصة وقد كان له دية قديمة عندهم من أيام الجاهلية.
ففرَّ عائداً إلى رسول الله وقال: يا رسول الله منعوني الزكاة، فرسولُ الله تثبَّت من الأمر وسألهم فقالوا: بل خرجنا فرحاً به يا رسول الله، ولو صدَّق رسولُ الله هذا الخبر لاعتبرهم مرتدين، وربما كان حدث ما لا تُحمد عقباه.
وروُي أن سيدنا رسول الله بلغه أن السيدة مارية القبطية أم إبراهيم لها ابنُ عم يزورها ويدخل عندها، فأغضبه ذلك وقال لعلي: خُذْ هذا السيف واذهب إليه فإنْ وجدته فاقتله. فقال: يا رسول الله أنا في أمرك أأقتله. أم يرى الشاهد ما لا يرى الغائب؟ انظر هنا إلى احتياط علي رضي الله عنه.
فلما ذهب وجده عند مارية فهمَّ بسيفه ليقتله، لكن الرجل أسرع إلى نخلة فصعد عليها بحيث لا يناله سيفُ علي، ثم ألقى بنفسه على الأرض وفتح بين ساقيه حتى بانت لعلي أماكن عورته فرآه علي أمسحاً، يعني: ليس له ما للرجال فكفَّ عنه.
وذهب إلى رسول الله وأخبره الخبر فقال: صدقتَ يا علي، يرى الشاهد ما لا يراه الغائب. ونفهم من هذه القصة أن الذي أخبر بها رسولَ الله فاسقٌ أراد الوقيعة والتشهير بأم إبراهيم.
الكلام هنا له علاقة بما حدث من مخالفة المسلمين لرأي رسول الله في الحديبية، فالحق سبحانه يقول لهم وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ.. [الحجرات: ٧] كأنه يقول لهم احترموا وجوده بينكم فهو رسول الله ولا يخفى عليه شيء لأنه مُؤيَّد من الله، والله يخبره بالواقع، فليس علمه بالأمور كعلمكم.
وكلمة فِيكُمْ.. [الحجرات: ٧] تدل على الظرفية كما تقول: الماء في الكوب، أو المال في الخزانة، ومعلوم أن المظروف أغلى وأنفَسُ من المظروف فيه، وأنتم ظرف لرسول الله ومنهج رسول الله؛ لذلك قرأوا: لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ.. [التوبة: ١٢٨] بفتح الفاء.
إذن: وجود رسول الله بينكم ميزة لكم وعصمة وحماية لأنه موصول بربه، وهذه المسألة كان يعلمها كفار مكة وصناديدهم، لكنهم غلبهم العناد والمكابرة وحجبتهم عن الإيمان.
لذلك اجتمع في يوم من الأيام كلٌّ من أبي سفيان والحارث بن هشام وثابت بن قيس، وكان بلال يؤذن للصلاة، فقال ثابت: لقد رضي الله عن أبي حيث قبضه قبل أن يرى هذا المنظر، يعني: أن بلالاً الحبشي الأسود هو الذي يؤذِّن لرسول الله، وقال الحارث: أما رأى رسول الله غير هذا الغراب الأسود يُؤذِّن، وقال أبو سفيان: والله أحب أنْ أقول يعني مثل قولكما، لكني أخشى أنْ يخبر اللهُ رسوله بما أقول.
إذن: كان هؤلاء القوم يعلمون صدق رسول الله، لكن منعهم اللدد والعناد والكبر عن قبول الحق.
أيضاً تعلمون أن سيدنا رسول الله قد زوَّج ابنتيه رقية وأم كلثوم لولدين من أولاد أبي لهب، وكان هذا قبل البعثة، فلما اشتدت العداوة بين أبي لهب ورسول الله أجبر أبو لهب ولديه على تطليقهما.
وفي يوم قابل أحد هذين الولدين رسول الله في الطريق ونظر إليه ثم تفل وتنبه رسول الله لما فعل، فدعا عليه وقال: يأكلك كلب من كلاب الله وبلغت هذه الدعوة أبا لهب فخاف على ولده، وعندما خرج مع القافلة التجارية إلى الشام جمع رجالها وقال لهم: إذا عرَّسْتم - يعني أويتم للمبيت - فاجعلوا ولدي فلاناً بينكم، فإنني أخشى عليه دعوة محمد.
إذن: كان يعلم أن محمداً على الحق، وأن دعوته ُمستجابة. وبالفعل جعلوه بينهم لما ناموا، وسلط الله عليه أسداً حقيقاً اختطفه من بينهم.
فصِدْق رسول الله كان معلوماً لهؤلاء، وكانت ألسنتهم تغلبهم وتنطق بهذا التصديق، من ذلك قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقين: ٧] وأخبر الحق عنهم بقوله: وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً.. [النمل: ١٤].
وقوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ.. [الحجرات: ٧] ومن ذلك ما حدث منكم في الحديبية، فلو أطاعكم في عدم الصلح لَعَنِتُّمْ.. [الحجرات: ٧] أصابكم العنت والمشقة والإثم.
ومثلها قوله تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ.. [التوبة: ١٢٨] يعزّ عليه أنْ يراكم في مشقة، لأنه بكم رؤوف رحيم، فإنْ رآكم على المعصية استغفر لكم، وإنْ رآكم على الطاعة حمد الله، هذا حتى بعد أنْ يموت.
وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ.. [الحجرات: ٧] لكن هنا استدراك لما سبق، يعني أن رسول الله لم يطعكم فيما ذهبتم إليه من التصميم على دخول مكة وأداء العمرة، ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم، فعُدْتم إلى رأي رسول الله ولم تقضُوا أمراً خلاف أمره ورضيتم به.
وهذا نتيجة هداية الله لكم، وتحبيبه الإيمانَ وتزيينه في قلوبكم، فلولا ذلك لخرجتم عن أمره وهلكتُم بعصيانكم له، وفي نفس الوقت وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ.. [الحجرات: ٧] وهذا من أعظم نِعَم الله عليكم.
أُوْلَـٰئِكَ.. [الحجرات: ٧] أي: الذين اتصفوا بهذه الصفات فأحّبوا الإيمان وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧] جمع راشد، وهو الذي التزم طريقَ الحق والهداية فلم يَحِدْ عنه، ومن ذلك قولنا: ترشيد النفقات وترشيد الاستهلاك، يعني أنْ نضعه في موضعه المناسب.
آية رقم ٨
الفضل يعني الزيادة، والمراد هنا أن الله تعالى عاملهم بمزيد من نعمه وكرمه.
قالوا لأحد الصالحين: احكم بيننا، فقال: بالعدل أم بما هو أحسن من العدل؟ قالوا: وهل هناك أحسن من العدل؟ قال: أحسن من العدل الفضل، العدل أنْ تأخذ حقك، والفضل أنْ تتنازل عنه تفضلاً.
كذلك نِعَم الله علينا من باب الفضل، لأن التكليف الذي كلَّفنا الحق به يعود علينا نحن بالمصلحة ولا ينتفع الله منه بشيء، لأنه سبحانه الغني عن خَلْقه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وهو سبحانه بصفات الكمال فيه خلقنا، إذن: النعم ليستْ مقابلاً للطاعة، إنما هي محْضُ فضل من الله.
أما في مثله قوله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠] فسمَّى لهم أجراً ليعلموا أن عملهم مقبولٌ، وسيُجزون عليه الجزاء الأوفى.
وقوله سبحانه: وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجرات: ٨] عليم وعلمه محيط لا يخفى عليه شيء من أمرك، والسر عنده علانية يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ [غافر: ١٩].
إذن: إياك أنْ يخالط عملك نفاقٌ أو رياء أو عجب أو كبرياء. وقلنا: إن الله تعالى يريد القلوب لا مجرد عمل الجوارح. ثم هو سبحانه حَكِيمٌ [الحجرات: ٨] يدبر شئون ملكه بمقتضى حكمته تعالى، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.
كلمة طَآئِفَتَانِ.. [الحجرات: ٩] مثنى طائفة وهي مفرد في اللفظ، وإنْ دَّلتْ في واقعها على الجمع مثل كلمة قوم، تُجمع طائفة على طوائف. وهذه الآية تقرر حكماً يتعلق بالحرب وضرورة الصلح بين الطائفتين المتحاربتين، حتى لا تستمر الحروب بين المؤمنين بعضهم البعض.
ونلاحظ هنا أن لفظ طَآئِفَتَانِ.. [الحجرات: ٩] مثنى. والقياس أن يقول: اقتتلتا لكن القرآن جمعها فقال: ٱقْتَتَلُواْ.. [الحجرات: ٩] لماذا؟ قالوا: لأن الطائفة كتنظيم تتمثل في واحد، هو رئيس هذه الطائفة، لكن إذا دار القتال تقابل أفراد الطائفتين، فالقتال بمجموع الأفراد.
بدليل أنه لما تحدَّث عن الصلح عاد إلى لفظ المثنى، فقال: فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا.. [الحجرات: ٩] لأن مجلس الصلح ليس بالضرورة أنْ يحضره جميع أفراد الطائفة، بل ينوب عنهم شخص واحد يعقد الصلح.
فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ.. [الحجرات: ٩] أي: بعد أنْ تمّ الصلح وبغَتْ إحدى الطائفتين على الأخرى. يعني: تعدَّتْ وتجاوزتْ الحدَّ في العدوان ولم تحترم الصلح فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي.. [الحجرات: ٩] أي: لردعها حَتَّىٰ تَفِيۤءَ.. [الحجرات: ٩] ترجع إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ.. [الحجرات: ٩] أي: إلى الحق.
وهكذا أصبح لدينا ثلاث طوائف، طائفتان اقتتلتا، وطائفة تحكم بينهما بالصلح، ذلك لأن المجتمع المؤمن في مجموعة مؤتمنٌ على هذه المهمة، مهمة الحكم بين المتخاصمين، ولديه ما يؤهله للعدل وعدم الميل أو اتباع الأهواء في عملية الصلح، وإذا لم تتوافر هذه الشروط في الحكم لا يتم الصلح، بل تتفاقم الأمور وتزيد تعقيداً.
ويكفي أن صاحب الهوى والميل في الحكومة بين الطرفين يسقط من نظر الجميع، حتى الفئة التي حكم لصالحها زوراً تمقته، لذلك قالوا عن شاهد الزور: ترتفع الرؤوس على الخصم بشهادته، وتدوس الأقدام على كرامته.
وقوله تعالى: فَإِن فَآءَتْ.. [الحجرات: ٩] أي: بعد القتال وعادتْ إلى الصواب، فعودوا أنتم إلى الصلح فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ.. [الحجرات: ٩] والمعنى: لا تتركوا الفئة التي فاءتْ إلى الحق دون أنْ تُصلحوا بينهما، صحيح هي عادتْ إلى الحق لكن ما زال الخلاف قائماً فلا بدَّ من الصلح حتى لا تفرخ حرباً أخرى وتبقى جذور الخلاف تتأجج في الصدور فتشعل المعارك من جديد.
إذن: منعنا المعركة أولاً، ورددنا المظالم إلى أهلها، ونزعنا فتيل الحرب.
وكلمة وَأَقْسِطُوۤاْ.. [الحجرات: ٩] من أقسط يُقسط فهو مُقْسط أي: اعدلوا بينهما إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩] العادلين، وهناك قسَط يقسط فهو قاسط أي: جائر. ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: ١٥] فالهمزة في أقسط همزة إزالة. أي: أزال الجور والظلم.
وهذه المسألة لها سبب، ففي حنين اختلفوا على شيء وتفاقم بينهم هذا الخلاف، حتى صار معركة خاصة بين سفهاء القوم منهم واستعملوا فيها الأسلحة الخفيفة مثل العِصيِّ وسعف النخيل والشماريخ، وقبل أنْ تتحول إلى حرب حقيقية بلغ الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ذلك لأن المؤمنين إخوة في النسب من آدم عليه السلام، وإخوة في الإيمان، وإخوة النسب أسبق وتبعها إخوة الإيمان، وهذا يعني أن للكافر حقَّ أخوّة النسب، وإنْ لم يكُنْ له حق في أخوة الإيمان.
لذلك نقول في إخوة النسب إخوة، وفي الإيمان نقول: إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ [الحجر: ٤٧] لذلك تكتمل الأخوة في إخوة الإيمان.
ويُروى أن معاوية دخل عليه حاجبه. فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل يستأذن في الدخول، ويدَّعي أنه أخوك، فضحك معاوية وقال: خدمتني كذا وكذا ولا تعرف إخوتي؟ قال: هكذا قال لي، قال: أدخله، فلما دخل سأله معاوية: أي إخوتي أنت؟ فقال: أخوك من آدم، فضحك معاوية وقال: رحم مقطوعة، والله لأكوننَّ أولَ مَنْ وصلها، وقضى له حاجته.
ولفظ الإخوة هنا يُقرِّب النفوس، ويُزيل ما بين الناس من طبقية أو عصبية، لذلك نجد الأسلوب القرآني حتى في مسألة القصاص في القتلى يقول: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ.. [البقرة: ١٧٨].
يريد أنْ يُذكره أنه أخوه رغم ما بينهما من عداوة و شحناء، فالله يُرقِّق القلوب حِرْصاً على سلامة المجتمع المسلم، ولمنزلة الأخوة في العلاقات الإنسانية قالوا في الحِكَم: رُبَّ أخ لك لم تلده أمك.
حتى أن البعض يرى أن الإنسان حينما يتعثر في الطريق فيصيبه مكروه يقول: أخ. كأنه يستنجد بأخيه، أي أخ له قريب منه يمكن أن يُسعفه.
وقوله تعالى: وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: ١٠] أي: اتقوا الله في عملية الإصلاح بين الطرفين.
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: ١٠] ترحمون من ماذا؟ تُرحمون من استمرار العداوات بين المؤمنين، وهذا يعني ضرورة إنهاء الخلافات قبل أن تستفحل وتتمادى، وفي استفحالها ضرر يصيب الجميع، يصيب الطرفين المتنازعين أولاً، ثم يتعدَّى إليكم. حيث ترى كل طائفة أنكم تنحازون للأخرى. إذن: من مصلحة المجتمع كله إنهاء العداوات وحقن الدماء بين المؤمنين.
نلاحظ هنا أن القرآن وجَّه النهي ألى القوم مرة، وإلى النساء مرة، وخَصَّ كُلاًّ منهما بنهي، ذلك لأن كلمة قوم لا تُقال إلا للرجال، لأنهم هم الذين يقومون على شئون الأسرة، أما المرأة فليس لها قيامٌ إلا على بيتها، يقول الشاعر:
وَمَا أدْري وَلْستُ إخَالُ أدْري  أقوْمٌ آلُ حِصْن أمْ نِسَاءُ
إذن: القوم تُقال للنساء وفي آية أخرى قال تعالى: ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ.. [النساء: ٣٤] البعض يفهم من كلمة قَوَّٰمُونَ أنها للقهر وللضرب، أبداً، بل الرجال قوَّامون على النساء. يعني: يقومون على رعايتهن وتدبير أمورهن.
لذلك نقول للمرأة (ست بيت) فكأن الرجل هو الخادم الراعي لها، ونحن نقول: فلان قائم بهذا الأمر. يعني: يتولى العمل الشاقَّ فيه. تذكرون في قصة سيدنا آدم لما أسكنه اللهُ الجنةَ هو وزوجه، وحدثتْ من آدم المخالفة لأمر الله، قال تعالى: فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ [طه: ١١٧] هذا خطاب لآدم وحواء.
والقاعدة أن يقول (فتشقيا) بالتثنية، لكن قال فَتَشْقَىٰ أي: آدم وحده، لأن مهمة الكدح والشقاء وتحمُّل مسئولية الأسرة للرجل فقط، اما المرأة فهي للبيت ولها دور فيه ودور هام يملأ كلَّ لحظة في حياتها، لكن ماذا نفعل وهُنَّ يُردْنَ أنْ يشقيْنَ مع الرجال؟
والنهي عن السخرية في هذه الآية له سببٌ في الرجال، وله سببٌ في النساء: ثم لم ينس الرجل الذي قيل له تفسح فلم يتفسح، ونزل في حقِّه قوله تعالى: إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ.. [المجادلة: ١١].
ويُروَى أن السيدة أم سلمة كانت قصيرة، وفي مرة أصابها وجع في رجلها فربطتها بقطعة من القماش، وكان فيها بقية تتدلَّى على الأرض تجرُّها خلفها، فرأتها على هذا الحال السيدة عائشة والسيدة حفصة. فقالت إحداهن للأخرى: تمشي ولها ذيل كذيل الكلب. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية.
لذلك يقول الحق سبحانه في يوم القيامة: ودخل رجل أعرج على أحدهم، فراح ينظر إليه نظرة سخرية لعرجته، ففهم الأعرجُ قصده، فقال له: أتعيب الصَّنعة أم تعيب الصانع؟ فأفحمه حتى ندم على سُوء أدبه معه، وقال: والله لوددتُ عندها أنْ أكون أنا مثله وهو مثلي.
والحق سبحانه وتعالى حينما ينهانا عن السخرية، إنما يريد المساواة بين جميع خَلْقه، فالخَلْق جميعاً خَلْقه وصنعته وعبيده، وليس فيهم من هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة، فلِمَ إذن يسخر بعضنا من بعض؟
إياك والسخرية من الناس مهما كانوا أقلّ منك، عليك إنْ رأيت عيباً في دين أو خُلق أنْ تُقوِّمه وتُصلح من شأنه ما استطعت.
وإذا كان العيبُ في الخَلْق، وفيما لا دخْلَ للمخلوق فيه فتأدَّبْ مع الخالق، ووالله لو علمتم ما جعله الله للمؤوف - يعني: مَنْ به آفة - لتمنيتم جميعاً أنْ تكونوا مؤافين، فإن الله تعالى ليس له ولد، بل وزَّع أسبابَ فضله على عباده، فإنْ أخذ من واحد منهم شيئاً فقد عوَّضه خيراً منه.
والسخرية والاستهزاء لا يكونان إلا من إنسان عَلا في شيء أمام إنسان نقص في هذا الشيء كأن يسخر الغنيُّ من الفقير، أو القوي من الضعيف، أو سليم التكوين من المعاق.. وهذا السلوك نتيجة الغفلة عن ميزان التفاضل بين الخلق جميعاً، ألا وهو التقوى.
وقلنا: إنك لو نظرتَ في الوجود كله لوجدتَ فيه قضية عادلة، هي أن كل إنسان منَّا، مجموع نعم الله عليه تساوي مجموع أيِّ إنسان آخر، لأن الخالق سبحانه وزَّع فضله على عباده لكن هذا أخذ ١٠٠% في العقل وهذا أخذ ١٠٠% في الصحة لكن المجموع في النهاية متساوٍ.
ذلك لأن الله تعالى لا يريد نسخاً مكررة من البشر، إنما يريدنا متفاوتين في المواهب لتستقيم بنا حركة الحياة وتتكامل ويرتبط البشر ببعض ارتباط حاجة، لذلك قلنا إن الباشا قد يحتاج إلى عامل المجاري.
فقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ.. [الأنعام: ١٦٥] يعني كل منا مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر. تعلمون أن بتهوفن الموسيقي الشهير كان أصم لا يسمع، وأن تيمور لنك الذي دوَّخ الدنيا بالفتوحات كان أعرج.
هذا يعني أنك لا تسخر من أحد، ولا تحتقر أحداً لأنك رأيته أقلَّ منك في شيء ما، فكلنا سواسية في ميزان الحق سبحانه، وكأنه سبحانه يريد أنْ يعطينا درساً في أنه سبحانه ليس له ولد وليس له صاحبة.
لذلك كانت الجن أفضل فهماً منا حين قالت: وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] فكلنا عيال الله، بل تبلغ هذه المساواة إلى أن رسول الله يأمرنا بأنْ نسوِّيَ بينَ أولادنا ولو في القُبلة.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا كيف نتصرف إذا ما حدث بيننا شيء من التهكم أو السخرية، وكيف نقابله ونردّ عليه. فيُروي في سبب نزول هذه الآيةانظر كيف عالج سيدنا رسول الله هذا الموقف. وكيف أعلى من شأن صفية، فهب سليلة الرسل والأنبياء وزوجة نبي، نعم رد يفحم ولا يخطر على بال أحد، ولم لا وقد أُوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم.
ومثل هذا الموقف أيضاً حدثوالبعض يقول: كيف يحدث كل هذا في بيت رسول الله؟ نقول: نفهم من هذه الغيرة إلى جانب أنها علامة الحب لسيدنا رسول الله، إلا أنها أيضاً تعني أن عائشة التي تزوجها رسول الله وهي بنت التاسعة، ومع ذلك كانت تغار على كِبره، وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم غير مزهود فيه.
وقوله سبحانه: وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ.. [الحجرات: ١١] هنا نَهْي عن صفة أخرى مذمومة لا تليق بأهل الإيمان، هي صفة اللمز وهو أنْ تعيب الآخرين، وتأمل دقة الأداء القرآني في قوله: وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. [الحجرات: ١١] والإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز غيره، لكنه أنزل الآخرين منزلة الإنسان نفسه، ثم إنك حين تلمز الناس تُجرّئهم على أنْ يلمزوك، على حَدِّ قول الشاعر:
لسَانُكَ لاَ تَذْكُر بِهِ عَوْرَةَ امْرِيء  فكُلُّكَ عَوْراتٌ وللنَّاسِ ألْسُنُ
وَعَيْنكَ إنْ أبدَتْ إليْكَ مَسَاوِئاً فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أعيُنُ

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ.. [النور: ٦١] لأنك حين تُسلِّم على الناس يريدون عليك السلام فكأنك سلَّمتَ على نفسك.
وقوله سبحانه: وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ.. [الحجرات: ١١] نهي آخر عن التنابز بالألقاب. أي: لا يدع أحدكم أخاه بلقب يكرهه، والتنابز من نبز الشيء يعني: أبعده وتركه، كذلك حين تنادي شخصاً بلقب يكرهه، فكأنك تبعده عنك وتُوسع الفجوة بينك وبينه.
والأسماء عندنا في اللغة اسم ولقب وكُنية: الاسم هو ما يُطلق على المسمى فيصير عَلَماً مثل محمد. واللقب هو ما يُشعِر بمدح أو ذم مثل الصِّديق، أو أن نسمي أحد الضعفاء مثلاً (سليمان بطة)، أما الكُنْية فهي ما صُدِّرتْ بأب أو أم. مثل أبي بكر، أم المؤمنين.
إذن: لا يجوز أنْ ننادي شخصاً مثلاً بلفظ مكروه وهو لا يحبه ولا يحب أن يُنادى به، من ذلك ما ذكرناه من قول عائشة لصفية: يا يهودية. والتنابز بالألقاب يزرع الأحقاد والضغائن، ويهيج الغرائز والغضب عليك، ولم لا تناديه بأحب الأسماء إليه لتعطفه إليك.
حتى أن الفقهاء قالوا: إذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه إياك أنْ تُذكِّره به أو تُعيِّره به، لأن ذلك يُعدُّ قذفاً له، إلى جانب أنك تعين عليه الشيطان، كمن تاب عن الخمر ونقول له (يا خمورجي)، أو تاب عن القمار ونقول له (يا قمرتي) وهكذا.
لذلك قال بعدها: بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ.. [الحجرات: ١١] يعني: بئس ما تقول لأخيك حينما تُذكِّره بماض يريد أنْ ينساه، وقبيح بك أنْ تُعيِّره بعد أنْ تاب، كما أنه قبيحٌ بك الفسوق بعد الإيمان.
وَمَن لَّمْ يَتُبْ.. [الحجرات: ١١] يعني: عن التنابز بالألقاب فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١] نعم ظالمون لأنفسهم بعدم اتباع المنهج في هذا النهي، وظالمون لغيرهم حين ينادونهم بهذه الألقاب المكروهة، فمن حَقِّ الذي تاب ألاَّ تذكره بعيبه، وألاَّ تُعيّره به.
الحق سبحانه يأمرنا أنْ نجنتب كثيراً من الظن، والظن هو الخاطر يخطر بالبال. وهو نوعان: ظن حسن، وظن سيء، الظن الحسن لا شيء فيه ولا إثمَ عليه، بل هو من مطلوبات الشرع كما سنرى، والمنهي عنه هنا هو ظن السَّوء الذي يؤدي إلى فساد في العلاقات ويترتب عليه عقوبة.
لذلك علّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجتنب ظن السَّوْء، إذن: فسيدنا رسول الله يُعلِّمنا أنْ نغلق باب ظن السَّوء، ونقطع أسبابه ونربأ بأنفسنا أنْ نضعها في هذا الموضع.
وفي قصة الإفك في سورة النور يُعلِّمنا الحق سبحانه ويحثّنا على أنْ نظن بالمؤمنين خيراً، وأن نبتعد عن ظن السَّوْء فيهم، فيقول سبحانه عن حديثهم في شأن السيدة عائشة: لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ [النور: ١٢].
والظن الحسن هو أن تحتاط للأمر، ولا تجعل له أثراً سيئاً في نفسك، فمثلاً إنْ جاءك رجل وقال لك: إن في هذا الطريق جماعة يتربَّصون بك ويريدون بك شراً، كان عليك أنْ تأخذ بالأحوط لك وأنْ تصدقه وتِحذر ما حذَّرك منه، لأن الغالب أنه يريد لك السلامة لا يريد لك الإيذاء.
أما إنْ كان الظنُّ يترتب عليه حكم شرعي، فقد وجب عليك أنْ تتحقق من صحته.
وتأمل دقة الأداء القرآني واحتياطه في قوله تعالى: كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ.. [الحجرات: ١٢] يعني: أن أكثر الظن ظن سيء يجب اجتنابه، والقليل ظنٌّ حسن لا مانع منه، لذلك قال بعدها: إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ.. الحجرات: ١٢] لا كله، فاحذر أنْ تقع في الإثم حين تظنّ بالمؤمنين السوء دون بينة.
وقوله سبحانه: وَلاَ تَجَسَّسُواْ.. [الحجرات: ١٢] لا تتبعوا عورات الناس ولا تبحثوا عن خصوصياتهم، وفي الحديث: ونذكر هنا لطيفة من لطائف أسماء الله الحسنى تلاحظ أن كثيراً من أسمائه تعالى لها مقابل كما في المحيي المميت، المعز المذل القابض الباسط.
لكن الستار ألها مقابل بنقول الفضاح؟ تعالى الله سبحانه عن هذه الصفة لأن ستره مسدولٌ على عباده مهما حدث منهم لا يفضحهم، والستار صيغة مبالغة من ستر ساتر.
لذلك ورد في بعض الأحاديث قوله تعالى: أبغض العاصي ولكني أكره مَنْ يتتبعه، لماذا؟ لأن تتبع العورات والسقطات يُشيع الفاحشة في المجتمع.
فالحق سبحانه يحمي مجتمع الإيمان من هذا، ويكفي أن المستتر بالمعصية ما يزال عنده حياء الإيمان.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: وهذا كمن لا يقدر على الصوم مثلاً وعنده عذر ويُباح له الفطر، لكن مع ذلك لا يجوز له أنْ يجاهر بفطره أمام الناس، حتى لا يكون قدوة سيئة للشباب الذين لا يدركون هذه الأعذار.
فحين يرونه يفطر تتربَّى عندهم خميرة ذهنية أنه يجوز لهم الفطر في رمضان، إذن: عليه أنْ يستر فطره حتى لا تَحدث هذه الأسوة.
ولخطورة التجسس، قال الفقهاء: لو أن رجلاً يعيش في عشة من البوص والعيدان، وجاء آخر فنظر إليه من خلال الثقوب، فجاء صاحب العشة بعود ففقأ عينه لا يكون لعينه مقابل ولا تعويض، لأنه اقتحم على الأول منزله، ونظر إليه دون إذنه.
ومثل هذا في سنة رسول الله حيث بلغه أن رجلاً ينظر إليه من ثقب الباب.
ويُروى أن سيدنا عمر كان يتفقَّد أحوال رعيته، ويقوم بالعسِّ ليلاً، وقد بلغه أن رجلاً يشرب الخمر مع أصحابه في بيته، فتسوَّر عليه داره فوجده مع رجل من أصحابه جالسين، وليس في المجلس خمر ولا شيء من هذا.
فلما رأه الرجل قال: لقد ظننت بي كذا وكذا، لكن فاتك من أمور الدين ما هو أهم من ذلك. أولاً: دخلت البيت من السور، والله يقول: وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا.. [البقرة: ١٨٩] ثانياً: دخلت عليَّ بيتي بدون استئذان، فانصرف عمر ولم يقل شيئاً.
وفرْق بين التجسس (بالجيم) والتحسس (بالحاء) التحسس تتبُّع وبحث عن الغير، لكن بدون قصد العورات، ومن ذلك قوله تعالى: يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ.. [يوسف: ٨٧] أي: ابحثوا عنه حتى تصلوا إليه، كما يفعل رجال المباحث مثلاً.
وقوله: وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً.. [الحجرات: ١٢] هنا نَهْي عن الغيبة عموماً، لأن القرآن لم يحدد مَنْ يغتاب ومَنْ يغتاب فيه.
ثم يعطينا القرآن صورة حسِّية للغيبة، فيقول: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ.. [الحجرات: ١٢] تأمل كم في هذه الصورة من منفرات تبين فظاعة هذا العمل، فالذي يغتاب أخاه في غيبته كالذي يأكل لحمه وهو ميت. أي: غائب عن الحياة ولا يقدر أنْ يدافع عن نفسه.
إذن: شبّهه بصورة شنيعة تنفر منها النفس السوية.
وقالوا: إن سبب نزول هذه الآية أنها نزلتْ فى الوليد بن عقبة ابن أبي معيط حينما بعثه رسول الله لجمع أموال الزكاة من بني المصطلق، وكان عليه لهم دية في الجاهلية، فلما رأوْه خرجوا لمقابلته، فخاف منهم الثأر وعاد إلى رسول الله، وقال: إنهم امتنعوا عن دفع الزكاة.
ورُوي أن أسامة بن زيد كان القائم على مؤنة الطعام في بيت رسول الله، فأراد رجلان أنْ يذهبا لكي يَطْعما في بيت رسول الله، فبعثوا سلمان الفارسي ليسأل أسامة الطعام، فلما سأله قال: ليس عندنا طعام، فعاد إليهما سلمان وقال: يقول أسامة: ليس عندنا طعام، قالا: بل عنده لكنه بخل به، ثم قالا لسلمان: أنت وجهك وجه شؤم، ولو ذهبت إلى بئر سميحاً يعني: فواراً - لغاب ماؤه.
وهكذا اغتابوا كلاً من أسامة وسلمان، فلما رآهما رسول الله قال: إني لأشمُّ من أفواهكم ريح لحم نتن، قالوا: يا رسول الله والله ما أكلنا لحماً، قال: لقد اغتبتما أسامة وسلمان، اذهبا فارضوهما لأنك إذا لم تُرض المغتاب فستكون عند الله أقبح من الزاني.
لذلك لما اغتاب رجل ابن سيرين فجاءه وقال له: يا إمام أحل نفسي منك، فقال: لم؟ قال: لأنِّي اغتبتك، فقال: أنا لا أُحِل ما حرم الله.
والحسن البصري علم أن رجلاً اغتابه، فأرسل إليه خادمه بطبق من الرُّطَب، وقال له: قل له هذا هدية لك من سيدي، لأنه علم أنك أهديتَ إليه حسناتك بالأمس.
هذا يدل على أنك تدفع حَقَّ مَن اغتبته من حسناتك، فَإنْ لم تكن لك حسنات أُخِذَ من سيئاته فطُرِح عليك، وقد دلّ على ذلك الحديث النبوي الشريف.
وقوله تعالى: وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: ١٢] اتقوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وتجنّبوا أسباب عقابه إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: ١٢] أي: كثير التوبة على مَنْ تاب، كثير الرحمة لمن أناب.
وهذا الختام يعطي العاصي الأمل في رحمة الله، ولا ييئس المغتابين من رحمته تعالى، فمَنْ زلَّ لسانه بالغيبة فليبادر بالتوبة، وإذا علم أن ربه تواب رحيم عاد من قريب ولا يستمريء هذه الفعلة ولا يتمادى فيها.
وسبق أنْ أوضحنا أن من أعظم نعم الله علينا أنْ شرع لنا التوبة، وفتح لنا بابَ القبول، وإلا تمادى العاصون وفسدَت الحياة.

ثم يقول الحق سبحانه:

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ... .
تلاحظ أن النداءات السابقة كانت بيأيها الذين آمنوا، لأنها توجيهات وتشريعات خاصة بالذين آمنوا، لأن الله تعالى لا يُكلِّف إلا مَنْ آمن به.
أما النداء هنا فنداء عام للناس جميعاً يلفت أنظارنا إلى آية الخَلْق، وإلى عظمة الخالق سبحانه، وهذا الآية تشمل الجميع، فالخالق سبحانه خلق المؤمن والكافر، والذكر والأنثى، هما أصل هذا الخَلْق، فالذكر وحده لا يتناسل، وكذلك الأثنى وحدها.
أما قوله تعالى في سورة السجدة: ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ [السجدة: ٧-٨] فهذا خاص بالخلق الأول، وهو آدم عليه السلام، حيث خلقه الله وصوَّره بيديه، وكل شيء في الكون مقدور بقول: كُنْ فيكون.
لذلك قال تعالى لإبليس: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. [ص: ٧٥] يعني: كيف لا تسجد لشيء أنا خلقته بيدي، إذن: أنت لا تسجد لآدم إنما تسجد طاعة لمن أمرك بالسجود.
وبعد أن خلق آدم من طين جعل ذريته من بعده مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ [السجدة: ٨] وهذا يقتضي الزوجية بين الذكر والأنثى.
وفي سورة النساء قال سبحانه: يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ.. [النساء: ١] أي آدم عليه السلام وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا.. [النساء: ١] يعني: حواء. إذن: حينما يقول سبحانه: مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ.. [الحجرات: ١٣] لا يعني بداية الخلق، إنما النسل الذي جاء بعد الخلق الأول.
لذلك قال في آخر آية النساء: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً.. [النساء: ١] وهؤلاء الرجال والنساء تفرقوا في أنحاء الأرض وصاروا شُعُوباً وَقَبَآئِلَ.. [الحجرات: ١٣] فالعرب شعب، والروم شعب، والفرس شعب، ثم انقسمتْ الشعوب إلى قبائل، والقبائل إلى بطون، والبطون إلى أفخاذ وهكذا.
وفي داخل الأسرة الواحدة تختلف الأسماء، لأننا لا نترك الأشخاص بدون أسماء ليتم التعارف، فهذا محمد وهذا أحمد وهذه فاطمة.. والحكمة من ذلك هي لِتَعَارَفُوۤاْ.. [الحجرات: ١٣] على مستوى الأفراد وعلى مستوى الشعوب.
والتعارف أمر ضروري بين البشر، لأن مصالحهم في أنْ يتعارفوا، وسوف تضطرهم ظروف الحياة لهذا التعارف، حيث سيحتاج بعضهم إلى بعض، لأنه كما قلنا: الحق سبحانه وزَّع أسباب فضله على خَلْقه، فما توفر لك قد لا يتوفر لغيرك.
لذلك رأينا مثلاً أوربا التي بلغت من الحضارة والتقدم مبلغاً تحتاج إلى سكان الصحراء رعاة الغنم والإبل حيث البترول وثروات الجبال من المعادن والأحجار الكريمة.
وهذا الاختلاف في الفضائل يؤدي إلى أنْ يتعاون الخَلْق ويتساندوا، بحيث يكمل بعضهم نقص بعض. إذن: اختلاف يؤدي إلى التكامل لا إلى التعاند.
وهذا التكامل شاهدناه في آية خَلْق الرجل والمرأة، فالرجل والمرأة ليسا ضدين، بل هما عنصران متكاملان، لأن لكل منهما مهمة لا يؤديها الآخر.
والحق سبحانه أوضح لنا هذه المسألة بقوله تعالى: وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ [الليل: ١-٢] فهل يقول عاقل أن الليل ضد النهار؟
ومثل الليل والنهار الذكر والأنثى، لذلك أقسم بعدها بخلقهما، فقال: وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ [الليل: ٣] فالرجل لتحمُّل مشاقّ الحياة، للكدح وللعمل، والمرأة حنان وعاطفة، وكل مُيسَّر لما خُلِق له.
لذلك نعجب ممن ينادي بالمساواة بين الرجل والمرأة، كيف ولكلٍّ منهما مهمته التي خُلق لها. والبعض يظلم النساء ويقول: ناقصات عقل ودين، لأن العقل مهمته الترتيب والاختيار بين البدائل، وهذه ليست مهمة المرأة بل مهمة الرجل الذي يدير دفة الأسرة في رحلة الحياة.
أما المرأة فمهمتها عاطفية، تحنو على الصغير والكبير، وتفتح صدرها لتستوعب، وتريح المتعب والمريض في أسرتها، ومع ذلك نراها إذا ترملت قامتْ بالمهمتين وحلَّتْ محلّ الزوج، وربما كانت أكثر نجاحاً في تربية الأولاد وصيانتهم.
الحق سبحانه وتعالى خلق آدم من طين، وسوَّاه ونفخ فيه من روحه، لكن لم يخلق حواء بنفس الطريقة، إنما أخذ من ضلع آدم جزءاً وخلق منه حواء، لماذا إذن لم يخلقها كخَلْق آدم؟ قالوا: خلقها من الرجل لتكون له القوامة عليها.
كذلك في مسألة الحمل تأخذ منه البذرة، ثم تكمل هي عملية النسل، قال تعالى: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا.. [النساء: ١].
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: وكما شرف آدم بأن الله خلقه وسوّاه بيده، كذلك شَرُفَتْ حواء أنها خُلقت من شيء خلقه الله بيده.
والعالم الآن مشغول بعملية الاستنساخ، وهو يعني أنْ نأخذ من الأصل نسخة مطابقة له، كما نقول نسخ الكتاب. يعني: أنْ نأتي منه بصورة أخرى مثله، وهذه العملية نراها في الجماد مثلاً، نرى الزلط منه الكبير والصغير والمتوسط، فهل رأينا (زلطة) مثلاً تكبر عن حجمها أبداً، لماذا؟
قالوا: لأن له مطامر تحت الأرض، تتم فيها عملية التكاثر أو الاستنساخ هذه، فإذا خرج إلى الهواء جَمُد على ما هو عليه.
كذلك نجده في النبات، فهل رأيتم مثلاً تقاوي القصب أو التين البرشومي؟ أبداً ليس له تقاوي، إنما نأخذ عقلة من عود القصب ونزرعها فتخرج عود القصب، ونأخذ لوحاً من ألواح التين ونزرعه فيعطينا شجرة تين، أليس هذا استنساخاً؟
كذلك بالإمكان أنْ نجده في الحيوان، وبالفعل تحدَّثوا عن استنساخ تم بالفعل في الحيوان، كما حدث في النعجة دوللي. وهي محاولة على أية حال.
أما في الإنسان فهي عملية لا يقدر أحدٌ عليها، لأن الإنسانَ مختلف عن باقي أجناس الكون، لأنه خليفة الله في الأرض، وهو المخلوق المكرَّم وباقي الأجناس في خدمته، فلو تصوَّرنا الاستنساخ في الجماد والنبات والحيوان فلا نتصوَّره أبداً في الإنسان، لأن التكاثر فيه له شروط وضوابط لا مجرد استخراج نسخ مكررة منه.
لذلك لا يتم التكاثر في الإنسان إلا من خلال اللقاء بين الزوجين الذكر والأنثى، وداخل أسرة تحتضن الطفل وتحبه وتربيه وتعتني به، لا يليق بالإنسان أنْ يخرج من مفرخة مثل مفرخة الكتاكيت مثلاً.
لذلك نرى أن طفولة الإنسان هي أطول طفولة في المخلوقات كلها، وعندنا من الأطفال مَنْ تبلغ طفولته حتى سنِّ ١٤ سنة، أما الطيور والحيوانات فتعتني بصغارها حتى تستطيع الحركة والأكل ثم تتركها وكأنها لا تعرفها، وربما ذُبح الحيوان أمام أمه وهي لا تدرى به.
فكيف إذن نتصور الاستنساخ في الإنسان وهو الخليفة المكرّم، إن الأديان كلها ترفض الزنا وتأبى أنْ يأتي الولد بطريق غير شرعي، تأبى أنْ يُرمى المولود في الشارع، أو حتى يُربى في الملاجىء، فكيف الحال إذا تَمَّ استنساخه؟
من هنا نقول: إن عملية الاستنساخ لا تكون أبداً في الإنسان، ولا يقدر عليها إلا الله خالق الإنسان، ويريد له الصلاح، يريد له أنْ يأتي في أحضان أب يرعاه وأم تحنو عليه يأخذ منهما الفضائل، ويتعلم منهما القيم.
ثم إن نجاحهم في استنساخ الحيوان لا يعني أبداً الطعن في القدرة الإلهية، بل هو دليل جديد من أدلة الإيمان بالقدرة، فالذي استنسخ النعجة لم يأت بها من العدم، إنما جاء بها من نعجة أخرى هي خَلْق من خَلْق الله، والعقل الذي فكّر خَلْق من خَلْق الله.
ثم يضع الحق سبحانه القاعدة التي بها تتفاضل هذه الشعوب وهذه القبائل، فيقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ.. [الحجرات: ١٣] أي: أن أشخاص الشعوب تتميز بالتقوى.
لذلك ورد في الحديث القدسي: وقوله: إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣] عليم بخَلْقه، يعطي كلاً منهم ما يناسب مهمته ودوره في حركة الحياة، كما قال سبحانه: أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
فالله أعلم بخلْقه وأعلم بقدراتهم ومقدارهم، ويسَّر كلاً منهم للعمل الذي يناسبه، لذلك نراهم طبقات فيهم أستاذ الجامعة، وفيهم الحداد والسباك والنجار وماسح الأحذية فيهم الصانع والزارع، وإلا كيف تستقيم حركة الحياة لو أن الناس جميعاً ذكاترة جامعة؟
الأعراب: اسم جنس ليس له مفرد، والأعراب هم سكان البادية لم يذهبوا إلى الحضر، لذلك نجدهم على طبيعتهم تغلب عليهم الجفوة. والحق سبحانه يخبر عنهم أنهم قالوا آمَنَّا.. [الحجرات: ١٤] والله سبحانه أعلم أنهم لم يصلوا إلى درجة الإيمان؛ لأن الإيمان ليس كلمة تُقال بل عقيدة راسخة تعمر القلب.
أما الإسلام فهو الشكل الظاهري وعمل الجوارح من صوم وصلاة وغيرها من العبادات، لذلك صحّح لهم القول، وقال: قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا.. [الحجرات: ١٤].
يعني: تنفذون فقط أوامر الإسلام بعمل الجوارح، إنما قلوبكم ليس فيها إيمان، وساعة يقول لهم لَّمْ تُؤْمِنُواْ.. [الحجرات: ١٤] فهذا دليل على أنه صادف شيئاً في نفوسهم، وهو سبحانه لا تخفى عليه من عباده خافية، وهم يعلمون هذه الحقيقة.
إذن: أخبرهم بواقع في نفوسهم، يقول لهم: كونوا صادقين مع أنفسكم وقولوا أسلمنا والله يعلم غيبَ قلوبكم، فهم في هذا الموقف أشبه بالمنافقين حيث كانوا يحرصون على الصلاة في الصف الأول، يُنصتون لسماع القرآن، وهذه كلها ظواهر والله يعلم سرائرهم، ويعلم أنها خلاف ما يُظهرون.
وقوله: وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ.. [الحجرات: ١٤] لما أداة نفي مثل (لم)، تنفي وقوع الحدث في الزمن الماضي على التكلم، لكنها تعطي معنى آخر هو احتمال حدوث الفعل بعد ذلك، كما تقول مثلاً حينما تدخل البستان: البستان لمَّا يثمر بعد. أي: أنه سوف يُثمر فيما بعد.
لذلك العلماء قالوا في هذه الآية: أنها لم تُغلق في وجوههم باب الإيمان، وبشَّرت بأنهم سيؤمنون فيما بعد، ثم إن كشف القرآن لمستور قلوبهم وإخبار الرسول لهم بذلك هو الذي جعلهم يفكرون في الأمر ويقتنعون ويدخلون ساحةَ الإيمان.
وقوله سبحانه: وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً.. [الحجرات: ١٤] الحق سبحانه يُطمئنهم على ثمرة أعمالهم الصالحة، فهي محفوظة لن تضيع بل لن تنقص.
ومعنى لاَ يَلِتْكُمْ.. [الحجرات: ١٤] لا ينقصكم من الفعل: ألت يألت.
إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: ١٤] وفي موضع آخر يقول: وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ [سبأ: ٢] فمرة يُقدم الرحمة، ومرة يقدم المغفرة، وذلك بحسب الحال.
فمثلاً حينما يقف الجاني أمام السلطان مُقراً بذنبه، لكن يلاحظ السلطان أنه رقيق الحال، رثُّ الثياب، مُصفر اللون فيشفق عليه، ثم يأمر له بطعام وكسوة. وبعد ذلك يعفو عنه.
هنا قدَّم الرحمة على المغفرة، أو العكس يعفو عنه أولاً، ثم قبل أنْ ينصرف من مجلسه يقول لرجاله: أعطوه كذا وكذا.
وهذه المادة (ألت) وردتْ في موضع آخر في قوله تعالى: وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ.. [الطور: ٢١] فالكلام هنا عن جماعة مؤمنين، وذريتهم تابعة لهم، كذلك في الإيمان فهم مشتركون فيه، فما ضرورة الإلحاق هنا؟
قالو: ألحقناهم بهم في الثواب، لأن لكل منهما عملاً، لكن عمل الآباء أكثر ودرجتهم أعلى، فكرامة لهم نلحق بهم الأبناء ونجعلهم جميعاً في منزلة واحدة، فألحق الأدنى بالأعلى.
وقوله: وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ.. [الحجرات: ١٤] في ماذا؟ تُطيعونه في الإيمان؛ لأنهم كانوا بالفعل مسلمين، فأراد أنْ يحثهم على الإيمان ويُبعدهم عن الكذب والادعاء.
الحق سبحانه يريد أنْ يوضح لهم معنى الإيمان، وأنه ليس كلمة تُقال، إنما عقيدة راسخة لا يداخلها شكّ ولا ارتياب ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ.. [الحجرات: ١٥] آمنوا بالله وبوحدانيته، وأنه سبحانه وحده الخالق الرازق المدبر لشئون هذا الكون، آمنوا بأسماء الله وصفاته، كذلك آمنوا برسول الله، وأنه أمين صادق في البلاغ عن الله، ثم لم يرتابوا ولم يشكّوا في شيء من هذا.
ومن صفات المؤمنين أيضاً وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [الحجرات: ١٥] وهل هناك أدلّ على صدق الإيمان والإخلاص فيه من أنك تجود بنفسك في سبيل هذا الإيمان؟
لذلك قال إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ.. [الحجرات: ١٥] أي: المؤمنون حقّ الإيمان، هذه صفاتهم، ثم في آخر الآية يصفهم بالصدق في إيمانهم.
أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] نعم صادقون في إيمانهم، لأنهم ضحُّوا بأغلى وأعزّ ما يملك الإنسان بالمال ثم بالنفس، والشهيد ما ضحى بنفسه وما قدَّم ماله إلا وهو على يقين من أنه سيجد عند الله أفضل مما ترك في الدنيا.
لذلك يجزيه ربه بالحياة الباقية، فلا يدركه موت بعد ذلك وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩].
أي: يعاملون معاملة أهل الجنة، فيأكلون ويشربون ويتمتعون، ولاحظ أن هذه الحياة وصفها الحق سبحانه بقوله: أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩] لا عندك أنت.
وهذا يعني أنك لو فتحتَ على شهيد قبره لن تجده حياً، لأنه ليس حياً عندك، إنماهو حيٌّ عند الله.
وفي قوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] تعريض بهؤلاء الذين كذبوا على الله وادَّعوا الإيمان، كأنه يقول لهم: لقد آمن أولئك وصَدقوا في إيمانهم، أما أنتم فكذَّبتم وتجاوزتم الحقيقة.
يعني: تنبهوا إلى هذه الحقيقة، فأنا خالقكم وأعلم بكم من أنفسكم ولا يَخْفى عليَّ منكم خافية، فإياكم أنْ تقولوا آمنا وتظنون أنكم تدارون الحقيقة وتسترون كذبكم، فأنا أعلم المؤمن من غير المؤمن، أعلم الصادق وأعلم المنافق.
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ.. [الحجرات: ١٦] أي: تخبرونه بما أنتم عليه من الإيمان، كيف وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [الحجرات: ١٦] أي: لا يخفى عليه شيء فيهما، بل وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحجرات: ١٦] يعني: علمه تعالى لا يتوقف عند السماوات والأرض، إنما يتعدَّى ذلك.
وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحجرات: ١٦] لأن السماوات والأرض بعض كوْن الله الفسيح، لذلك وصفهما أي السماوات والأرض وما بينهما، فقال: مثل حلقة ألقيتها في فلاة، فما نعرفه نحن من السماوات والأرض لا يكاد يُذكر في كوْن الله.

ثم يقول الحق سبحانه:

يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ... .
يُروى أن هذه الآية نزلت في جماعة من الأعراب، وقيل: من بني أسد أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقالوا: جئناك نشهد أنْ لا إله الله وأنك رسول الله، ولم تبعث إلينا بعثاً، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان.
فأنزل الله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات: ١٧].
إذن: مَنْ يمنُّ على مَنْ؟ أنتم لا ينبغي أنْ تمنُّوا بإسلامكم على رسول الله، لأن إسلامكم في صالحكم يعود عليكم بالنفع، فالإسلام هو الذي أمنَّكم من القتال والحرب والأسْر، وأخذتم ما يتميز به المسلم من حَقٍّ في الزكاة والحماية، والله تعالى لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية.
إذن: لا تمنُّوا بإسلامكم بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ.. [الحجرات: ١٧] لأنه أرشدكم إلى طريق الصواب والهداية أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ.. [الحجرات: ١٧] إذن: إنْ كان هناك منة، فالمنّة منّ الله عليكم، لأن طاعة الله والسير على منهجه هو الذي يحمي لكم حركة الحياة ويُنظمها حتى لا تتعارض مصالحكم.
إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات: ١٧] أي: في ادعائكم الإيمان، وإنْ تفيد الشك فكأنهم يمنُّون بشيء هم كاذبون فيه، وحتى لو كانوا صادقين ما كان لهم أنْ يمنُّوا به.
سبق أنْ أوضحنا أن السماوات والأرض ظرف، وفي هذا الظرف عجائب وبدائع من خَلْق الله أعظم من الظرف، لأن القاعدة أن المظروف أعلى وأعظم من المظروف فيه.
لذلك الحق سبحانه يقول: وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [آل عمران: ١٨٩] وفي موضع آخر: وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [النجم: ٣١] فالسماوات والأرض رغم ما فيهما من عجائب الخلْق وإبداع وهندسة كونية إلا أنهما يحويان ما هو أعجب.
هنا يُحدِّثنا الحق سبحانه عما في السماوات والأرض من غيب، والغيب كل ما غاب عن إدراكك، والشيء قد يغيب عن إدراكك اليوم ويظهر لك غداً، فمثلاً الكهرباء قبل اكتشافها كانت غيباً لا ندري عنه شيئاً، والآن أصبحتْ مشهداً نحسُّه جميعاً ونتعامل معه.
إنك لو نظرتَ إلى الموجبات التي تحمل الصوت والصورة في الهواء لوجدتَ أمراً عجيباً حقاً، لأنك لو جئتَ مثلاً بمائة راديو ومائة تليفزيون، ووضعتها في مكان واحد، ووجَّهت كلاً منها إلى جهة لوجدتَ إرسالات مختلفة بالصوت والصورة.
فكيف تداخلتْ هذه الموجات في هواء واحد، ووصلتْ إلينا بهذه الدقة وهذا الوضوح، وهي من أقصى بلاد الدنيا؟
هذه كلها أسرار من غيب السماوات والأرض تدعونا إلى الإيمان بقوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. [فصلت: ٥٣].
ورغم عظمة الخَلْق في السماوات والأرض، فغيب السماوات والأرض أعظم من الجميع، وسيظل هذا الغيب مدداً لا ينفد، وعطاء لا ينتهي، يُطالعنا من حين لآخر بشيء جديد من غيب الله ليظلّ القرآنُ معجزاً إلى قيام الساعة.
ومن حكمة الحق سبحانه وتعالى أنْ وزَّع عطاءات القرآن على عصور الزمان كلها حتى لا يستقبل عصرٌ القرآنَ وهو بلا عطاء.
ثم إن هذا العطاء يأتي على قدر العقول، وعلى قدر البحث والتأمل في ملكوت الله، وبذلك نفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن القرآن: فأنت تقرأ مثلاً أعظم القصائد الشعرية، ولا بدَّ أنْ تسأم منها بعد مرة أو حتى بعد عدة مرات، لكن تقرأ القرآن فلا تمله، بل تزداد له حباً كلما أمعنتَ في القراءة، لأنه كلام الله وله سِرٌّ مع كل تَالٍ له، وله عطاء لكل مُتأمل فيه، فعطاءات القرآن متعددة يأخذ منه كل تَالٍ له على قدره.
وختام السورة بهذه الآية إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الحجرات: ١٨] يدل على أن مُلْك الله واسع وعجائبه لا تنتهي، وليس لها حصر ولا عدَ، ومهما وصلت البشرية من التقدم فسوف يبقى عند القرآن الجديد، وفي آيات الله ما يبهر العقول.
كنا في الماضي نتحدث عن عصر الفحم، ثم عصر البخار، ثم عصر الكهرباء، والآن يتحدثون عن عصر الطاقة النووية والطاقة الذرية، فأين كانت هذه الطاقات؟
كانت غيباً في علم الله وكشف عنها لعباده حينما تقدَّمتْ العقول وارتقتْ الأفكار، وكلها اكتشافات لم يأتِ أحدٌ بشيء من عنده، كلها من عند الله وفَيْض من عطائه مطمور إلى حين.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

18 مقطع من التفسير