تفسير سورة سورة ق

الشعراوي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

آية رقم ١
سبق أنْ تحدثنا عن الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن، وهنا نكتفي بالإشارة إلى أن هذه الحروف المقطعة مثل (ق) تمثل جانبَ الغيب في القرآن، والغيب هو محكّ الإيمان كما بيَّنا.
فالفلاح الأمي مثلاً يستخدم التليفزيون ويتنقل بين قنواته دون أنْ يعرف كيف يعمل وكيف ينتقل من قناة إلى أخرى، فهو يستفيد به دون معرفة بكيفية عمله، كذلك يستخدم رافعة المياة (الطلمبة)، وهو لا يعرف (ميكانيكية) عملها.
كذلك نحن مع الحروف المقطعة هذه نؤمن بها وندع معانيها لقائلها سبحانه. والدين ينقسم إلى عناصر ثلاثة: عقائد تعمر القلوب، وعبادات وتكاليف هي عمل الجوارح، ثم الكلام الذي ينقل هذه الأمور كلها وهو مهمة اللسان أي التعبير.
وكل من العقائد والتكاليف والتعبير فيه غيب ومشهد، فالله غيب، لكن آثار قدرته في الكون مشهد، والصلاة من حيث ترددك على المسجد خمس مرات وما فيها من ركوع وسجود وحركات مشهد، لكن عدد ركعاتها غيب.
فكأن الحق سبحانه يعطينا الغيب في هذه الأشياء ليختبر فينا حقيقة الإيمان، فما علمته دليل على صدق ما لم تعلمه.
كذلك الحال في حروف القرآن الكريم وآياته، فآيات القرآن على وجه العموم نفهمها ونعرف معانيها، لكن الحروف المقطعة هي الغيب الذي يجب علينا أنْ نؤمن به حتى ولو لم نعرف معناه، وتبقى هذه الحروف دليلَ إعجاز القرآن.
فقوله تعالى: قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ [ق: ١] جمعتْ بين الاثنين، الغيب في (ق) والمشهد في وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ [ق: ١] وهما المكوِّنان للقرآن الكريم (ق) دليل الإعجاز وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ [ق: ١] إذن: أتى بالدليل والمستدل عليه.
و(ق) تحمل معنى القسَم، وهي حرف واحد كما أقسم الله بالشيء الواحد، فقال: وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ [العصر: ١-٢] وقال: وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ [النجم: ١-٢].
كما يقسم بالحرفين مثل (يس)، (طه)، (حم)، وكذلك يقسم بشيئين من مخلوقاته مثل: وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ [الضحى: ١-٢] ويقسم بثلاثة أحرف مثل (الم)، وبثلاثة أشياء مثل: وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً [الصافات: ١-٣].
ويقسم بأربعة في الۤمۤصۤ [الأعراف: ١] وفي وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ [التين: ١-٣] كما يقسم بخمسة أحرف في كۤهيعۤصۤ [مريم: ١] وفي قوله سبحانه وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ * وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ * وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ [الطور: ١-٦].
إذن: جاء هذا القسم على خمسة أضرب من الواحد إلى خمسة، ولم يزد على ذلك حتى لا يكون القسمُ ثقيلاً على اللسان، ولأن أقصى ما يمكن في الكلمة المجردة خمسة أحرف، لكن في القسَم بآياته الكونية زاد على ذلك.
اقرأ: وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ١-٧].
ولو فعل مثل ذلك في القسم بالحروف لخرج عن بنية الكلمة في اللغة.
ونلاحظ أيضاً أن القسم بالحروف المقطعة لم يأتِ إلا في أوائل السور، أما القسم بالآيات الكونية فيأتي في أولها كما رأينا، وياتي في خلالها كما في قوله تعالى: كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ [المدثر: ٣٢-٣٤].
ثم إن القسم بالحروف المقطعة لا يأتي بالواو، إنما تأتي واو القسم مع الآيات الأخرى التي تفهم معناها، وهنا يقول: قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ [ق: ١] ولم يقل و(ق) لأن الواو حرف، و(ق) حرف، فيحدث بينهما لَبْسٌ، هذه من إعجازات القرآن التي ينبغي أنْ نقف عندها وقفة تأمل.
والتصديق بهذه الغيبيات هو الذي يثبت صدق الإيمان، وإلا فما الميزة في أنْ تكون كلُّ آيات القرآن مفهومة معلومة المعنى والمراد؟ ما الميزة في أن تكونَ كل أمور الدين معلومة لنا خاضعة للقياس العقلي وعليها دليل؟
وسبق أنْ أوضحنا أن المشهد والإيمان بالمشهد أمر عادي الكل يؤمن به، المهم أنْ تؤمنَ بما غاب عنك ثقةً منك فيمَنْ أبلغك به.
هَبْ أنك ذهبتَ إلى الطبيب وبعد أنْ فحص حالتك كتب لك الدواء، بالله هل تناقشه لِم كتبتَ كذا؟ ولم كتبتَ كذا؟ إنك لا تناقشه لأنك ذهبتَ إليه مختاراً، ذهبتَ إليه وأنت تثق به ومستعد لأن تنفذ تعلمياته وتتناول الدواء الذي وصفه لك وأنت لا تعرف شيئاً عنه.
فإذا كنتَ تثق بالطبيب وهو إنسان مثلي ومثلك وعُرْضةٌ للخطأ، فما بالك بالله؟ ألاَ تثق في كلامه؟
ولأهمية الإيمان بالغيب مدح الله المؤمنين به، فقال: ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ.. [البقرة: ٣] فكما نؤمن بالآيات واضحة المعنى نؤمن بالحروف غير واضحة المعنى، فهذا قرآن مشهد، وهذا قرآن غيب، وكما نؤمن بالآيات الكونية المشاهدة نؤمن بالله خالقها ومبدعها، وهو سبحانه غيب.
وقوله تعالى: وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ [ق: ١] القرآن اسم لما نزل من عند الله على قلب سيدنا رسول الله، ودلّ على صدقه في البلاغ عنه. وسُمِّي قرآناً ليدل على أنه مقروء، وسُمِّي الكتاب ليدل على أنه مكتوب، فهو مُسجَّل في السطور محفوظ في الصدور.
وللقرآن مزية خاصة به لم تُعْطَ لكتاب قبله، هي أن القرآن يحمل المنهج ويحمل المعجزة معاً، أما الرسالات السابقة عليه فكان المنهج في الكتاب، والمعجزة منفصلة عنه.
فسيدنا عيسى مثلاً كان كتابه الإنجيل، ومعجزته أنْ يبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى بإذن الله، وسيدنا موسى كان كتابه ومنهجه في التوراة، أما معجزته فكانت في العصا، أما سيدنا رسول الله فكانت معجزته هي عين منهجه، لماذا؟
لأن رسالته دائمة باقية في الزمان كله إلى قيام الساعة وباقية في المكان كله، فلها عمومية الزمان وعمومية المكان، ونحن الآن نقول: هذا محمد رسول الله وهذه معجزته، في حين لا نستطيع أنْ نقول ذلك مع سيدنا موسى مثلاً أو سيدنا عيسى، لأن معجزاتهما انتهت بانتهاء زمانيهما.
ومعنى ٱلْمَجِيدِ [ق: ١] أي: العظيم صاحب الشرف والمجد والعلو، ومجيد على وزن فعيل، وهي من أوزان المبالغة مثل رحيم، وفعيل وتأتي مرة بمعنى فاعل مثل رحيم أي: راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل أي: مقتول.
فمعنى ٱلْمَجِيدِ [ق: ١] أي: ماجد في ذاته وممجَّد في ذاته فهي تحمل المعنيين، فهو ماجد وممجد، لأنه أعلى وأرفع كلام وأغلى الكتب وأشرفها، فهو في ذاته مجيد.
ثم لأنه جاء من مجيد أعلى هو الحق سبحانه، وبلَّغه مَلَك مجيد إلى رسول مجيد، ويبقى بعد ذلك أنه أُنزل على أمة مجيدة.
لكن إذا كانت: قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ [ق: ١] قسم فأين جوابه؟ قالوا: قسم على أن البعث حَقّ، أي: ق والقرآن المجيد لتبعثن، والأقرب من ذلك أنْ نأخذ الجواب من الكلام بعد القسم، وهو قوله تعالى:
بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ... .
والعجب لا يكون إلا من شيء غير معتاد، والنفس لا تهتدي إلى سببه، ولا إلى علَّته مثل الساحر نعجب لما يفعل لأننا لا نفهمه، والحديث هنا عن الكفار المعاصرين لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أوضح القرآن هذه المسالة وشرحها في موضع آخر هو قوله تعالى: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١]. وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٨-٩].
إذن: عجبهم أو اعتراضهم ليس على القرآن، إنما على محمد صلى الله عليه وسلم، كيف ينزل عليه القرآن وهو من عامة الناس، ولماذا لم ينزل على أحد عظماء القوم ثم أتوا بشبهة أخرى، لماذا لم ينزل على ملَك.
وقد ردّ القرآن عليهم وبيَّن لهم هذه الشبهة، فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول وقدوة، والقدوة لا تتم إلا إذا كان الرسولُ من جنس المرسل إليهم، وإلا كيف نقتدي بملك وله طبيعة غير طبيعتنا، وقدرة غير قدرتنا.
ولو أمرنا بعمل ما كان من حقنا أنْ نقول له: لا نستطيع أنْ نفعل مثلك، لأنك ملَك تقدر على ما لا نقدر عليه، فلا تتم الأُسْوة إذن.
فمن عظمة الرسالة أنْ يكون الرسولُ منكم، لذلك منَّ الله عليهم بذلك، فقال: لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ.. [التوبة: ١٢٨] أي: جنسكم بل من قومكم، ومن أقرب الناس لكم، وأنتم تعرفون صدقه وأمانته حتى قبل الرسالة، وشهدتم له بذلك.
وقوله تعالى: فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ق: ٢].
يعني: أن الكافرين هم الذين تعجبوا من اختيار محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة، إذن: غير الكافرين لم يتعجبوا من ذلك، وإذا كان القرآن نزل على مدى ثلاث عشرة سنة، فمن الناس مَنْ آمن بمحمد وصدَّقه من أول آية نزلتْ عليه. وقال: نزل عليّ اليوم كذا وكذا.
بل إن سيدنا أبا بكر صدَّق رسول الله وآمن به بمجرد أنْ قال: إني رسول الله دون أنْ يسأله عن شيء، لماذا؟
فماضيه في قومه يُؤهله لهذه المكانة، ولم لا يصدقه وهو الصادق الذي ما جُرّب عليه كذبٌ قط، والذي لا يكذب على الخَلْق أحرى ألاَّ يكذب على الخالق.
كذلك صدّقه في خبر الإسراء والمعراج ولم يناقش مثل غيره، بل قال عن رسول الله: إنْ قال فقد صدق، لقد أخذها بالعقل، وبما لديه من مقدمات من سيرة رسول الله.
لذلك كلمة (محمد) ذاتها دليل على صدقه، فقوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٩] محمد مبتدأ أخبر عنه بأنه رسول الله، ومحمد بمعنى محمود يحمده الناس ويثنون عليه.
إذن: هو من بدايته ونشأته مُعَدٌّ لهذه المهمة، لذلك ما جرَّبوا عليه كذباً أبداً، ولا شيئاً مما كان يفعله أترابه في الجاهلية، فكأنه يقول لهم: محمد هذا الذي تعرفونه، وتعرفون ماضيه وسيرته فيكم هو رسول الله، وكأن علة الإيمان بالرسول أنه محمد.
وسبق أن بيَّنا كيف عصمه الله من الزلل؟ وكيف عصمه من انكشاف عورته؟ لذلك ورد على لسانه صلى الله عليه وسلم وهو يجادل قومه: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦].
يعني: أنتم تعرفون عني كل شيء، تعرفون أنِّي لا أكذب، ولم يسبق لي أنْ وقفت خطيباً فيكم ولا شاعراً. إذن: لماذا تُكذِّبونني؟.
وكلمة هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ق: ٢] ليستْ تكراراً للتعجب في بَلْ عَجِبُوۤاْ.. [ق: ٢] بل عجيبٌ بالذي قيل، عجيبٌ قالها الكافرون، وقد شرحها القرآن في قوله تعالى: وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٤].
فردَّ عليهم: ماذا تريدون؟ قالوا: نريده مَلَكاً، فقال لهم: إذا كان مَلَكاً فسوف يأتيكم في صورة بشر، إذن: ستظل الشبهة كما هي.
آية رقم ٣
هنا نقلوا المسألة من الاعتراض على بشرية الرسول إلى التشكيك في عملية البعث بعد الموت، وهكذا أصبح لدينا جوابان للقسم قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ [ق: ١].
الجواب الأول: إنك لمنذر والثاني: لتبعثُنَّ، الأول: أخذناه من قوله: بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ.. [ق: ٢] والثاني: من قوله سبحانه: أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣].
ومعنى رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣] أي: رجوع إلى الحياة بعد أنْ نموت ونصير تراباً، هذا أمر بعيد عن أذهانهم، لماذا؟ وأنتم عندكم آثار سيدنا إبراهيم وإسماعيل وبقايا الديانات السابقة، وتعرفون الله وتعترفون أنه خالقكم وخالق السماوات الأرض.
في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حكى القرآن قوله: قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.. [البقرة: ٢٦٠].
وقلنا: إن السؤال هنا ليس شكاً من سيدنا إبراهيم في قدرة الله على إحياء الموتى، إنما سؤال عن الكيفية فقط كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ.. [البقرة: ٢٦٠].
فأراه الله سبحانه الكيفية ليستْ قولاً إنما فعلاً وتجربة مشاهدة، يُجربها هو بنفسه، وكأن الله تعالى يقول له ولنا: أن إحياء الموتى ليس صعباً ولا معجزاً لي، بل إذا أردتُ أُعدِّي قدرتي إلى عبد من عبادي، فيفعل ذلك بإذني. قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٦٠].
هذا أثر من آثار قدرة الله يمنحه لعبد من عباده.
وفي قصة سيدنا عيسى عليه السلام: أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ.. [آل عمران: ٤٩].

والقرآن يرد على منكري البعث، فيقول:

قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ... .
يعني: لِمَ تعجبون وتنكرون البعث بعد الموت، والله علم مُكوِّناتكم وجزئيات وعناصر هذا الجسم وكمية كل عنصر منها، ويعلم ما تأخذه الأرض منكم وقادر على جمعه وإعادته كخَلْقه الأول هو هو، وإن كانت العناصر التي خرجتْ منه لا تزال خارجة، إذن: نحن نختلف باختلاف عناصر التكوين، لا باختلاف مجموع العناصر.
ومعنى قَدْ عَلِمْنَا.. [ق: ٤] أي: أن هذه العملية تقوم على علم وعلى دراية لا مجرد كلام، ثم تستند إلى توثيق آخر: وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤] فهذا العلم مُؤيّد بكتاب مسجَّل مسطور مشهود يحصى فيه كل شيء.
فإنْ قلتَ: فما فائدة الكتاب بعد العلم؟ نقول: علم الله واسع، وهو صفة من صفاته تعالى، وهو سبحانه لا ينسى، لكن يكتب في كتاب ليكون الكتابُ حجةً على مَنْ أنكر، كما في مسألة الحسنات والسيئات.
فالله تعالى يعلمها ويُحصيها، ولا يحتاج مَنْ يُذكِّره بها، لكن يكتبها للعبد لتكون حجة عليه يوم يقول له: ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: ١٤].
وكلمة حَفِيظٌ [ق: ٤] مبالغة على وزن فعيل، وهي هنا بمعنى فاعل. أي: حافظ لكل شيء، مسجل لكل صغيرة وكبيرة، وهو أيضاً محفوظ فلا تمتد إليه يد فتختلس منه شيئاً، أو تغير فيه شيئاً.
لذلك قال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩].
وقال: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ [الأنعام: ٥٩].
والذي يحاول التشكيك في البعث أو نَقْضه هم الناس المستهترون المسرفون على أنفسهم، فهؤلاء لو صَحَّ البعثُ وصَحَّ الحساب والجزاء، فستكون العاقبة بالنسبة لهم سوداء، فحظهم إذن أن يُشككوا في البعث، وأنْ يُكذِّبوه، بل الدين كله في نظرهم كذب.
وتأمل مثلاً إفلاسهم في الحجة حين يقولون في تكذيبهم بالبعث: لو أن رجلاً مات وزُرعت فوق بقاياه شجرة تفاح مثلاً، فسوف تتحلل عناصره وتتغذّى منها هذه الشجرة، فسوف يأتي مَنْ يأكل منها.
وبذلك تصله بعض عناصر الأول، فإذا مات الثاني فكيف تُبعث هذه العناصر من الأول أم من الثاني؟
وهذه شبهة واهية، وللرد عليها نقول: لو أن رجلاً وزنه مثلاً مائة كيلو، وأصابه مرض أنقص من وزنه النصف حتى صار شبحاً، ثم مَنَّ الله عليه بالشفاء حتى استعاد صحته ووزنه الأول، فهل عادت إليه نفس عناصره الأولى؟
أبداً، لأنه يأكل عناصر أخرى غير التي فارقته لكن تبقى الشخصية وتبقى المعنويات المميزة لها، وحين تعود تعود كما كانت هي هي.
إذن: المسألة ليست مسألة نفس العناصر، إنما مسألة إعادة شخص بعينه، وما دام الحق سبحانه قال: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ.. [ق: ٤] فهو سبحانه قادر على جمعها وتكوينها من جديد، بقوله تعالى: كُنْ فيكون.
فهمنا من قولهم: أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣] أنهم مُنكرون للبعث لا يُصدِّقون أنهم سيُبعثون بعد الموت، وهذا الإنكار لا يغير من الواقع شيئاً، فالبعث حَقّ وسيحدث لكنهم يكذبون به لأنه ليس في صالحهم.
لذلك قال هنا: بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ.. [ق: ٥] والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبداً مهما طرأتْ عليه من أحداث، فسوف تمضي الأحداث والوقائع ويبقى الحق ثابتاً.
والحق سبحانه أعطانا مثلاً محسوساً للحق وللباطل، فقال سبحانه: أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ [الرعد: ١٧].
كذلك سيذهب إنكارهم وتكذيبهم وتبقى الحقيقة ويبقى الحق ثابتاً لا يتغير، وفي القرآن آيات كثيرة تحمل هذا المعنى، اقرأ: وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا.. [التوبة: ٤٠] فـ (كلمة) الأولى مفعول به، أما الأخرى فهي مبتدأ لإنشاء كلام جديد غير معطوف على الأول.
فالأولى مجعولة، والأخرى أمر ثابت أزلاً، جعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله عليا بداية، يعني: لم تكُنْ سُفلى فجعلها عليا، هذا يعني أن الحق شيء ثابت أزلاً وباقٍ لا يتغير.
وقوله تعالى: فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ [ق: ٥] معنى مريج، أي: مختلط، فهم مذبذبون مترددون، مرة: تعجبوا وقالوا هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ق: ٢] ومرة أنكروا، ومرة كذَّبوا، فالأمر بالنسبة لهم مختلط من قولهم: مرج الخاتم في الإصبع إذا كان واسعاً سهل الحركة.
والدليل على أنهم في أمر مريج أنهم استقبلوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجموعة من الاتهامات، كلما خاب سعيهم في واحدة قالوا بالأخرى، لأن القرآن لهم بالمرصاد يرد كيدهم عن رسول الله.
لذلك سمعناهم يقولون: ساحر، شاعر، مجنون، كاهن.
إذن: فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ [ق: ٥] لا يدرون ماذا يقولون، فكلما قالوا تهمة كشف القرآن كذبها، فالحق شيء واحد، لذلك نراه ثابتاً، أما الباطل فمتعدد لذلك لا يثبت.
وهذه المسألة نشاهدها في الشهادة أمام القاضي، فشاهد الحق يأتي قوله واحداً لا يتغير لأنه يصف واقعاً، أما شاهد الزور فيغير ولا يصمد أمام محاورات القاضي، وسرعان ما يقع وينكشف كذبه، لأنه لا يصف واقعاً، إنما يؤلف الأحداث من عنده.
ثم ينقل الحق سبحانه وتعالى مجالَ الحديث إلى الآيات الكونية التي تثبت قدرة الله تعالى وتمسّ مسألة العقيدة، فحين نُصحح لهؤلاء عقيدتهم ونعطفهم إلى الإيمان بالله سيفكرون في رسالة محمد، ويهتدون إلى الحق.
لذلك ترك الحديث عن تكذيبهم لرسول الله وللبعث، إلى الحديث عن الآيات الكونية في السماوات والأرض.
الاستفهام في أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ.. [ق: ٦] غرضه الحثّ على النظر والتأمل في خَلْق السماوات وما فيها من آيات ومعجزات، لأن هذه الآيات هي دليل القدرة، وكلمة بَنَيْنَاهَا.. [ق: ٦] دلتْ على أن السماء على اتساعها مبنية، ومع اتساع هذا البناء لا نجد له عمداً ترفعه.
لذلك قال تعالى في آية أخرى: ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا.. [الرعد: ٢] إذن: طالما ليس لها عمَد تحملها، فهي ممسوكه من أعلى، ولا يمسك هذه السماء إلا قوة عظمى هي قدرة الله إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ.. [فاطر: ٤١].
وهذه الفكرة رأيناها في بناء الكباري الطويلة التي ليس لها قواعد وأعمدة تحملها، فيعلقونها من أعلى، وتُسمّى الكباري المعلّقة.
والحق سبحانه وتعالى يُقرِّب لنا هذه المسألة بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [الملك: ١٩] فكما يمسك الطير في السماء يمسك السماوات أنْ تقع على الأرض إلا بإذنه.
ثم لم يقف الأمر عند بناء السماء، بل وَزَيَّنَّاهَا.. [ق: ٦] بما فيها من الكواكب والنجوم التي تُضيء وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ [ق: ٦] يعني: ليس فيها شقوق ولا فتوق، بل نراها مستوية ملساء، انظر إليها وهي صافية تجد روعة الألوان.
وبعد أن حدَّثنا عن الآيات العليا في السماء يُحدِّثنا عن آياته سبحانه في الأرض، وإذا كانت الآيات في السماء بعيدة عنا، فالآيات في الأرض قريبة منا وتحت إدراكاتنا.
وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا.. [ق: ٧] بسطناها وجعلناها مستوية صالحة للمعيشة، والمد هو البسط، والشيء المنبسط الممتد ليس له نهاية، وهذه صفة الأرض، فأينما سرتَ تجدها أمامك منبسطة ليس لها حافة تنتهي عندها، وهذا الامتداد فسَّر لنا كروية الأرض.
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ.. [ق: ٧] هي الجبال الثابتة التي تثبت الأرض، فلا تميد، كما قال سبحانه وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً [النبأ: ٧] أي: هي الأرض مثل الأوتاد للخيمة وَأَنبَتْنَا فِيهَا.. [ق: ٧] أي: في الأرض مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: ٧] من النبات والزوج أي الصنف، وهو فرد معه مثله.
فالنبات لكي يعطي إنتاجاً لا بدَّ له من زوجين ذكر وأنثى، كما في الإنسان والحيوان، لذلك قال تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ.. [الذاريات: ٤٩] لأن التناسل لا يتم إلا بهما.
ومعلوم أن التلقيح في النبات يتم بواسطة الفراشات والحشرات الطائرة التي تنقل حبوب اللقاح من عنصر الذكورة لعنصر الأنوثة، لذلك لما كثُرتْ الحشرات في أحد البساتين وضعوا لها المبيد الحشري فماتت، فلاحظوا أن الأشجار في البستان لم تزهر ولم تثمر، لماذا؟ لأن الفراشات والحشرات التي تلقح الزرع ماتت.
وقد لاحظوا أن الحشرات تتلوَّن بلون الزهرة التي تلقحها، بحيث يكون بينهما توافق بديع في الألوان، فلا تكاد ترى الفراشة وهي على الزهرة، وهذه الألوان في تناسقها مظهر من مظاهر الإبداع في الخلق.
وقوله: بَهِيجٍ [ق: ٧] أي: جميل حسن المظهر.
وقد فهم العلماء من قوله تعالى: وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ.. [ق: ٧] أن الأرض غير ثابتة، وأنها تدور، فلو كانت الأرضُ مخلوقةً على هيئة الثبات ما احتاجتْ إلى الجبال الرواسي لتثبتها فلا تميل بأهلها.
وهذه كلها كانت من غيب السماوات والأرض كشفه الله لنا بتقدّم العلوم وتطور الحضارات، لذلك نقرأ مثلا: وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ.. [النمل: ٨٨] نعم السحاب يمر ويتحرك بحركة الهواء، فكيف تتحرك الجبال وهي راسية مستقرة مُثبتة على سطح الأرض؟
إذن: الجبال لا تتحرك إلا مع حركة الأرض، ولأنك ستتعجب من هذه الحقيقة، قال الحق بعدها صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. [النمل: ٨٨] فما دام الفعل لله والصنعة لله، فلا تتعجب ولا تستبعد الأمر.
ثم يقول سبحانه: تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ.. [ق: ٨] أي: أن هذه الآيات الكونية في السماوات وفي الأرض تعطي بصيرة للناس، وتُذكِّرهم بقدرة الخالق سبحانه ليتفكروا في خَلْق هذا الكون وما فيه من هندسة وإبداع.
والتبصرة هي الآية الثابتة، و وَذِكْرَىٰ.. [ق: ٨] هي الظاهرة تأتي وتتغير، مثل الأرض تكون جرداء قاحلة، فإذا نزل عليها المطر اخضرتْ.
وقوله: لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ [ق: ٨] كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، ويأخذ من آيات الله في الكون دليلاً على قدرته تعالى، فيذعن لها ويؤمن بها.
الاستفهام في أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ.. [ق: ٦] غرضه الحثّ على النظر والتأمل في خَلْق السماوات وما فيها من آيات ومعجزات، لأن هذه الآيات هي دليل القدرة، وكلمة بَنَيْنَاهَا.. [ق: ٦] دلتْ على أن السماء على اتساعها مبنية، ومع اتساع هذا البناء لا نجد له عمداً ترفعه.
لذلك قال تعالى في آية أخرى: ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا.. [الرعد: ٢] إذن: طالما ليس لها عمَد تحملها، فهي ممسوكه من أعلى، ولا يمسك هذه السماء إلا قوة عظمى هي قدرة الله إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ.. [فاطر: ٤١].
وهذه الفكرة رأيناها في بناء الكباري الطويلة التي ليس لها قواعد وأعمدة تحملها، فيعلقونها من أعلى، وتُسمّى الكباري المعلّقة.
والحق سبحانه وتعالى يُقرِّب لنا هذه المسألة بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [الملك: ١٩] فكما يمسك الطير في السماء يمسك السماوات أنْ تقع على الأرض إلا بإذنه.
ثم لم يقف الأمر عند بناء السماء، بل وَزَيَّنَّاهَا.. [ق: ٦] بما فيها من الكواكب والنجوم التي تُضيء وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ [ق: ٦] يعني: ليس فيها شقوق ولا فتوق، بل نراها مستوية ملساء، انظر إليها وهي صافية تجد روعة الألوان.
وبعد أن حدَّثنا عن الآيات العليا في السماء يُحدِّثنا عن آياته سبحانه في الأرض، وإذا كانت الآيات في السماء بعيدة عنا، فالآيات في الأرض قريبة منا وتحت إدراكاتنا.
وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا.. [ق: ٧] بسطناها وجعلناها مستوية صالحة للمعيشة، والمد هو البسط، والشيء المنبسط الممتد ليس له نهاية، وهذه صفة الأرض، فأينما سرتَ تجدها أمامك منبسطة ليس لها حافة تنتهي عندها، وهذا الامتداد فسَّر لنا كروية الأرض.
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ.. [ق: ٧] هي الجبال الثابتة التي تثبت الأرض، فلا تميد، كما قال سبحانه وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً [النبأ: ٧] أي: هي الأرض مثل الأوتاد للخيمة وَأَنبَتْنَا فِيهَا.. [ق: ٧] أي: في الأرض مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: ٧] من النبات والزوج أي الصنف، وهو فرد معه مثله.
فالنبات لكي يعطي إنتاجاً لا بدَّ له من زوجين ذكر وأنثى، كما في الإنسان والحيوان، لذلك قال تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ.. [الذاريات: ٤٩] لأن التناسل لا يتم إلا بهما.
ومعلوم أن التلقيح في النبات يتم بواسطة الفراشات والحشرات الطائرة التي تنقل حبوب اللقاح من عنصر الذكورة لعنصر الأنوثة، لذلك لما كثُرتْ الحشرات في أحد البساتين وضعوا لها المبيد الحشري فماتت، فلاحظوا أن الأشجار في البستان لم تزهر ولم تثمر، لماذا؟ لأن الفراشات والحشرات التي تلقح الزرع ماتت.
وقد لاحظوا أن الحشرات تتلوَّن بلون الزهرة التي تلقحها، بحيث يكون بينهما توافق بديع في الألوان، فلا تكاد ترى الفراشة وهي على الزهرة، وهذه الألوان في تناسقها مظهر من مظاهر الإبداع في الخلق.
وقوله: بَهِيجٍ [ق: ٧] أي: جميل حسن المظهر.
وقد فهم العلماء من قوله تعالى: وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ.. [ق: ٧] أن الأرض غير ثابتة، وأنها تدور، فلو كانت الأرضُ مخلوقةً على هيئة الثبات ما احتاجتْ إلى الجبال الرواسي لتثبتها فلا تميل بأهلها.
وهذه كلها كانت من غيب السماوات والأرض كشفه الله لنا بتقدّم العلوم وتطور الحضارات، لذلك نقرأ مثلا: وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ.. [النمل: ٨٨] نعم السحاب يمر ويتحرك بحركة الهواء، فكيف تتحرك الجبال وهي راسية مستقرة مُثبتة على سطح الأرض؟
إذن: الجبال لا تتحرك إلا مع حركة الأرض، ولأنك ستتعجب من هذه الحقيقة، قال الحق بعدها صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. [النمل: ٨٨] فما دام الفعل لله والصنعة لله، فلا تتعجب ولا تستبعد الأمر.
ثم يقول سبحانه: تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ.. [ق: ٨] أي: أن هذه الآيات الكونية في السماوات وفي الأرض تعطي بصيرة للناس، وتُذكِّرهم بقدرة الخالق سبحانه ليتفكروا في خَلْق هذا الكون وما فيه من هندسة وإبداع.
والتبصرة هي الآية الثابتة، و وَذِكْرَىٰ.. [ق: ٨] هي الظاهرة تأتي وتتغير، مثل الأرض تكون جرداء قاحلة، فإذا نزل عليها المطر اخضرتْ.
وقوله: لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ [ق: ٨] كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، ويأخذ من آيات الله في الكون دليلاً على قدرته تعالى، فيذعن لها ويؤمن بها.
آية رقم ٨
الاستفهام في أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ.. [ق: ٦] غرضه الحثّ على النظر والتأمل في خَلْق السماوات وما فيها من آيات ومعجزات، لأن هذه الآيات هي دليل القدرة، وكلمة بَنَيْنَاهَا.. [ق: ٦] دلتْ على أن السماء على اتساعها مبنية، ومع اتساع هذا البناء لا نجد له عمداً ترفعه.
لذلك قال تعالى في آية أخرى: ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا.. [الرعد: ٢] إذن: طالما ليس لها عمَد تحملها، فهي ممسوكه من أعلى، ولا يمسك هذه السماء إلا قوة عظمى هي قدرة الله إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ.. [فاطر: ٤١].
وهذه الفكرة رأيناها في بناء الكباري الطويلة التي ليس لها قواعد وأعمدة تحملها، فيعلقونها من أعلى، وتُسمّى الكباري المعلّقة.
والحق سبحانه وتعالى يُقرِّب لنا هذه المسألة بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [الملك: ١٩] فكما يمسك الطير في السماء يمسك السماوات أنْ تقع على الأرض إلا بإذنه.
ثم لم يقف الأمر عند بناء السماء، بل وَزَيَّنَّاهَا.. [ق: ٦] بما فيها من الكواكب والنجوم التي تُضيء وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ [ق: ٦] يعني: ليس فيها شقوق ولا فتوق، بل نراها مستوية ملساء، انظر إليها وهي صافية تجد روعة الألوان.
وبعد أن حدَّثنا عن الآيات العليا في السماء يُحدِّثنا عن آياته سبحانه في الأرض، وإذا كانت الآيات في السماء بعيدة عنا، فالآيات في الأرض قريبة منا وتحت إدراكاتنا.
وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا.. [ق: ٧] بسطناها وجعلناها مستوية صالحة للمعيشة، والمد هو البسط، والشيء المنبسط الممتد ليس له نهاية، وهذه صفة الأرض، فأينما سرتَ تجدها أمامك منبسطة ليس لها حافة تنتهي عندها، وهذا الامتداد فسَّر لنا كروية الأرض.
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ.. [ق: ٧] هي الجبال الثابتة التي تثبت الأرض، فلا تميد، كما قال سبحانه وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً [النبأ: ٧] أي: هي الأرض مثل الأوتاد للخيمة وَأَنبَتْنَا فِيهَا.. [ق: ٧] أي: في الأرض مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: ٧] من النبات والزوج أي الصنف، وهو فرد معه مثله.
فالنبات لكي يعطي إنتاجاً لا بدَّ له من زوجين ذكر وأنثى، كما في الإنسان والحيوان، لذلك قال تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ.. [الذاريات: ٤٩] لأن التناسل لا يتم إلا بهما.
ومعلوم أن التلقيح في النبات يتم بواسطة الفراشات والحشرات الطائرة التي تنقل حبوب اللقاح من عنصر الذكورة لعنصر الأنوثة، لذلك لما كثُرتْ الحشرات في أحد البساتين وضعوا لها المبيد الحشري فماتت، فلاحظوا أن الأشجار في البستان لم تزهر ولم تثمر، لماذا؟ لأن الفراشات والحشرات التي تلقح الزرع ماتت.
وقد لاحظوا أن الحشرات تتلوَّن بلون الزهرة التي تلقحها، بحيث يكون بينهما توافق بديع في الألوان، فلا تكاد ترى الفراشة وهي على الزهرة، وهذه الألوان في تناسقها مظهر من مظاهر الإبداع في الخلق.
وقوله: بَهِيجٍ [ق: ٧] أي: جميل حسن المظهر.
وقد فهم العلماء من قوله تعالى: وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ.. [ق: ٧] أن الأرض غير ثابتة، وأنها تدور، فلو كانت الأرضُ مخلوقةً على هيئة الثبات ما احتاجتْ إلى الجبال الرواسي لتثبتها فلا تميل بأهلها.
وهذه كلها كانت من غيب السماوات والأرض كشفه الله لنا بتقدّم العلوم وتطور الحضارات، لذلك نقرأ مثلا: وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ.. [النمل: ٨٨] نعم السحاب يمر ويتحرك بحركة الهواء، فكيف تتحرك الجبال وهي راسية مستقرة مُثبتة على سطح الأرض؟
إذن: الجبال لا تتحرك إلا مع حركة الأرض، ولأنك ستتعجب من هذه الحقيقة، قال الحق بعدها صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. [النمل: ٨٨] فما دام الفعل لله والصنعة لله، فلا تتعجب ولا تستبعد الأمر.
ثم يقول سبحانه: تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ.. [ق: ٨] أي: أن هذه الآيات الكونية في السماوات وفي الأرض تعطي بصيرة للناس، وتُذكِّرهم بقدرة الخالق سبحانه ليتفكروا في خَلْق هذا الكون وما فيه من هندسة وإبداع.
والتبصرة هي الآية الثابتة، و وَذِكْرَىٰ.. [ق: ٨] هي الظاهرة تأتي وتتغير، مثل الأرض تكون جرداء قاحلة، فإذا نزل عليها المطر اخضرتْ.
وقوله: لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ [ق: ٨] كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، ويأخذ من آيات الله في الكون دليلاً على قدرته تعالى، فيذعن لها ويؤمن بها.
قوله:
وَنَزَّلْنَا.. [ق: ٩] مادة نزل أتت بلفظ أنزلنا ونزَّلنا، أنزلنا للشيء ينزل جملة واحدة، كما في قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ [القدر: ١] أي: أنزلناه في هذه الليلة جملة، ثم نزل به الروح الأمين مُتفرقاً حسب الأحداث، فقال: نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ.. [الشعراء: ٢٩٣-١٩٤].
كذلك الماء لا ينزل من السماء جملة واحدة، إنما ينزل متتابعاً متفرقاً، فقال: وَنَزَّلْنَا.. [ق: ٩] وقوله: مِنَ ٱلسَّمَآءِ.. [ق: ٩] أي: من جهة السماء، لأن المطر في السحاب وأصله من الماء المالح في الأرض، حيث تتم عملية البخر ويتكثف بخار الماء في السحاب فيتكوَّن الماء الذي يسوقه الله تعالى بقوة الهواء حيث ينزل حينما يصادف الأماكن الباردة.
وقال عنه مَآءً مُّبَٰرَكاً.. [ق: ٩] لأن الله بارك فيه وجعله صالحاً للشرب ولسقي النبات، فهو عذْب سائغٌ للشاربين.
وساعة ينزل هذا الماء المبارك على الأرض تهتز الأرض وتُخرج ما فيها من نبات فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ.. [ق: ٩] جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار التي تجنُّ مَنْ يسير فيها. أي: تستره فسُميتْ جنة، ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ.. [الأنعام: ٧٦] يعني: ستره بظلمته.
ومعنى وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ [ق: ٩] أي: الحب الذي يُحصد مثل القمح والشعير والذرة والأرز، وهو يُزرع كل عام ويُحصد ليزرع من جديد، أما الجنات فهي الشجر الدائم الذي يعمر لعدة سنوات ويثمر، فنجمع منه الثمار فقط وتبقى الشجرة كما هي للعام التالي.
وقوله: وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ.. [ق: ١٠] عاليات مرتفعات، والعلو في النخل من عجائب الخَلْق ودقة الإبداع، لأننا رأينا العواصف تقتلع بعض الأشجار الضخمة، لكن لم نَرَ نخلة وقعتْ من العاصفة فجأة كما تقع الشجرة. لكنْ إذا ضعفت النخلة نراها تميل شيئاً فشيئاً على فترات حتى تصل إلى الأرض، ففيها رِفْعة، وفيها شموخ.
وذكر الحق سبحانه النخل بعد شجر الجنات وحبّ الحصيد لأن النخل يجمع الصفتين معاً لأن يعطي ثماره مثل الشجر كل عام، لكن إذا لم يلقح جاءت الثمار كما يقولون: صيّص يعني بلح لا ينفع ولا فائدة فيه فيُقطع ويُرمى.
ومعنى لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ [ق: ١٠] الطلع كوز أخضر يتفتح وتخرج منه السباطة، والسُّباطة هذه تحتوي على الشماريخ التي تحمل حبات البلح، ومن عجائب الخَلْق أنك ترى هذه الحبات مُنضدّة، يعني: مرصوصة بنظام دقيق في الشمروخ الذي يحملها، فلا تجد مثلاً بلحة أمام الأخرى، لكن موزَّعة على الشمروخ بالتساوي على شكل رِجْل غراب كما يقولون.
إذن: الحق سبحانه أعطانا طرفاً من آياته في السماوات والأرض، وقلنا: أن السماوات والأرض ظرف لما فيهما، ومع عِظَم خَلْق السماوات والأرض، إلا أن المظروف فيهما أعظم.
والإنسان في هذه الظرفية له خصوصية لأنه خليفة الله في الأرض، فالناس باعتبار أنهم مظروف ليس لأحد منهم حَظٌّ أوفر من الآخر، فهم في هذه الظرفية سواء، لأن الظرف مهمته حماية المظروف فيه فيستوي في الحماية ورقة بخمسين مع الورقة بمائة، ويستوي الذهب والفضة والحديد، فالصيانة للجميع وإنْ كان المصون مختلفاً.
كذلك الإنسان له حظه من الصيانة مع أن قيمة الناس تختلف، وهذا الاختلاف جاء لحكمة أرادها الحق سبحانه لصالح المجتمع كله: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف: ٣٢].
فالناس منهم القوي والضعيف، والغني والفقير، العالم والجاهل، والذكي والغبي يتم بينهم التكامل في حركة الحياة، وقلنا: ماذا لو أن الناس جميعاً تخرجوا في الجامعة؟ فمَنْ إذنْ سيقوم بالأعمال الدنيا، إذن: لابدّ أنْ يوجد ناس للقمة، وناس دونهم للخدمة، وإلا ما استقامتْ حركة الحياة.
ومع هذا الاختلاف في القيمة من حيث عمل كل إنسان وإجادته لعمله يبقى أننا جميعاً عيالُ الله وعبيده، ليس منا من هو ابن الله، فليلزم كلٌّ منا أدبه وحدوده، فكلٌّ منا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، يعني (مفيش حد أحسن من حد).

يقول الحق سبحانه:

رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ... .
آية رقم ١٠
قوله:
وَنَزَّلْنَا.. [ق: ٩] مادة نزل أتت بلفظ أنزلنا ونزَّلنا، أنزلنا للشيء ينزل جملة واحدة، كما في قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ [القدر: ١] أي: أنزلناه في هذه الليلة جملة، ثم نزل به الروح الأمين مُتفرقاً حسب الأحداث، فقال: نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ.. [الشعراء: ٢٩٣-١٩٤].
كذلك الماء لا ينزل من السماء جملة واحدة، إنما ينزل متتابعاً متفرقاً، فقال: وَنَزَّلْنَا.. [ق: ٩] وقوله: مِنَ ٱلسَّمَآءِ.. [ق: ٩] أي: من جهة السماء، لأن المطر في السحاب وأصله من الماء المالح في الأرض، حيث تتم عملية البخر ويتكثف بخار الماء في السحاب فيتكوَّن الماء الذي يسوقه الله تعالى بقوة الهواء حيث ينزل حينما يصادف الأماكن الباردة.
وقال عنه مَآءً مُّبَٰرَكاً.. [ق: ٩] لأن الله بارك فيه وجعله صالحاً للشرب ولسقي النبات، فهو عذْب سائغٌ للشاربين.
وساعة ينزل هذا الماء المبارك على الأرض تهتز الأرض وتُخرج ما فيها من نبات فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ.. [ق: ٩] جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار التي تجنُّ مَنْ يسير فيها. أي: تستره فسُميتْ جنة، ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ.. [الأنعام: ٧٦] يعني: ستره بظلمته.
ومعنى وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ [ق: ٩] أي: الحب الذي يُحصد مثل القمح والشعير والذرة والأرز، وهو يُزرع كل عام ويُحصد ليزرع من جديد، أما الجنات فهي الشجر الدائم الذي يعمر لعدة سنوات ويثمر، فنجمع منه الثمار فقط وتبقى الشجرة كما هي للعام التالي.
وقوله: وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ.. [ق: ١٠] عاليات مرتفعات، والعلو في النخل من عجائب الخَلْق ودقة الإبداع، لأننا رأينا العواصف تقتلع بعض الأشجار الضخمة، لكن لم نَرَ نخلة وقعتْ من العاصفة فجأة كما تقع الشجرة. لكنْ إذا ضعفت النخلة نراها تميل شيئاً فشيئاً على فترات حتى تصل إلى الأرض، ففيها رِفْعة، وفيها شموخ.
وذكر الحق سبحانه النخل بعد شجر الجنات وحبّ الحصيد لأن النخل يجمع الصفتين معاً لأن يعطي ثماره مثل الشجر كل عام، لكن إذا لم يلقح جاءت الثمار كما يقولون: صيّص يعني بلح لا ينفع ولا فائدة فيه فيُقطع ويُرمى.
ومعنى لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ [ق: ١٠] الطلع كوز أخضر يتفتح وتخرج منه السباطة، والسُّباطة هذه تحتوي على الشماريخ التي تحمل حبات البلح، ومن عجائب الخَلْق أنك ترى هذه الحبات مُنضدّة، يعني: مرصوصة بنظام دقيق في الشمروخ الذي يحملها، فلا تجد مثلاً بلحة أمام الأخرى، لكن موزَّعة على الشمروخ بالتساوي على شكل رِجْل غراب كما يقولون.
إذن: الحق سبحانه أعطانا طرفاً من آياته في السماوات والأرض، وقلنا: أن السماوات والأرض ظرف لما فيهما، ومع عِظَم خَلْق السماوات والأرض، إلا أن المظروف فيهما أعظم.
والإنسان في هذه الظرفية له خصوصية لأنه خليفة الله في الأرض، فالناس باعتبار أنهم مظروف ليس لأحد منهم حَظٌّ أوفر من الآخر، فهم في هذه الظرفية سواء، لأن الظرف مهمته حماية المظروف فيه فيستوي في الحماية ورقة بخمسين مع الورقة بمائة، ويستوي الذهب والفضة والحديد، فالصيانة للجميع وإنْ كان المصون مختلفاً.
كذلك الإنسان له حظه من الصيانة مع أن قيمة الناس تختلف، وهذا الاختلاف جاء لحكمة أرادها الحق سبحانه لصالح المجتمع كله: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف: ٣٢].
فالناس منهم القوي والضعيف، والغني والفقير، العالم والجاهل، والذكي والغبي يتم بينهم التكامل في حركة الحياة، وقلنا: ماذا لو أن الناس جميعاً تخرجوا في الجامعة؟ فمَنْ إذنْ سيقوم بالأعمال الدنيا، إذن: لابدّ أنْ يوجد ناس للقمة، وناس دونهم للخدمة، وإلا ما استقامتْ حركة الحياة.
ومع هذا الاختلاف في القيمة من حيث عمل كل إنسان وإجادته لعمله يبقى أننا جميعاً عيالُ الله وعبيده، ليس منا من هو ابن الله، فليلزم كلٌّ منا أدبه وحدوده، فكلٌّ منا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، يعني (مفيش حد أحسن من حد).

يقول الحق سبحانه:

رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ... .
فقد أنبت سبحانه جنات وبساتين ومزروعات، منها ما يعطي حباً يكون قوتاً للناس وهو ما يحصد مثل القمح مثلاً، وأنبت أيضاً نخلاً عالياً باسقات في جو السماء تعطي الخير للناس لأجيال طويلة.
لذلك قال تعالى: رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ.. [ق: ١١] وهو رزق لكل عباد الله مؤمنهم وكافرهم، طائعهم وعاصيهم، لأنه خلق الجميع ولا بد أن يتكفل لمن خلق برزقه الذي يعيش به، حتى ولو لم يؤمن به سبحانه.
ثم يقول تعالى: وَأَحْيَيْنَا بِهِ.. [ق: ١١] الضمير في (به) يعود على الماء المذكور في قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً [ق: ٩].
هذا الماء وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً.. [ق: ١١] أي: أحيينا به أرض بلد ميْت. وهي الأرض الميتة الجدباء الجرداء الخالية من النبات، فإذا نزل عليها الماء أحياها بالنبات، كما في قوله تعالى: وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥].
والحق سبحانه جعل إحياء الأرض الميتة دليلاً ومثلاً حياً على البعث والإعادة بعد الموت، قال تعالى: كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ [ق: ١١]، وهذا نحو قوله تعالى: وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: ١١].
ومثل قوله تعالى: يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَيُحْي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم: ١٩] أي كمثل ذلك تُخرجون وتبعثون، فمن أنكر البعث فلينظر عملية إحياء الأرض الجامدة بالنبات بعد نزول المطر عليها. فالأرض تكون ميتة هامدة جرداء لا أثر فيها لحياة، فلما ينزل عليها الماء ويسقيها المطر تتحرك وتهتز وتزيد فتنغلق الشقوق التي في التربة بفعل العطش ثم تنبت من كل زوج بهيج، فهي نموذج حيٌّ مشاهد للخلق وللحياة.
آية رقم ١٢
هذه تسلية لرسول الله، وتخفيف عنه لما يلاقيه من تكذيب قومه له، وقد عرضتْ الآياتُ موقفهم أولاً بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ [ق: ٢] ثم كذَّبوا بالبعث الذي أخبر به، فقالوا: أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣].
فأراد الحق سبحانه أن يعرض على رسوله موكب الرسالات السابقة عليه، وكم حدث فيها من تكذيب لإخوانه الرسل.
وكأنه يقول له: يا محمد لست بدعاً في ذلك كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ.. [ق: ١٢] أي: قبل قومك كذَّب قَوْمُ نُوحٍ.. [ق: ١٢] مع أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك كذَّبوا ولم يؤمن معه إلا القليل منهم.
لكن هل تركهم الله؟ لا بل انتقم منهم بالغرق الذي أبادهم عن آخرهم، فما كان الحق سبحانه ليترك أهل الفساد وأهل التكذيب ومصادمة الرسل دون عقاب، بل يُملي لهم ثم يأخذهم بلا هوادة.
فقوم نوح عليه السلام كانوا يسخرون منه، وهو يصنع السفينة، فيقول لهم: سيأتي اليوم الذي نسخر نحن منكم كما تسخرون منا، وكأنه على ثقة من نصر الله وتأييده لدعوته، وكما كذب قوم نوح كذب وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ.. [ق: ١٢].
والرسُّ اسم بئر معروفة وَثَمُودُ [ق: ١٢] وهم قوم سيدنا صالح وَعَادٌ [ق: ١٣] قوم سيدنا هود وَفِرْعَوْنُ.. [ق: ١٣].
وقصة فرعون مع سيدنا موسى معروفة وَإِخْوَانُ لُوطٍ.. [ق: ١٣] أي قومه وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ.. [ق: ١٤] والأيكة الحديقة كثيفة الأشجار متشابكة الأغصان، وسكان هذه الحديقة هم قوم سيدنا شعيب.
وَقَوْمُ تُّبَّعٍ.. [ق: ١٤] تبع كان ملكاً من ملوك اليمن يُقال له أبو كرب الحميري. وكل هؤلاء المكذبين كانوا أصحاب حضارة وأهل نعمة ورفاهية، لكن بعد أنْ كذَّبوا الرسل وخالفوا منهج الله بدّل الله حالهم، وقلبَ أوضاعهم فأهلكهم بذنوبهم.
لذلك يقول هنا كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ق: ١٤] أي: لما كذَّبوا رسلي حَقَّ عليهم ما وعدتهم به من العذاب ووجب لهم الهلاك.
وفي آية أخرى فصل ذلك الانتقام فقال: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٠].
آية رقم ١٣
هذه تسلية لرسول الله، وتخفيف عنه لما يلاقيه من تكذيب قومه له، وقد عرضتْ الآياتُ موقفهم أولاً بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ [ق: ٢] ثم كذَّبوا بالبعث الذي أخبر به، فقالوا: أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣].
فأراد الحق سبحانه أن يعرض على رسوله موكب الرسالات السابقة عليه، وكم حدث فيها من تكذيب لإخوانه الرسل.
وكأنه يقول له: يا محمد لست بدعاً في ذلك كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ.. [ق: ١٢] أي: قبل قومك كذَّب قَوْمُ نُوحٍ.. [ق: ١٢] مع أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك كذَّبوا ولم يؤمن معه إلا القليل منهم.
لكن هل تركهم الله؟ لا بل انتقم منهم بالغرق الذي أبادهم عن آخرهم، فما كان الحق سبحانه ليترك أهل الفساد وأهل التكذيب ومصادمة الرسل دون عقاب، بل يُملي لهم ثم يأخذهم بلا هوادة.
فقوم نوح عليه السلام كانوا يسخرون منه، وهو يصنع السفينة، فيقول لهم: سيأتي اليوم الذي نسخر نحن منكم كما تسخرون منا، وكأنه على ثقة من نصر الله وتأييده لدعوته، وكما كذب قوم نوح كذب وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ.. [ق: ١٢].
والرسُّ اسم بئر معروفة وَثَمُودُ [ق: ١٢] وهم قوم سيدنا صالح وَعَادٌ [ق: ١٣] قوم سيدنا هود وَفِرْعَوْنُ.. [ق: ١٣].
وقصة فرعون مع سيدنا موسى معروفة وَإِخْوَانُ لُوطٍ.. [ق: ١٣] أي قومه وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ.. [ق: ١٤] والأيكة الحديقة كثيفة الأشجار متشابكة الأغصان، وسكان هذه الحديقة هم قوم سيدنا شعيب.
وَقَوْمُ تُّبَّعٍ.. [ق: ١٤] تبع كان ملكاً من ملوك اليمن يُقال له أبو كرب الحميري. وكل هؤلاء المكذبين كانوا أصحاب حضارة وأهل نعمة ورفاهية، لكن بعد أنْ كذَّبوا الرسل وخالفوا منهج الله بدّل الله حالهم، وقلبَ أوضاعهم فأهلكهم بذنوبهم.
لذلك يقول هنا كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ق: ١٤] أي: لما كذَّبوا رسلي حَقَّ عليهم ما وعدتهم به من العذاب ووجب لهم الهلاك.
وفي آية أخرى فصل ذلك الانتقام فقال: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٠].
هذه تسلية لرسول الله، وتخفيف عنه لما يلاقيه من تكذيب قومه له، وقد عرضتْ الآياتُ موقفهم أولاً بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ [ق: ٢] ثم كذَّبوا بالبعث الذي أخبر به، فقالوا: أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣].
فأراد الحق سبحانه أن يعرض على رسوله موكب الرسالات السابقة عليه، وكم حدث فيها من تكذيب لإخوانه الرسل.
وكأنه يقول له: يا محمد لست بدعاً في ذلك كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ.. [ق: ١٢] أي: قبل قومك كذَّب قَوْمُ نُوحٍ.. [ق: ١٢] مع أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك كذَّبوا ولم يؤمن معه إلا القليل منهم.
لكن هل تركهم الله؟ لا بل انتقم منهم بالغرق الذي أبادهم عن آخرهم، فما كان الحق سبحانه ليترك أهل الفساد وأهل التكذيب ومصادمة الرسل دون عقاب، بل يُملي لهم ثم يأخذهم بلا هوادة.
فقوم نوح عليه السلام كانوا يسخرون منه، وهو يصنع السفينة، فيقول لهم: سيأتي اليوم الذي نسخر نحن منكم كما تسخرون منا، وكأنه على ثقة من نصر الله وتأييده لدعوته، وكما كذب قوم نوح كذب وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ.. [ق: ١٢].
والرسُّ اسم بئر معروفة وَثَمُودُ [ق: ١٢] وهم قوم سيدنا صالح وَعَادٌ [ق: ١٣] قوم سيدنا هود وَفِرْعَوْنُ.. [ق: ١٣].
وقصة فرعون مع سيدنا موسى معروفة وَإِخْوَانُ لُوطٍ.. [ق: ١٣] أي قومه وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ.. [ق: ١٤] والأيكة الحديقة كثيفة الأشجار متشابكة الأغصان، وسكان هذه الحديقة هم قوم سيدنا شعيب.
وَقَوْمُ تُّبَّعٍ.. [ق: ١٤] تبع كان ملكاً من ملوك اليمن يُقال له أبو كرب الحميري. وكل هؤلاء المكذبين كانوا أصحاب حضارة وأهل نعمة ورفاهية، لكن بعد أنْ كذَّبوا الرسل وخالفوا منهج الله بدّل الله حالهم، وقلبَ أوضاعهم فأهلكهم بذنوبهم.
لذلك يقول هنا كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ق: ١٤] أي: لما كذَّبوا رسلي حَقَّ عليهم ما وعدتهم به من العذاب ووجب لهم الهلاك.
وفي آية أخرى فصل ذلك الانتقام فقال: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٠].
عاد السياق هنا إلى مناقشة المنكرين للبعث الذين قالوا: أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣] عاد إلى هذا الموضوع ليقول لهم: لِمَ تنكرون البعث؟ أليس أمامكم الخلْق الأول أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ.. [ق: ١٥] أي: هل عجزنا عنه وهل أعيانا؟ أبداً بل قدرنا عليه وأنشأناه من العدم.
والخلق الأول خلق السماوات والأرض وخلْق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام والقادر على الخَلق بداية قادر على إعادته من باب أوْلَى.
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥] أي: في خلْط وتردد، كما قال عنهم في الآيات السابقة فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ [ق: ٥] أي: مختلط.
بعد أنْ حدثنا سبحانه عن آياته الكونية في السماوات والأرض يُحدِّثنا عن آياته في خَلْق الإنسان، وقد بيَّن لنا الحق سبحانه أن آيات السماوات والأرض أكبر من الآيات التي في خَلْق الناس. لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ.. [غافر: ٥٧] ووعدنا سبحانه بقوله سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ.. [فصلت: ٥٣] آفاق السماوات والأرض وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ.. [فصلت: ٥٣].
يقول سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ.. [ق: ١٦] وأكد لهم الكلام بـ (اللام) وبـ (قد) لأنهم مُنكرون لهذه الحقيقة مُكذِّبون بها، وهذا الإنكار جحود منهم، لأنه سبحانه قال في موضع آخر: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ [الزخرف: ٨٧].
وما دام الحق سبحانه قد قال وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ.. [ق: ١٦] فلا يتأتى أن يقال أنه من الممكن أن يتم استنساخ الإنسان، فالإنسان الذي يكوّن أسرة من أب وأم لا يمكن استنساخه أبداً، إنما يستنسخه مَنْ خلقه فقط.
بدليل أنه خلق آدم وأخذ منه ضلعاً جعل منه حواء، أما أنتم فلن تستطيعوا هذا، قد تستطيعون استنساخ نبات أو حيوان، فإنه ليس مطلوباً من هذه الكائنات أن تكوّن أسرة.
فالمطلوب من النبات أو الحيوان التكاثر فقط، أما الإنسان فليس مطلوبا منه التكاثر فقط بل مطلوب منه القيم أيضاً ككائن في مجتمع.
فالإنسان يسعى لتكوين أسرة وله مواصفات فيمن يتزوجها، وكيف يعيش معها وكل منهما يقوم بمهمة في التربية تناسبه، هو يكدح خارج البيت وهي تقوم بمهمتها في البيت ومهمتها أعلى وأهم من مهمته.
لذلك نجد اللقيط شقياً في حياته، لأنه ليس له أب ينسب إليه، أما من له أب فابنه محسوب عليه ومسئول عنه أمام المجتمع، يقوم له بأمور معيشته ودراسته، فلو فرضنا أنه من الممكن أن يكون هناك إنسان مستنسخ فتُرى كيف تكون حياته؟
فالله هو خالق الإنسان ومُبدعه، والخالق هو الأعلم بمن خلق، والأعلم بأسراره وما يصلحه وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ.. [ق: ١٦] يعني: لا نعلم ظواهر عمله فحسب، إنما نعلم بواطنها، ونعلم ما يختلج في نفسه من خواطر وأفكار. أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
الذي يعلم دقائق الأمور وخفاياها، كالصانع يعلم دقائق صنعته، فالساعة مثلاً حين تتعطل منك لا تعرف فيها شيئاً، فتذهب بها إلى الساعاتي، وبمجرد أنْ ينظر إليها يعرف مكان العطل بها ويُصلحه بحركة بسيطة جداً.
فالحق سبحانه خلق الإنسان، فالإنسان صنعته وإبداعه، لذلك يعلم خفايا نفسه لا مجرد ظواهر عمله، لأن ظواهر العمل معروفة للناس، فلا مزية في معرفتها، أما ما تُوسوس به النفس فهو أمر غيبي عن الآخرين لا يطلع أحدٌ عليه ولا يعلمه إلا الله، وهذه من آيات الله في الأنفس سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ.. [فصلت: ٥٣].
وسمَّى الخواطر التي ترد على البال وسوسة، وهي في الأصل صوت الحلي، والوسوسة تكون مرة من النفس ومرة من الشيطان، لذلك لا تكون إلا بشرٍّ، وقد بيَّن الإمام عليٌّ الفرق بينهما حينما سأله سائل: كيف أعرف مصدر هذه الوسوسة، أهي من النفس أم من الشيطان؟
فقال: النفس تقف بك عند معصية بعينها لا تتزحزح عنها، أما الشيطان فيريدك عاصياً على أيِّ صورة، فإنّ خالفته في معصية زين لك الأخرى وهكذا حتى يوقعك.
والنفس هي الأصل في الوسوسة، لأننا لو أخذنا معصية إبليس الأولى وقلنا مَنْ وسوس له بها؟ نفسه، والشاعر لما نظم هذا المعنى قال: إبليس لما عصى مَنْ كان إبليسه؟
فالمسألة إذن راجعة للنفس، وإبليس يستغل شهوة النفس وينميها ويُزينها لصاحبها، والعجيب أن هذه الوساوس حينما تلح على الإنسان تُغرقه في الهموم والتخيلات التي لا أساسَ لها، فينشغل بأشياء لم تحدث يتصور أنها حدثت، أو أحداث ماضية يعيدها من جديد.
وهكذا تحاصره الهموم فتكلمه تجده ساهياً أو يمشي يُكلِّم نفسه، والعقال هو الذي لا يترك نفسه نهباً لهذه الوساوس، ويعلم أنه له رباً يعلم ما توسوس به نفسه.
رب كريم يفرج الكروب ويزيل الهموم، العاقل هو الذي يعلم أن ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
وخُلق المؤمن أنْ يكون عنده رصيد من إيمانه يعصمه، فإنْ عزَّتْ عليه الأسباب لجأ إلى المسبِّب، فهو أبداً لا ييأس ولا يستسلم.
قلنا: لو أن رجلاً معه جنية واحد لا يملك غيره وضاع منه لا شكَّ أنه يحزن، خاصة إذا كان غريباً مثلاً، لكن لو ضاع منك جنيه وفي البيت عشرة، فالحزن يكون أقلّ، فما بالك إنْ كان معك رصيد من رب العالمين؟
لذلك يقولون: لا كرب وأنت رب: وهذا الرصيد الإيماني رأيناه في قصة سيدنا موسى عليه السلام، فلما ضاقت به أسبابه قال: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
وقوله سبحانه: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ [ق: ١٦] حبل الوريد عرقان في الرقبة يحملان الغذاء إلى الجسم كله، وإذا انقطع الوريد انتهت الحياة، والكلام هنا فيه كناية عن قُرْب الحق سبحانه من عبده، وكأنه يقول له: أنا قريب منك وأعرف تفاصيلك، وأعرف وسوسة نفسك.
آية رقم ١٧
بيَّن الحق سبحانه وتعالى أن علمه محيط لا يعلم مجرد عمل الجوارح، إنما يعلم ما يدور في النفس، يعلم خلجاتها وأفكارها قبل أنْ تترجم إلى عمل. إذن: العلم بالوسوسة أوْلَى من العلم بالجوارح وعملها، لكن قد يقول العبد: أختبئ فلا يراني أحد.
فبيَّن الله له أنه إذا اختبأ من الناس فلا يختبئ من الله، ولا يخفى عمله على الملكين الكاتبين اللذين يتلقيان عمله ويحفظانه، ملك عن يمينه يكتب الحسنات، وملك عن شماله يكتب السيئات.
ومعنى قَعِيدٌ [ق: ١٧] يعني: كلٌّ منهما قاعد له بالمرصاد متفرغ له يرقبه ولا يغيب عنه مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨] فإنْ قلت ما دام أن الله تعالى عالم بعمل العبد، ولا تخفى عليه خافية، فلم يكتب عمله ولم يُسجِّله عليه؟
قالوا: يكتب الأعمال لتكون حجة على صاحبها يوم القيامة، فكما أن الله تعالى سيُنطق الجوارح لتشهد على صاحبها، كذلك سينطق هذا الكتاب. واقرأ: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤].
وقال سبحانه: وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١] وقال: هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ [الجاثية: ٢٩].
ومن رحمة الله بعباده في كتابة الأعمال أن الحفظة تكتب الحسنة بعشر أمثالها، وتكتب السيئة بواحدة، تكتب الحسنة بمجرد أنْ تفكر فيها ولا تُكتب السيئة إلا بعد الوقوع فيها، بل وتعطيك فرصة لعلك تتوب أو تراجع نفسك.
آية رقم ١٨
بيَّن الحق سبحانه وتعالى أن علمه محيط لا يعلم مجرد عمل الجوارح، إنما يعلم ما يدور في النفس، يعلم خلجاتها وأفكارها قبل أنْ تترجم إلى عمل. إذن: العلم بالوسوسة أوْلَى من العلم بالجوارح وعملها، لكن قد يقول العبد: أختبئ فلا يراني أحد.
فبيَّن الله له أنه إذا اختبأ من الناس فلا يختبئ من الله، ولا يخفى عمله على الملكين الكاتبين اللذين يتلقيان عمله ويحفظانه، ملك عن يمينه يكتب الحسنات، وملك عن شماله يكتب السيئات.
ومعنى قَعِيدٌ [ق: ١٧] يعني: كلٌّ منهما قاعد له بالمرصاد متفرغ له يرقبه ولا يغيب عنه مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨] فإنْ قلت ما دام أن الله تعالى عالم بعمل العبد، ولا تخفى عليه خافية، فلم يكتب عمله ولم يُسجِّله عليه؟
قالوا: يكتب الأعمال لتكون حجة على صاحبها يوم القيامة، فكما أن الله تعالى سيُنطق الجوارح لتشهد على صاحبها، كذلك سينطق هذا الكتاب. واقرأ: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤].
وقال سبحانه: وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١] وقال: هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ [الجاثية: ٢٩].
ومن رحمة الله بعباده في كتابة الأعمال أن الحفظة تكتب الحسنة بعشر أمثالها، وتكتب السيئة بواحدة، تكتب الحسنة بمجرد أنْ تفكر فيها ولا تُكتب السيئة إلا بعد الوقوع فيها، بل وتعطيك فرصة لعلك تتوب أو تراجع نفسك.
معنى: سَكْرَةُ الْمَوْتِ.. [ق: ١٩] غشْيته أو الغيبوبة التي تأخذ الإنسان وهي وقت الغرغرة وخروج الروح، وسُميت سكرة الموت لأنها مقدمة للموت، وقوله: بِالْحَقِّ.. [ق: ١٩] لأن الحق هو الموت، فهو حق واجب لكل مخلوق، وسَهْم أُطلق إلى كل مولود، وعمرك بقدر وصوله إليك.
لذلك يموت الإنسان جنيناً، ويموت طفلاً، ويموت شاباً، ويموت شيخاً.
ومن آيات الله في الموت أن أبهمه زماناً، وأبهمه مكاناً، فجاء الإبهام أوضح بيان، لأن الإبهام جعلك تنتظره في كل وقت، وجعلك تستعد له بالتوبة والعمل الصالح، جعلك تستحي من الله أنْ يفاجئك الموت وأنت على معصية.
وقوله: ذَلِكَ.. [ق: ١٩] أي: الموت مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: ١٩] أي: تميل عنه وتخاف منه، نعم كلنا يخاف الموت ويبعده عن نفسه، يتصور أنّ كل الناس سيموتون إلا هو.
لذلك ورد في الحديث: والابتعاد عن شبح الموت له حكمة مرادة للحق سبحانه وتعالى، فلو استحضر كلُّ واحد منا حقيقة الموت ما هنئ له عيش ولا قرَّ له قرار، وما انتفع أحد منه بعمل.
إذن: الأمل في الحياة هو الأَوْلَى، الأمل هو الذي يعمر حركة الحياة، حب الحياة هو الذي يأخذنا لعمارة الحياة، المهم أن هذا الأمل لا يُنسيك الموت، فكُنْ على استعداد له بالتوبة والاستغفار إنْ بدر منك ذنب.
آية رقم ٢٠
هنا يعطينا مشهداً من مشاهد يوم القيامة، يوم يُنفخ في الصور، قالوا: هي النفخة الثانية التي يقوم الناس لها من قبورهم. والصُّور هو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام.
ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ [ق: ٢٠] أي: الذي توعدناكم به وخوَّفناكم منه. والوعيد عكس الوعد، الوعيد يكون بشرٍّ آتٍ والوعد بالخير. والموت لا يخاف منه إلا صاحب الأعمال السيئة، كامتحان آخر العام لا يخاف منه إلا التلميذ المهمل أما المجتهد فيفرح به.
كذلك صاحب الأعمال الصالحة يفرح بلقاء الله، لأنه قادم على الجزاء الأوفى من الله، لذلك حين يموت الرجل الصالح نقول: اللهم ألحقنا به.
وقوله سبحانه: وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: ٢١] سائق يسوقها إلى أرض المحشر، وشهيد يشهد عليها بما عملتْ.
آية رقم ٢١
هنا يعطينا مشهداً من مشاهد يوم القيامة، يوم يُنفخ في الصور، قالوا: هي النفخة الثانية التي يقوم الناس لها من قبورهم. والصُّور هو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام.
ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ [ق: ٢٠] أي: الذي توعدناكم به وخوَّفناكم منه. والوعيد عكس الوعد، الوعيد يكون بشرٍّ آتٍ والوعد بالخير. والموت لا يخاف منه إلا صاحب الأعمال السيئة، كامتحان آخر العام لا يخاف منه إلا التلميذ المهمل أما المجتهد فيفرح به.
كذلك صاحب الأعمال الصالحة يفرح بلقاء الله، لأنه قادم على الجزاء الأوفى من الله، لذلك حين يموت الرجل الصالح نقول: اللهم ألحقنا به.
وقوله سبحانه: وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: ٢١] سائق يسوقها إلى أرض المحشر، وشهيد يشهد عليها بما عملتْ.
لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا.. [ق: ٢٢] في غفلة ونسيان لهذا اليوم فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ.. [ق: ٢٢] أي: كشفنا عنك غطاء الغفلة.
فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢] أي: حاد ونافذ يستطيع أنْ يدرك الأمور على حقيقتها، أي: أمور الآخرة وما فيها من بعث وحساب وجزاء.
آية رقم ٢٣
معنى قَرِينُهُ.. [ق: ٢٣] أي: الملك المقارن والملازم له عن يمينه وعن شماله يُسجِّل عليه كل أعماله وكل نَفَس من أنفاسه، يأتي ويقول: هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: ٢٣] هذا ما عندي لهذا العبد، وهذا ما سجلته عليه جاهز ومُعد.
كما نرى مثلاً رجل البوليس حينما يُقدِّم تقريراً للنيابة يقدم فيه الأدلة ويقول: هذا ما عندي وقد انتهت مهمتي وعلى النيابة الحكم في المسألة.
وقوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤] هذا أمر من الحق سبحانه وتعالى لكل من السائق والشهيد أنْ يُلقيا في جهنم كلَّ (كفار) شديد الكفر متمكن فيه.
والكفر إما كفر للنعمة كما حدث من أهل سبأ، فقال الله فيهم: ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ.. [سبأ: ١٧] أي: كفروا نعمة الله، أو كفر المنعم سبحانه وهو كفر الألوهية.
وكلمة كَفَّارٍ.. [ق: ٢٤] صيغة مبالغة من كافر، أي كفر مرة واحدة إنما كفار يعني يتكرر منه الكفر، لذلك وصفه بعدها بأنه عَنِيدٍ [ق: ٢٤] أي: عنيد في كفره مُصرٌّ عليه مُتمادٍ فيه.
والكفر في اللغة هو السَّتْر، وكفر النعمة يأتي على قسيمن: ستر النعمة في مكانها، بمعنى أنهم لم يذهبوا إليها بجهد العمل والسعي والاستنباط، أو أنهم جمعوها وأتوا بها في جيوبهم ثم بخلوا بها على المحتاجين.
كذلك كلمة عَنِيدٍ [ق: ٢٤] فيها مبالغة نقول معاند وعنيد، فالعنيد هو الذي يعاند كلما دعوْتَه للحق ويُصر على موقفه، ولا شكَّ أن دعوة الرسول للناس بأنْ يؤمنوا تتكرر دائماً، لكن العنيد يعاند ولا يقبلها ولا يهتدي، ويتمادى مُتمسكاً برأيه، لا يقبل حجة ولا يقبل نقاشاً.
إذن: كفر بالنعمة وكفر بالمنعم.
وقوله تعالى: مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] هذا هو الوصف الثالث للكافر العنيد، فبالإضافة إلى شدة كفره، وعناده، هو مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ.. [ق: ٢٥] ومناع أيضاً صيغة مبالغة من مانع، فهو كثير المنع للخير يمنعه حتى عن نفسه بعد أنْ منعه عن الآخرين حين وقف في وجه الدعوة للإيمان، وحين منع ماله ولم يعط المحتاجين.
ثم هو بعد ذلك كله مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] فلم يكتف بمنع الخير، بل تعدي على الخير عند غيره فأخذه دون وجه حق، أخذه مرة بالسرقة، ومرة بالرشوة، ومرة بالخطف والغصب، ومرة بالتدليس، ومرة بالغش.. إلخ.
فهو إذن مُعتد بأيِّ وجه من وجوه التعدي، وهو مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] أي: شاكّ مُرتاب في هذا اليوم، ولو كان مؤمناً به وبالحساب والجزاء ما فعل ذلك، لو كان يؤمن بالمقابل لأعطى ولم يمنع.
ومن صفاته أيضاً ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ.. [ق: ٢٦] الخطأ هنا في القمة في مسألة الإيمان بالله، والله يقول: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ١١٦] لذلك كان الجزاء فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ [ق: ٢٦].
إذن: عندنا نوعان من العذاب: عذاب مطلق لم يُوصف بأنه شديد في قوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ.. [ق: ٢٤] وهذا لمن عصى الله وارتكب من الكبائر ما دون الشرك بالله.
ثم عذاب يُوصف بأنه شديد لمن أشرك بالله تعالى، ذلك لأن مرتكب الكبيرة ينطق بلا إله إلا الله، ويمكن أن يتوب لأن كلمة التوحيد لها أثر في حماية النفس حتى في العاصي.
أما المشرك فلا ينطق بكلمة التوحيد، وليس لها أثر في نفسه، ولو أدخلنا هذا مع هذا لكانت كلمة التوحيد ليس لها معنى ولا أثر.
والمغفرة في قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ١١٦] قد تكون المغفرة مُعجَّلة له ونهائية وهو حي، وذلك لمَنْ تاب وأناب وبدّل عمله السيء بالعمل الصالح.
فيدخل تحت قوله تعالى: إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ..
[الفرقان: ٧٠].
وإما أنْ تُؤخر له المغفرة، فيُعذَّب فترة في النار، ثم تتداركه رحمة الله وتشمله بركة لا إله إلا الله، فتُخرجه من النار كرامة لكلمة التوحيد.
آية رقم ٢٤
معنى قَرِينُهُ.. [ق: ٢٣] أي: الملك المقارن والملازم له عن يمينه وعن شماله يُسجِّل عليه كل أعماله وكل نَفَس من أنفاسه، يأتي ويقول: هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: ٢٣] هذا ما عندي لهذا العبد، وهذا ما سجلته عليه جاهز ومُعد.
كما نرى مثلاً رجل البوليس حينما يُقدِّم تقريراً للنيابة يقدم فيه الأدلة ويقول: هذا ما عندي وقد انتهت مهمتي وعلى النيابة الحكم في المسألة.
وقوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤] هذا أمر من الحق سبحانه وتعالى لكل من السائق والشهيد أنْ يُلقيا في جهنم كلَّ (كفار) شديد الكفر متمكن فيه.
والكفر إما كفر للنعمة كما حدث من أهل سبأ، فقال الله فيهم: ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ.. [سبأ: ١٧] أي: كفروا نعمة الله، أو كفر المنعم سبحانه وهو كفر الألوهية.
وكلمة كَفَّارٍ.. [ق: ٢٤] صيغة مبالغة من كافر، أي كفر مرة واحدة إنما كفار يعني يتكرر منه الكفر، لذلك وصفه بعدها بأنه عَنِيدٍ [ق: ٢٤] أي: عنيد في كفره مُصرٌّ عليه مُتمادٍ فيه.
والكفر في اللغة هو السَّتْر، وكفر النعمة يأتي على قسيمن: ستر النعمة في مكانها، بمعنى أنهم لم يذهبوا إليها بجهد العمل والسعي والاستنباط، أو أنهم جمعوها وأتوا بها في جيوبهم ثم بخلوا بها على المحتاجين.
كذلك كلمة عَنِيدٍ [ق: ٢٤] فيها مبالغة نقول معاند وعنيد، فالعنيد هو الذي يعاند كلما دعوْتَه للحق ويُصر على موقفه، ولا شكَّ أن دعوة الرسول للناس بأنْ يؤمنوا تتكرر دائماً، لكن العنيد يعاند ولا يقبلها ولا يهتدي، ويتمادى مُتمسكاً برأيه، لا يقبل حجة ولا يقبل نقاشاً.
إذن: كفر بالنعمة وكفر بالمنعم.
وقوله تعالى: مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] هذا هو الوصف الثالث للكافر العنيد، فبالإضافة إلى شدة كفره، وعناده، هو مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ.. [ق: ٢٥] ومناع أيضاً صيغة مبالغة من مانع، فهو كثير المنع للخير يمنعه حتى عن نفسه بعد أنْ منعه عن الآخرين حين وقف في وجه الدعوة للإيمان، وحين منع ماله ولم يعط المحتاجين.
ثم هو بعد ذلك كله مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] فلم يكتف بمنع الخير، بل تعدي على الخير عند غيره فأخذه دون وجه حق، أخذه مرة بالسرقة، ومرة بالرشوة، ومرة بالخطف والغصب، ومرة بالتدليس، ومرة بالغش.. إلخ.
فهو إذن مُعتد بأيِّ وجه من وجوه التعدي، وهو مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] أي: شاكّ مُرتاب في هذا اليوم، ولو كان مؤمناً به وبالحساب والجزاء ما فعل ذلك، لو كان يؤمن بالمقابل لأعطى ولم يمنع.
ومن صفاته أيضاً ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ.. [ق: ٢٦] الخطأ هنا في القمة في مسألة الإيمان بالله، والله يقول: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ١١٦] لذلك كان الجزاء فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ [ق: ٢٦].
إذن: عندنا نوعان من العذاب: عذاب مطلق لم يُوصف بأنه شديد في قوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ.. [ق: ٢٤] وهذا لمن عصى الله وارتكب من الكبائر ما دون الشرك بالله.
ثم عذاب يُوصف بأنه شديد لمن أشرك بالله تعالى، ذلك لأن مرتكب الكبيرة ينطق بلا إله إلا الله، ويمكن أن يتوب لأن كلمة التوحيد لها أثر في حماية النفس حتى في العاصي.
أما المشرك فلا ينطق بكلمة التوحيد، وليس لها أثر في نفسه، ولو أدخلنا هذا مع هذا لكانت كلمة التوحيد ليس لها معنى ولا أثر.
والمغفرة في قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ١١٦] قد تكون المغفرة مُعجَّلة له ونهائية وهو حي، وذلك لمَنْ تاب وأناب وبدّل عمله السيء بالعمل الصالح.
فيدخل تحت قوله تعالى: إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ..
[الفرقان: ٧٠].
وإما أنْ تُؤخر له المغفرة، فيُعذَّب فترة في النار، ثم تتداركه رحمة الله وتشمله بركة لا إله إلا الله، فتُخرجه من النار كرامة لكلمة التوحيد.
آية رقم ٢٥
معنى قَرِينُهُ.. [ق: ٢٣] أي: الملك المقارن والملازم له عن يمينه وعن شماله يُسجِّل عليه كل أعماله وكل نَفَس من أنفاسه، يأتي ويقول: هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: ٢٣] هذا ما عندي لهذا العبد، وهذا ما سجلته عليه جاهز ومُعد.
كما نرى مثلاً رجل البوليس حينما يُقدِّم تقريراً للنيابة يقدم فيه الأدلة ويقول: هذا ما عندي وقد انتهت مهمتي وعلى النيابة الحكم في المسألة.
وقوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤] هذا أمر من الحق سبحانه وتعالى لكل من السائق والشهيد أنْ يُلقيا في جهنم كلَّ (كفار) شديد الكفر متمكن فيه.
والكفر إما كفر للنعمة كما حدث من أهل سبأ، فقال الله فيهم: ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ.. [سبأ: ١٧] أي: كفروا نعمة الله، أو كفر المنعم سبحانه وهو كفر الألوهية.
وكلمة كَفَّارٍ.. [ق: ٢٤] صيغة مبالغة من كافر، أي كفر مرة واحدة إنما كفار يعني يتكرر منه الكفر، لذلك وصفه بعدها بأنه عَنِيدٍ [ق: ٢٤] أي: عنيد في كفره مُصرٌّ عليه مُتمادٍ فيه.
والكفر في اللغة هو السَّتْر، وكفر النعمة يأتي على قسيمن: ستر النعمة في مكانها، بمعنى أنهم لم يذهبوا إليها بجهد العمل والسعي والاستنباط، أو أنهم جمعوها وأتوا بها في جيوبهم ثم بخلوا بها على المحتاجين.
كذلك كلمة عَنِيدٍ [ق: ٢٤] فيها مبالغة نقول معاند وعنيد، فالعنيد هو الذي يعاند كلما دعوْتَه للحق ويُصر على موقفه، ولا شكَّ أن دعوة الرسول للناس بأنْ يؤمنوا تتكرر دائماً، لكن العنيد يعاند ولا يقبلها ولا يهتدي، ويتمادى مُتمسكاً برأيه، لا يقبل حجة ولا يقبل نقاشاً.
إذن: كفر بالنعمة وكفر بالمنعم.
وقوله تعالى: مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] هذا هو الوصف الثالث للكافر العنيد، فبالإضافة إلى شدة كفره، وعناده، هو مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ.. [ق: ٢٥] ومناع أيضاً صيغة مبالغة من مانع، فهو كثير المنع للخير يمنعه حتى عن نفسه بعد أنْ منعه عن الآخرين حين وقف في وجه الدعوة للإيمان، وحين منع ماله ولم يعط المحتاجين.
ثم هو بعد ذلك كله مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] فلم يكتف بمنع الخير، بل تعدي على الخير عند غيره فأخذه دون وجه حق، أخذه مرة بالسرقة، ومرة بالرشوة، ومرة بالخطف والغصب، ومرة بالتدليس، ومرة بالغش.. إلخ.
فهو إذن مُعتد بأيِّ وجه من وجوه التعدي، وهو مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] أي: شاكّ مُرتاب في هذا اليوم، ولو كان مؤمناً به وبالحساب والجزاء ما فعل ذلك، لو كان يؤمن بالمقابل لأعطى ولم يمنع.
ومن صفاته أيضاً ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ.. [ق: ٢٦] الخطأ هنا في القمة في مسألة الإيمان بالله، والله يقول: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ١١٦] لذلك كان الجزاء فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ [ق: ٢٦].
إذن: عندنا نوعان من العذاب: عذاب مطلق لم يُوصف بأنه شديد في قوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ.. [ق: ٢٤] وهذا لمن عصى الله وارتكب من الكبائر ما دون الشرك بالله.
ثم عذاب يُوصف بأنه شديد لمن أشرك بالله تعالى، ذلك لأن مرتكب الكبيرة ينطق بلا إله إلا الله، ويمكن أن يتوب لأن كلمة التوحيد لها أثر في حماية النفس حتى في العاصي.
أما المشرك فلا ينطق بكلمة التوحيد، وليس لها أثر في نفسه، ولو أدخلنا هذا مع هذا لكانت كلمة التوحيد ليس لها معنى ولا أثر.
والمغفرة في قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ١١٦] قد تكون المغفرة مُعجَّلة له ونهائية وهو حي، وذلك لمَنْ تاب وأناب وبدّل عمله السيء بالعمل الصالح.
فيدخل تحت قوله تعالى: إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ..
[الفرقان: ٧٠].
وإما أنْ تُؤخر له المغفرة، فيُعذَّب فترة في النار، ثم تتداركه رحمة الله وتشمله بركة لا إله إلا الله، فتُخرجه من النار كرامة لكلمة التوحيد.
معنى قَرِينُهُ.. [ق: ٢٣] أي: الملك المقارن والملازم له عن يمينه وعن شماله يُسجِّل عليه كل أعماله وكل نَفَس من أنفاسه، يأتي ويقول: هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: ٢٣] هذا ما عندي لهذا العبد، وهذا ما سجلته عليه جاهز ومُعد.
كما نرى مثلاً رجل البوليس حينما يُقدِّم تقريراً للنيابة يقدم فيه الأدلة ويقول: هذا ما عندي وقد انتهت مهمتي وعلى النيابة الحكم في المسألة.
وقوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤] هذا أمر من الحق سبحانه وتعالى لكل من السائق والشهيد أنْ يُلقيا في جهنم كلَّ (كفار) شديد الكفر متمكن فيه.
والكفر إما كفر للنعمة كما حدث من أهل سبأ، فقال الله فيهم: ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ.. [سبأ: ١٧] أي: كفروا نعمة الله، أو كفر المنعم سبحانه وهو كفر الألوهية.
وكلمة كَفَّارٍ.. [ق: ٢٤] صيغة مبالغة من كافر، أي كفر مرة واحدة إنما كفار يعني يتكرر منه الكفر، لذلك وصفه بعدها بأنه عَنِيدٍ [ق: ٢٤] أي: عنيد في كفره مُصرٌّ عليه مُتمادٍ فيه.
والكفر في اللغة هو السَّتْر، وكفر النعمة يأتي على قسيمن: ستر النعمة في مكانها، بمعنى أنهم لم يذهبوا إليها بجهد العمل والسعي والاستنباط، أو أنهم جمعوها وأتوا بها في جيوبهم ثم بخلوا بها على المحتاجين.
كذلك كلمة عَنِيدٍ [ق: ٢٤] فيها مبالغة نقول معاند وعنيد، فالعنيد هو الذي يعاند كلما دعوْتَه للحق ويُصر على موقفه، ولا شكَّ أن دعوة الرسول للناس بأنْ يؤمنوا تتكرر دائماً، لكن العنيد يعاند ولا يقبلها ولا يهتدي، ويتمادى مُتمسكاً برأيه، لا يقبل حجة ولا يقبل نقاشاً.
إذن: كفر بالنعمة وكفر بالمنعم.
وقوله تعالى: مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] هذا هو الوصف الثالث للكافر العنيد، فبالإضافة إلى شدة كفره، وعناده، هو مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ.. [ق: ٢٥] ومناع أيضاً صيغة مبالغة من مانع، فهو كثير المنع للخير يمنعه حتى عن نفسه بعد أنْ منعه عن الآخرين حين وقف في وجه الدعوة للإيمان، وحين منع ماله ولم يعط المحتاجين.
ثم هو بعد ذلك كله مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] فلم يكتف بمنع الخير، بل تعدي على الخير عند غيره فأخذه دون وجه حق، أخذه مرة بالسرقة، ومرة بالرشوة، ومرة بالخطف والغصب، ومرة بالتدليس، ومرة بالغش.. إلخ.
فهو إذن مُعتد بأيِّ وجه من وجوه التعدي، وهو مُّرِيبٍ [ق: ٢٥] أي: شاكّ مُرتاب في هذا اليوم، ولو كان مؤمناً به وبالحساب والجزاء ما فعل ذلك، لو كان يؤمن بالمقابل لأعطى ولم يمنع.
ومن صفاته أيضاً ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ.. [ق: ٢٦] الخطأ هنا في القمة في مسألة الإيمان بالله، والله يقول: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ١١٦] لذلك كان الجزاء فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ [ق: ٢٦].
إذن: عندنا نوعان من العذاب: عذاب مطلق لم يُوصف بأنه شديد في قوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ.. [ق: ٢٤] وهذا لمن عصى الله وارتكب من الكبائر ما دون الشرك بالله.
ثم عذاب يُوصف بأنه شديد لمن أشرك بالله تعالى، ذلك لأن مرتكب الكبيرة ينطق بلا إله إلا الله، ويمكن أن يتوب لأن كلمة التوحيد لها أثر في حماية النفس حتى في العاصي.
أما المشرك فلا ينطق بكلمة التوحيد، وليس لها أثر في نفسه، ولو أدخلنا هذا مع هذا لكانت كلمة التوحيد ليس لها معنى ولا أثر.
والمغفرة في قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ١١٦] قد تكون المغفرة مُعجَّلة له ونهائية وهو حي، وذلك لمَنْ تاب وأناب وبدّل عمله السيء بالعمل الصالح.
فيدخل تحت قوله تعالى: إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ..
[الفرقان: ٧٠].
وإما أنْ تُؤخر له المغفرة، فيُعذَّب فترة في النار، ثم تتداركه رحمة الله وتشمله بركة لا إله إلا الله، فتُخرجه من النار كرامة لكلمة التوحيد.
القرين هنا بمعنى الصاحب والملازم له الذي زيَّن له الضلال سواء من الجن أو من الإنس، وهذا القرين يقول معتذراً لنفسه ومُدافعاً عنها رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ [ق: ٢٧] يريد أنْ يتبرأ من صاحبه الضال ويتركه في المأزق الذي وقع فيه.
والقرآن الكريم شرح لنا في أكثر من موقف هذا الحوار الذي دار بين التابع والمتبوع، ممَّنْ سلكوا طريق الضلال، وكيف أن كل طرف منهما يُلقي باللائمة على الآخر.
يقول تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ [الصافات: ٢٧-٣٤].
كذلك يتبرأ الشيطان ممن اتبعه، فيقول: وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢] يعني: لا أحدَ منّا يستطيع أنْ يدافع عن صاحبه.
آية رقم ٢٨
الحق سبحانه وتعالى يُنهي هذا الحوار وهذه الخصومة بين الضال والمضل، وينهي هذه المعركة ويقول لهما لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ.. [ق: ٢٨] لأن الخصومة لا تنفعكم الآن فلا يلقي كُلٌّ منكم بالمسئولية على الآخر، فأنا أعلم بكم، أعلم بالذنب وبالمذنب، بالضال والمضل.
فلا فائدة إذن من هذه الخصومة وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ [ق: ٢٨] أي: قدمتُ لكم الوعيد في الدنيا وبيَّنتُ لكم المنهج والحلال والحرام، والجزاء عليه في الجنة أو في النار.
مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ.. [ق: ٢٩] يعني: تخاصمكم الآن لن يغير شيئاً فيما قضيته، ولن أرجع في كلامي، والمراد قوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤].
وهذا قطع للعشم والرجاء وتيئيس لهم من رحمة الله وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٩] يعني: قضائي حَقّ وعدل تحكمه حكمة لا جبروت وظلم.
فهذه المدافعة وهذه المخاصمة بينكم لن تشفع لأحد منكم.
وقوله تعالى: وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٩] كلمة (ظلام) صيغة مبالغة من ظالم، فقولنا: فلان ظلام يعني أنه من باب أوْلى ظالم لكن في النفي، فنَفْي ظلام لا تنفي ظالم.
إذن: فقوله تعالى وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٩] نفتْ ظلاَّم لكن لم تنْفِ ظالم، فهل يعني هذا إثبات صفة ظالم لله تعالى؟
نقول: قد تكون المبالغة في تكرار الحدث، فحين نقول مثلاً فلان أكول قد يكون لا يأكل كثيراً، إنما يأكل رغيفاً واحداً لكن يأكل عدة مرات في اليوم.
كذلك هنا الحق سبحانه لا يتحدث عن واحد، إنما عن الناس جميعاً عن العبيد كلهم، وعلى هذا المعنى يكون نَفْي (ظلام) نفياً لظالم أيضاً.
وقد يكون المقصود نفي الحدث نفسه، لأن الظلم قدرة ظالم على مظلوم، إذن: فالظلم يتناسب قوةً وضعفاً مع قوة الظالم، فلو فرضنا أن الحق سبحانه وتعالى يُوصف بالظلم، تعالى الله عن ذلك - لكن ظلمه قوياً شديداً، فنقول: ظلام لا ظالم.
آية رقم ٢٩
الحق سبحانه وتعالى يُنهي هذا الحوار وهذه الخصومة بين الضال والمضل، وينهي هذه المعركة ويقول لهما لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ.. [ق: ٢٨] لأن الخصومة لا تنفعكم الآن فلا يلقي كُلٌّ منكم بالمسئولية على الآخر، فأنا أعلم بكم، أعلم بالذنب وبالمذنب، بالضال والمضل.
فلا فائدة إذن من هذه الخصومة وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ [ق: ٢٨] أي: قدمتُ لكم الوعيد في الدنيا وبيَّنتُ لكم المنهج والحلال والحرام، والجزاء عليه في الجنة أو في النار.
مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ.. [ق: ٢٩] يعني: تخاصمكم الآن لن يغير شيئاً فيما قضيته، ولن أرجع في كلامي، والمراد قوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤].
وهذا قطع للعشم والرجاء وتيئيس لهم من رحمة الله وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٩] يعني: قضائي حَقّ وعدل تحكمه حكمة لا جبروت وظلم.
فهذه المدافعة وهذه المخاصمة بينكم لن تشفع لأحد منكم.
وقوله تعالى: وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٩] كلمة (ظلام) صيغة مبالغة من ظالم، فقولنا: فلان ظلام يعني أنه من باب أوْلى ظالم لكن في النفي، فنَفْي ظلام لا تنفي ظالم.
إذن: فقوله تعالى وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٩] نفتْ ظلاَّم لكن لم تنْفِ ظالم، فهل يعني هذا إثبات صفة ظالم لله تعالى؟
نقول: قد تكون المبالغة في تكرار الحدث، فحين نقول مثلاً فلان أكول قد يكون لا يأكل كثيراً، إنما يأكل رغيفاً واحداً لكن يأكل عدة مرات في اليوم.
كذلك هنا الحق سبحانه لا يتحدث عن واحد، إنما عن الناس جميعاً عن العبيد كلهم، وعلى هذا المعنى يكون نَفْي (ظلام) نفياً لظالم أيضاً.
وقد يكون المقصود نفي الحدث نفسه، لأن الظلم قدرة ظالم على مظلوم، إذن: فالظلم يتناسب قوةً وضعفاً مع قوة الظالم، فلو فرضنا أن الحق سبحانه وتعالى يُوصف بالظلم، تعالى الله عن ذلك - لكن ظلمه قوياً شديداً، فنقول: ظلام لا ظالم.
آية رقم ٣٠
سبق في الآيات قوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
[ق: ٢٤] وهنا يسأل الحق سبحانه جهنم هَلِ ٱمْتَلأَتِ.. [ق: ٣٠] وأيضاً سبق الوعد من الله أن يملأ جهنم لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣].
إذن: لا بدَّ أنْ يُوفيها هذا الوعد، فالسؤال هنا هَلِ ٱمْتَلأَتِ.. [ق: ٣٠] سؤال إقرار، ويأتي الجواب هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق: ٣٠] يعني هي امتلأتِ، لكن تريد المزيد، فأين تضعهم فيها؟
تذكرون أننا قلنَا زمان أن الخالق سبحانه أزلاً خلق الجنة لتسع الناس جميعاً لو آمنوا، وخلق النار لتسع الناس جميعاً إنْ كفروا، وبذلك تخلوا أماكن المؤمنين في النار، وتخلو أماكن الكافرين في الجنة، فالنار تقول هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق: ٣٠] لتملأ الأماكن الخالية فيها.
آية رقم ٣١
بعد أن تحدثت الآيات عن جهنم والعياذ بالله تذكر هنا المقابل وهو الجنة وَأُزْلِفَتِ.. [ق: ٣١] أي: قُرِّبت من المتقين، لأنهم بشَّروا بها في الدنيا، وبأن الله تعالى لا يخلف الميعاد.
أما الآن ونحن في موقف الآخرة فهي تقرب منهم غَيْرَ بَعِيدٍ [ق: ٣١] أي: أزلفتْ منهم إزلافاً غير بعيد.
آية رقم ٣٢
قوله تعالى: هَـٰذَا.. [ق: ٣٢] إشارة إلى ما تقدَّم من تقريب الجنة للمتقين مَا تُوعَدُونَ.. [ق: ٣٢] أي: وعد الله به لِكُلِّ أَوَّابٍ [ق: ٣٢] أوَّاب صيغة مبالغة نقول: آيب وأوَّاب يعني كثير الأوْب والرجوع إلى الله إنْ حصلت منه معصية، فسرعان ما يندم عليها ويتوب.
والحق سبحانه وتعالى شرح لنا هذا المعنى في قوله تعالى: إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ.. [النساء: ١٧] يعني: لا يسعوْنَ إليها ولا يرتبون لها. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ.. [النساء: ١٧-١٨].
والأوَّاب كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، لا يعني أنه كثير الخطايا، إنما إنْ حدثت منه غفلة عن الطاعة سارع بالتوبة، لأن الذي يرجع في توبته من الذنب ثم يعود إليه وتتكرر منه هذه، فقد شبَّهه رسول الله بالمستهزئ بربه، وهذه صفة لا تليق بالأوَّاب.
ومعنى: حَفِيظٍ [ق: ٣٢] هي أيضاً صيغة مبالغة من حافظ، والحفيظ هو كثير الحفظ لحدود الله وحُرمات الله، يحفظ نفسه من الوقوع في المعصية، بل يحفظ نفسه من الاقتراب منها.
وهذا هو معنى الحديث الشريف: وحِفْظ الله يكون بحفظ حدوده والوقوف عند أوامره ونواهيه.
ومن صفات المتقين الذين وعدهم الله هذا الوعد مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ [ق: ٣٣] الخشية معناها الخوف وهو على نوعين: تخاف وأنت تكره مَنْ تخافه وتلعنه لأنه أقوى منك، أو لأنه يذلُّك ويقهرك، فأنت تخافه وتحتقره، وهذا خوف العباد من العباد.
وهناك خوف بحب وهيبة وإجلال على حَدِّ قول الشاعر:
أخافك إجلالاً وما بك قدرة  عليَّ ولكن مِلْءُ عين حبيبها
فأنت تحب مَن تخافه، وتعلم أن له جميلاً عندك، وأنك لا تستطيع أنْ تُوفيه حقه، وهذا هو الخوف من الله. ويساعدنا على فهْم هذا المعنى قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ.. [فاطر: ٢٧-٢٨].
الحق سبحانه هنا لم يأت بحكم شرعي يلزمنا به أو يُخوِّفنا من التهاون فيه، إنما تحدث عن آيات كوْنِه، أرادنا أنْ نبحث فيها ونتأملها، وأنْ نُنقب عن أسرارها وما فيها من جمال.
فكلما نظرنا في آيات الكون من حولنا ازددنا لله خشية، ومهابة وإجلالاً لعظمته ونعمته علينا، والعلماء هم أوْلَى الناس بهذا النظر، وأقرب الناس إلى خشية الله وتقديره حَقَّ قَدْره.
وتأمَّل هنا الاداء القرآني: مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ.. [ق: ٣٣] فاختار صفة الرحمة، ولم يقل مَنْ خشي القهار أو الجبار، لأن الخشية هنا مغلَّفة بالحب وبالرحمة والتعظيم والإجلال لله الذي نخافه ونخشاه.
ثم قيد هذه الخشية بأنها بِٱلْغَيْبِ.. [ق: ٣٣] يعني: ليست معلنة أمام الناس، فالمؤمن الحق يخشى الله في سِرِّه قبل جهره، وفي خلْوته قبل جلوته، يخافه بينه وبين نفسه.
أما ضعيف الإيمان فيخاف الله أمام الناس، وإذا كان في جمع منهم تحدَّث عن الحلال والحرام، لكن إذا خلا بنفسه انتهك حرمات الله.
إذن: فخشيته من الله فيها رياء ويخالطها شرك، لذلك وصف المتقين، ووصف أهل الجنة بأنهم يخشوع الله بالغيب.
ومن معاني الغيب أيضاً أن المؤمن لمّا تُخوِّفه عذاب الله وتذكر له النار وهو ما يزال في سَعَة الدنيا يخاف منها، ويؤمن بوجودها وهو لم يرها، فهذه خشية بالغيب، لأن النار بالنسبة لنا الآن غيب وما صدَّقنا بوجودها إلا لأن الله أخبرنا بها.
والمؤمن يأخذ الخبر عن الله كأنه واقع يراه بعينه، ويلمسه بحواسه، فالخبر من الله أصدق من رؤية العين، وهذه المسألة أوضحناها في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ [الفيل: ١].
فالخطاب هنا لسيدنا رسول الله، وهو لم يَرَ حادثة الفيل، فقد وُلد في هذا العام، فلماذا لم يخاطبه بقوله: ألم تعلم وعدل عنها إلى: ألم تر؟ قالوا: لأن الخبر من الله أصدق من رؤية العين، نعم لأن الرؤية قد تخدعك، أما إخبار الله فصِدْق مطلق.
وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ [ق: ٣٣] أي: قلب أخلص لله وصدق في الطاعة، والقلب هو موضع الإيمان، والله تعالى - كما ذكرنا - يريد منا القلب لا القالب، فالقالب يمكن أنْ تقهره على أنْ يؤمن، أما القلب فلا يأتي إلا بالحب والطواعية.
لذلك جعل الحق سبحانه الإيمان أمراً اختيارياً لا إجبار فيه، وإلا لو شاء سبحانه لأجبر الخلق جميعاً على أنْ يؤمنوا به سبحانه، كما أجبر السماوات والأرض، لكن أراد لعباده أن يأتوه طواعية واقتناعاً.
آية رقم ٣٣
قوله تعالى: هَـٰذَا.. [ق: ٣٢] إشارة إلى ما تقدَّم من تقريب الجنة للمتقين مَا تُوعَدُونَ.. [ق: ٣٢] أي: وعد الله به لِكُلِّ أَوَّابٍ [ق: ٣٢] أوَّاب صيغة مبالغة نقول: آيب وأوَّاب يعني كثير الأوْب والرجوع إلى الله إنْ حصلت منه معصية، فسرعان ما يندم عليها ويتوب.
والحق سبحانه وتعالى شرح لنا هذا المعنى في قوله تعالى: إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ.. [النساء: ١٧] يعني: لا يسعوْنَ إليها ولا يرتبون لها. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ.. [النساء: ١٧-١٨].
والأوَّاب كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، لا يعني أنه كثير الخطايا، إنما إنْ حدثت منه غفلة عن الطاعة سارع بالتوبة، لأن الذي يرجع في توبته من الذنب ثم يعود إليه وتتكرر منه هذه، فقد شبَّهه رسول الله بالمستهزئ بربه، وهذه صفة لا تليق بالأوَّاب.
ومعنى: حَفِيظٍ [ق: ٣٢] هي أيضاً صيغة مبالغة من حافظ، والحفيظ هو كثير الحفظ لحدود الله وحُرمات الله، يحفظ نفسه من الوقوع في المعصية، بل يحفظ نفسه من الاقتراب منها.
وهذا هو معنى الحديث الشريف: وحِفْظ الله يكون بحفظ حدوده والوقوف عند أوامره ونواهيه.
ومن صفات المتقين الذين وعدهم الله هذا الوعد مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ [ق: ٣٣] الخشية معناها الخوف وهو على نوعين: تخاف وأنت تكره مَنْ تخافه وتلعنه لأنه أقوى منك، أو لأنه يذلُّك ويقهرك، فأنت تخافه وتحتقره، وهذا خوف العباد من العباد.
وهناك خوف بحب وهيبة وإجلال على حَدِّ قول الشاعر:
أخافك إجلالاً وما بك قدرة  عليَّ ولكن مِلْءُ عين حبيبها
فأنت تحب مَن تخافه، وتعلم أن له جميلاً عندك، وأنك لا تستطيع أنْ تُوفيه حقه، وهذا هو الخوف من الله. ويساعدنا على فهْم هذا المعنى قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ.. [فاطر: ٢٧-٢٨].
الحق سبحانه هنا لم يأت بحكم شرعي يلزمنا به أو يُخوِّفنا من التهاون فيه، إنما تحدث عن آيات كوْنِه، أرادنا أنْ نبحث فيها ونتأملها، وأنْ نُنقب عن أسرارها وما فيها من جمال.
فكلما نظرنا في آيات الكون من حولنا ازددنا لله خشية، ومهابة وإجلالاً لعظمته ونعمته علينا، والعلماء هم أوْلَى الناس بهذا النظر، وأقرب الناس إلى خشية الله وتقديره حَقَّ قَدْره.
وتأمَّل هنا الاداء القرآني: مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ.. [ق: ٣٣] فاختار صفة الرحمة، ولم يقل مَنْ خشي القهار أو الجبار، لأن الخشية هنا مغلَّفة بالحب وبالرحمة والتعظيم والإجلال لله الذي نخافه ونخشاه.
ثم قيد هذه الخشية بأنها بِٱلْغَيْبِ.. [ق: ٣٣] يعني: ليست معلنة أمام الناس، فالمؤمن الحق يخشى الله في سِرِّه قبل جهره، وفي خلْوته قبل جلوته، يخافه بينه وبين نفسه.
أما ضعيف الإيمان فيخاف الله أمام الناس، وإذا كان في جمع منهم تحدَّث عن الحلال والحرام، لكن إذا خلا بنفسه انتهك حرمات الله.
إذن: فخشيته من الله فيها رياء ويخالطها شرك، لذلك وصف المتقين، ووصف أهل الجنة بأنهم يخشوع الله بالغيب.
ومن معاني الغيب أيضاً أن المؤمن لمّا تُخوِّفه عذاب الله وتذكر له النار وهو ما يزال في سَعَة الدنيا يخاف منها، ويؤمن بوجودها وهو لم يرها، فهذه خشية بالغيب، لأن النار بالنسبة لنا الآن غيب وما صدَّقنا بوجودها إلا لأن الله أخبرنا بها.
والمؤمن يأخذ الخبر عن الله كأنه واقع يراه بعينه، ويلمسه بحواسه، فالخبر من الله أصدق من رؤية العين، وهذه المسألة أوضحناها في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ [الفيل: ١].
فالخطاب هنا لسيدنا رسول الله، وهو لم يَرَ حادثة الفيل، فقد وُلد في هذا العام، فلماذا لم يخاطبه بقوله: ألم تعلم وعدل عنها إلى: ألم تر؟ قالوا: لأن الخبر من الله أصدق من رؤية العين، نعم لأن الرؤية قد تخدعك، أما إخبار الله فصِدْق مطلق.
وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ [ق: ٣٣] أي: قلب أخلص لله وصدق في الطاعة، والقلب هو موضع الإيمان، والله تعالى - كما ذكرنا - يريد منا القلب لا القالب، فالقالب يمكن أنْ تقهره على أنْ يؤمن، أما القلب فلا يأتي إلا بالحب والطواعية.
لذلك جعل الحق سبحانه الإيمان أمراً اختيارياً لا إجبار فيه، وإلا لو شاء سبحانه لأجبر الخلق جميعاً على أنْ يؤمنوا به سبحانه، كما أجبر السماوات والأرض، لكن أراد لعباده أن يأتوه طواعية واقتناعاً.
آية رقم ٣٤
أي: ادخلوا الجنة بِسَلاَمٍ.. [ق: ٣٤] سلامة خالية من المنغِّصات، ولا تنتقل إلى غَمٍّ أو ضيق أبداً بعد ذلك. وهذا القول ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ.. [ق: ٣٤] هو قول الملائكة حين يلقونهم بالسلام.
وكذلك يقولها لهم الحق سبحانه في قوله: سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يس: ٥٨] والذي يلقاه ربه بالسلام فلا شقاءَ له بعدها أبداً.
أو ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ.. [ق: ٣٤] أي: مسلِّمين على إخوانكم، تقولون لهم: السلام عليكم كما كنتم تُسلِّمون عليهم وتُحيونهم بها في الدنيا، كذلك في الآخرة تُحيون بها مالكاً على باب الجنة، وتحيون بها إخوانكم.
ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ [ق: ٣٤] ذلك إشارة إلى يوم القيامة يَوْمُ ٱلُخُلُودِ [ق: ٣٤] يوم البقاء والدوام والنعيم الذي لا ينقطع ولا يزول، وهذا هو الفرْق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
نعيم الدنيا مهما كان يؤرقه على صاحبه أمران: أنْ يفوت النعيم بالموت، او يفوته النعيم بالفقر أو المرض، أما نعيم الآخرة فسالم من كلِّ المنغصات.
وقوله سبحانه: لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا.. [ق: ٣٥] أي: في الجنة. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يقولون: كيف يثبت لهم مشيئة فيما يريدونه وقد ورد: والمشيئة تعني أنهم يعرفون ما يريدونه؟
قالوا: يشاء ما كان يعلمه ويتلذذ به من نعيم الدنيا، في حين أن نعيم الآخرة غيره تماماً ليس له منه إلا الأسماء، أما حقيقة الشيء فتختلف، لذلك قال بعدها وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥].
وقد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله سبحانه: وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً.. [البقرة: ٢٥].
يعني: إذا اشتاقت نفسه مثلاً لأن يأكل المانجو يجدها غير ما عرفه في الدنيا، فإنْ طلبها في اليوم التالي وجدها غير التي أكلها في اليوم الأول وهكذا، فهي متشابهة لكن ليست هي هي.
إذن: جعل لهم مشيئة فيما يعرفون من نعيم الدنيا وفيما يشتهونه منها، أما في الآخرة فشيء آخر بدليل لأنك إذا اشتهيتَ شيئاً طلبته باسمه، والاسم فرع لمعرفة المعنى، وما دام أنها أشياء غريبة عنا فنحن إذن لا نعرفها ولا نعرف لها اسماً.
آية رقم ٣٥
أي: ادخلوا الجنة بِسَلاَمٍ.. [ق: ٣٤] سلامة خالية من المنغِّصات، ولا تنتقل إلى غَمٍّ أو ضيق أبداً بعد ذلك. وهذا القول ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ.. [ق: ٣٤] هو قول الملائكة حين يلقونهم بالسلام.
وكذلك يقولها لهم الحق سبحانه في قوله: سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يس: ٥٨] والذي يلقاه ربه بالسلام فلا شقاءَ له بعدها أبداً.
أو ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ.. [ق: ٣٤] أي: مسلِّمين على إخوانكم، تقولون لهم: السلام عليكم كما كنتم تُسلِّمون عليهم وتُحيونهم بها في الدنيا، كذلك في الآخرة تُحيون بها مالكاً على باب الجنة، وتحيون بها إخوانكم.
ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ [ق: ٣٤] ذلك إشارة إلى يوم القيامة يَوْمُ ٱلُخُلُودِ [ق: ٣٤] يوم البقاء والدوام والنعيم الذي لا ينقطع ولا يزول، وهذا هو الفرْق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
نعيم الدنيا مهما كان يؤرقه على صاحبه أمران: أنْ يفوت النعيم بالموت، او يفوته النعيم بالفقر أو المرض، أما نعيم الآخرة فسالم من كلِّ المنغصات.
وقوله سبحانه: لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا.. [ق: ٣٥] أي: في الجنة. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يقولون: كيف يثبت لهم مشيئة فيما يريدونه وقد ورد: والمشيئة تعني أنهم يعرفون ما يريدونه؟
قالوا: يشاء ما كان يعلمه ويتلذذ به من نعيم الدنيا، في حين أن نعيم الآخرة غيره تماماً ليس له منه إلا الأسماء، أما حقيقة الشيء فتختلف، لذلك قال بعدها وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥].
وقد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله سبحانه: وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً.. [البقرة: ٢٥].
يعني: إذا اشتاقت نفسه مثلاً لأن يأكل المانجو يجدها غير ما عرفه في الدنيا، فإنْ طلبها في اليوم التالي وجدها غير التي أكلها في اليوم الأول وهكذا، فهي متشابهة لكن ليست هي هي.
إذن: جعل لهم مشيئة فيما يعرفون من نعيم الدنيا وفيما يشتهونه منها، أما في الآخرة فشيء آخر بدليل لأنك إذا اشتهيتَ شيئاً طلبته باسمه، والاسم فرع لمعرفة المعنى، وما دام أنها أشياء غريبة عنا فنحن إذن لا نعرفها ولا نعرف لها اسماً.
(كم) هنا خبرية تفيد الكثرة، أي كثيراً ما أهلكنا قَبْلَهُمْ.. [ق: ٣٦] أي: قبل قومك قريش مِّن قَرْنٍ.. [ق: ٣٦] هم الجماعة الذين عاشوا في زمن محدود، وقدَّروه بمائة عام.
وقد يزيد القرن في المعنى عن هذا إذا ارتبط بنبي مثل قوم نوح عليه السلام، فقد اقترنوا جميعاً في نبوته التي استمرت ألف سنة إلا خمسين عاماً، فالقرن من الاقتران، سواء أكان الاقتران في زمن ملِك أو نبي أو حدث.
وفي آية أخرى بيَّن الحق سبحانه كيف أهلك الأمم المكذبة بهم قبلهم، فقال سبحانه: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا.. [العنكبوت: ٤٠].
وكل هؤلاء كانوا أشد من قريش قوة وبطشاً، وأين هم من إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد؟ وأين هم من فرعون ذي الأوتاد.
فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ.. [ق: ٣٦] تنقلوا فيها وسافروا خلالها، والتنقُّل دليل القوة والتمكين، وأنهم غير مشغولين بأمور حياتهم.
وقد بيَّن الحق سبحانه أن الانتقال والسير في الأرض قد يكون للاعتبار كما جاء في قوله سبحانه قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ.. [النمل: ٦٩] وقد يكون لطلب الرزق والسياحة كما في قوله تعالى: قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ.. [الأنعام: ١١].
إذن: فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ.. [ق: ٣٦] ساروا خلالها للمتعة وللانتفاع، حيث لم يكتفوا بما في أوطانهم، بل جابوا أوطاناً أخرى، ولا يفعل ذلك إلى القوي، أما الضعيف فلا يبرح مكانه ويرضى بالقليل.
وفي موضع آخر قال عنهم وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا.. [الروم: ٩].
وكلمة نقب تدل على البحث عن غير الظاهر عن المستور في باطن الأرض. إذن: لم يكتفوا بالظاهر من النعم وبحثوا عن المستور منها.
وقوله: هَلْ مِن مَّحِيصٍ [ق: ٣٦] أي: ملجأ يلجأون إليه ويحميهم من العذاب، والمعنى أن هؤلاء مع ما هم فيه من القوة والتمكين والسير في جنبات الأرض لما نزل بهم العذاب لم يجدوا لهم ملجأ يحميهم، ولا مأوى يدفع عنهم عذاب الله.
وكلمة مَّحِيصٍ [ق: ٣٦] من حاص فهو حايص. نقولها حتى في العامية يعني: حائر يذهب إلى هنا، ويذهب إلى هناك، فلا يغيثه أحد، فلا مهرب ولا مفرّ.
وجاء بالمعنى المراد في صيغة الاستفهام هَلْ مِن مَّحِيصٍ [ق: ٣٦] لتجيب أنت وتقر بالواقع، هل وجدوا ملجأ يلجأون إليه من العذاب؟ والجواب لا.
وهذه الآية وردت لتسلية سيدنا رسول الله والتخفيف عنه لما يلاقيه من عنت قومه وعنادهم، كأنه تعالى يقول لنبيه: لا تحزن يا محمد وخُذْ أسوة بإخوانك من الرسل السابقين، فالغلبة لك في نهاية الأمر.
قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ.. [ق: ٣٧] أي: في قصص الأمم السابقة الذين أخذهم الله لَذِكْرَىٰ.. [ق: ٣٧] تذكير لكم كان يجب عليكم أنْ تعتبروا بهم، وقد بلغكم خبرهم، إما بمشاهدة آثارهم وبقايا ديارهم وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨].
وإما بلغكم بسماع خبرهم من الكتب السماوية، والسمع والبصر أهم وسائل الإدراك في الإنسان، لذلك قال هنا أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧] يعني: سمع وشاهد.
وقوله سبحانه: لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ.. [ق: ٣٧] أي: قلب واعٍ متأمل ومدرك غير لاهٍ ولا غافل، وإلا فما فائدة السمع لمنْ ليس له هذا القلب، إنه يسمع من هنا ويُخرج من هنا، فلا يستفيد بما يسمع.
وكلمة أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ.. [ق: ٣٧] فيها كناية عن الاهتمام بالمسموع، فلم يقل مثلاً لمن يسمع: إنما ألقى أذنه وأنصت ليستمع بحضور قلب ليعي المسموع ويستقبله بما يناسبه من البحث العقلي.
وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧] وشهيد صيغة مبالغة على وزن فعيل تدل أيضاً على الاهتمام بما يشاهده وعلى الانتفاع به، فهو يسمع ويشاهد بقلب حاضر وفهم واعٍ بعيد عن الغفلة.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ... .
الحق سبحانه وتعالى يُبيِّن لنا أنه خلق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهما من الآيات الكونية فيما مجموعه ستة أيام وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق: ٣٨] ما أصابنا من تعب ولا نَصَب.
وهذه الآية لها نظائر في القرآن الكريم دلتْ على أن أيام الخَلْق ثمانية أيام، اقرأ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ [فصلت: ٩] إذن: معنا الآن يومان. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ [فصلت: ١٠] هكذا يكون المجموع ستة أيام ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ.. [فصلت: ١١-١٢].
إذن: المجموع الظاهر ثمانية أيام، وهذا جعل بعض المستشرقين يتهمون الآيات بالتضارب، أهي ستة أيام أم ثمانية. وهذا الاتهام وليد عدم فهمهم لأساليب اللغة ومراميها.
فالحق سبحانه تكلم أولاً عن خَلْق الأرض كجرم مستقل، ثم تكلم عن خَلْق ما يتبع الأرض في تمام أربعة أيام، فالزمن هنا متداخل، واليومان الأولان داخلان في تتمة الأربعة، لأنها في خلق شيء واحد هو الأرض.
لذلك بعد أنْ تحدَّث عن خَلْق الأرض قال سبحانه: فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ [فصلت: ١٠] أي: استوتْ تتمة الأربعة أيام مثل لو قلت: سِرْنا من القاهرة إلى طنطا في ساعة، وإلى الإسكندرية في ساعتين. إذن: ليس في الآيات تعارض، بل هي منسجمة مع بعضها البعض.
ومن القضايا التي أثاروها حول هذه الآية قولهم: إن كان الحق سبحانه ينفذ إرادته ولا يحتاج في الفعل إلى معالجة، فلماذا لم يخلق هذا الكون بكلمة كُنْ، ولا يستغرق الخلق ستة أيام؟
وقلنا في بيان ذلك أن هناك فرقاً بين خَلْق الشيء وبين جَعْل مُقدِّمات للخلق، ثم يدور الشيء في نفسه ويتفاعل إلى ما يصير إليه.
ووضحنا هذا بصناعة علبة الزبادي، حيث نأتي باللبن والخميرة ونخلطهما، ثم نجعل هذا الخليط تحت درجة حرارة معينة، وبعد مدة تتفاعل هذه المكونات وتعطينا الزبادي.
إذن: عالجت هذه المسألة في عدة دقائق لكنها تفاعلت في عدة ساعات، حتى صار إلى ما نريد بعد أنْ وضعنا فيه الأصول والمواد التي تكوِّنه، كذلك في مسألة خَلْق الكون في ستة أيام طبعاً من الأيام التي نعرفها.
ومعنى اللغوب هو القصور الذي يأتي بعد التعب من العمل، إذن: النَّصَب والتعب يصاحب العمل، واللغوب قصور واسترخاء بعد الانتهاء، فإذا نفى الأقل فالأكثر من باب أوْلى لم يحدث.
إذن: المراد لم يحدث القصور ولم يحدث التعب، كما جاء في قوله تعالى: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ.. [البقرة: ٢٥٥] والسِّنَة غفلة تسبق النوم، فنَفْي السِّنة يعني نفي النوم من باب أوْلى.
الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم بعدما لاقى من إيذاء قومه. يقول له: باشر أمر دعوتك ولا تحزن لما يقولون، ولا تيأس من نصرك عليهم، لأن رسول الله وصحابته لما اشتد بهم الإيذاء استبطأوا النصر.
وفي ذلك قال تعالى: وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ.. [البقرة: ٢١٤] وهنا يقول له فَٱصْبِرْ.. [ق: ٣٩] لأن كل صبر على بلاء وإيذاء بأجر ومنزلة، فكلما ازدادوا في الإيذاء اصبر على أذاهم، فهم يزدادون إثماً وأنت تزداد أجراً.
وقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.. [ق: ٣٩] أي: نزِّه ربك تعالى عن كلِّ نقص، وعن كل ما لا يليق به سبحانه من صفات يتصف بها خَلْقه، فالله له يد لكن ليستْ كأيدينا، وله سمع ولكن ليس كسمعنا، فخذ هذه الصفات في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
لذلك الحق سبحانه وتعالى استهلَّ خبر الإسراء والمعراج بقوله تعالى: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] أي: نزّه الله عن صفات النقص، ونزّه الله عن مشابهة خَلْقه، لأن في القصة خرقاً للنواميس التي يعرفها الخَلْق.
إذن: لا تستبعد هذا الحدث لأنه منسوب إلى الله لا إلى البشر، فمحمد لم يقُلْ: سريتُ بل قال: أُسْري بي.
والسرعة هنا في قطع المسافة تُحسب بقوة الفاعل، فأنت تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالحصان في عشر ساعات، وبالسيارة في ثلاث ساعات، وبالطائرة في نصف ساعة، وبالصاروخ في عدة دقائق.
وهكذا تتناسب السرعة مع فاعلها، فكلما ازدادت القوة قل الزمن، فإذا كان صاحب السرعة هو الحق سبحانه وتعالى، فالزمن هنا لا يُذكر، وكوْن رسول الله استغرق في هذه الرحلة ليلة، فهذا لأنه تعرَّض لمرائي عدة استغرقتْ هذا الوقت.
ومعنى وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [ق: ٣٩] أي: سبِّح ربك تسبيحاً مقروناً بالحمد على النعم، لذلك تجد أن لفظ التسبيح يأتي دائماً مقروناً بنعمة من نعم الله، وآية لا يستطيعها أحد سواه سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦].
لذلك رأينا على مَرِّ التاريخ الكفار والمشركين والملاحدة يعبدون أصنامهم وآلهتهم ويقدسونها، ومع ذلك لم يقُلْ أحد لمعبوده: سبحانك أبداً لأنها لا تُقال إلا لله.
كما أن لفظ الجلالة الله لم يُسمِّه أحد رغم وجود الملاحدة ومُنكري الألوهية، لكن لم يجرؤ أحد منهم أنْ يُسمي ولده هذا الاسم، لأنه يخاف أنْ يُسمِّي ولده الله.
لذلك قال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم: ٦٥] إذن: أمران لم يجرؤ أحد عليهما لعظمة الله سبحانه، حتى فيما للخَلْق فيه اختيار.
كما نفهم من قوله تعالى وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.. [ق: ٣٩] أن السُّبحانية هذه من النعم التي تستوجب الحمد، فكوْنُ الحق سبحانه مُنزّه عن الشبيه، مُنزه عن المثيل، مُنزه عن الشريك، هذه من أعظم النعم على العباد.
فلو أن لله تعالى مثيلاً أو شريكاً أو نظيراً لفسدتْ حياتنا، ولَشقينا نحن بهذه المثلية، وما هنئ لنا عيش.
لذلك يقول تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢] وقال: مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون: ٩١].
ومعنى قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ * وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ [ق: ٣٩-٤٠] يعني: سبِّحه تسبيحاً دائماً لا ينقطع، فهذه الأوقات المذكورة تستوعب اليوم والليلة، لأن من الناس مَنْ يعمل بالنهار وينام بالليل، ومنهم مَنْ يعمل بالليل وينام بالنهار، فهذا انقطع تكليفه بالليل، وهذا انقطع تكليفه بالنهار.
وهذه الآية لها نظائر في آيات أخرى لكن لكل منها معنى، يقول تعالى في موضع آخر: فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا.. [طه: ٣٠] فهنا قال: ٱلْغُرُوبِ [ق: ٣٩] وهناك قال غُرُوبِهَا.. [طه: ٣٠] فقالوا: إذن: ما الفرق بينهما؟ وأيهما أبلغ؟
نقول: كلُّ لفظ منهما بليغ في موضعه، فالشمس حين تغرب، منا مَنْ يشاهد آية الغروب، ومنا مَنْ لا يشاهده لغيم أو غيره، ويحكم بالغروب بشواهد أخرى تدل عليه.
لذلك في رمضان مثلاً، كثيرٌ منّا لا يرى غروب الشمس، ومع ذلك يفطر لأن لديه أدلة أخرى على الوقت، إذن: قوله تعالى وَقَبْلَ غُرُوبِهَا.. [طه: ٣٠] لمن شاهد الغروب، وقوله: وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ [ق: ٣٩] لمن لم يشاهده.
كذلك في قوله تعالى: وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ [ق: ٤٠] وقال في موضع آخر: وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ.. [طه: ٣٠] فالأَوْلَى لمن يريد أنْ يسبح في وقت واحد من الليل ثم ينام، والأخرى لمَنْ أراد أنْ يُسبّح ثم ينام، ثم يُسبِّح ثم ينام، يعني مرات متعددة أثناء الليل.
ومعنى وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ [ق: ٤٠] يعني: عقب الصلوات، وقد بيَّن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية التسبيح عقب الصلوات.
آية رقم ٤٠
الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم بعدما لاقى من إيذاء قومه. يقول له: باشر أمر دعوتك ولا تحزن لما يقولون، ولا تيأس من نصرك عليهم، لأن رسول الله وصحابته لما اشتد بهم الإيذاء استبطأوا النصر.
وفي ذلك قال تعالى: وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ.. [البقرة: ٢١٤] وهنا يقول له فَٱصْبِرْ.. [ق: ٣٩] لأن كل صبر على بلاء وإيذاء بأجر ومنزلة، فكلما ازدادوا في الإيذاء اصبر على أذاهم، فهم يزدادون إثماً وأنت تزداد أجراً.
وقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.. [ق: ٣٩] أي: نزِّه ربك تعالى عن كلِّ نقص، وعن كل ما لا يليق به سبحانه من صفات يتصف بها خَلْقه، فالله له يد لكن ليستْ كأيدينا، وله سمع ولكن ليس كسمعنا، فخذ هذه الصفات في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
لذلك الحق سبحانه وتعالى استهلَّ خبر الإسراء والمعراج بقوله تعالى: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] أي: نزّه الله عن صفات النقص، ونزّه الله عن مشابهة خَلْقه، لأن في القصة خرقاً للنواميس التي يعرفها الخَلْق.
إذن: لا تستبعد هذا الحدث لأنه منسوب إلى الله لا إلى البشر، فمحمد لم يقُلْ: سريتُ بل قال: أُسْري بي.
والسرعة هنا في قطع المسافة تُحسب بقوة الفاعل، فأنت تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالحصان في عشر ساعات، وبالسيارة في ثلاث ساعات، وبالطائرة في نصف ساعة، وبالصاروخ في عدة دقائق.
وهكذا تتناسب السرعة مع فاعلها، فكلما ازدادت القوة قل الزمن، فإذا كان صاحب السرعة هو الحق سبحانه وتعالى، فالزمن هنا لا يُذكر، وكوْن رسول الله استغرق في هذه الرحلة ليلة، فهذا لأنه تعرَّض لمرائي عدة استغرقتْ هذا الوقت.
ومعنى وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [ق: ٣٩] أي: سبِّح ربك تسبيحاً مقروناً بالحمد على النعم، لذلك تجد أن لفظ التسبيح يأتي دائماً مقروناً بنعمة من نعم الله، وآية لا يستطيعها أحد سواه سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦].
لذلك رأينا على مَرِّ التاريخ الكفار والمشركين والملاحدة يعبدون أصنامهم وآلهتهم ويقدسونها، ومع ذلك لم يقُلْ أحد لمعبوده: سبحانك أبداً لأنها لا تُقال إلا لله.
كما أن لفظ الجلالة الله لم يُسمِّه أحد رغم وجود الملاحدة ومُنكري الألوهية، لكن لم يجرؤ أحد منهم أنْ يُسمي ولده هذا الاسم، لأنه يخاف أنْ يُسمِّي ولده الله.
لذلك قال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم: ٦٥] إذن: أمران لم يجرؤ أحد عليهما لعظمة الله سبحانه، حتى فيما للخَلْق فيه اختيار.
كما نفهم من قوله تعالى وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.. [ق: ٣٩] أن السُّبحانية هذه من النعم التي تستوجب الحمد، فكوْنُ الحق سبحانه مُنزّه عن الشبيه، مُنزه عن المثيل، مُنزه عن الشريك، هذه من أعظم النعم على العباد.
فلو أن لله تعالى مثيلاً أو شريكاً أو نظيراً لفسدتْ حياتنا، ولَشقينا نحن بهذه المثلية، وما هنئ لنا عيش.
لذلك يقول تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢] وقال: مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون: ٩١].
ومعنى قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ * وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ [ق: ٣٩-٤٠] يعني: سبِّحه تسبيحاً دائماً لا ينقطع، فهذه الأوقات المذكورة تستوعب اليوم والليلة، لأن من الناس مَنْ يعمل بالنهار وينام بالليل، ومنهم مَنْ يعمل بالليل وينام بالنهار، فهذا انقطع تكليفه بالليل، وهذا انقطع تكليفه بالنهار.
وهذه الآية لها نظائر في آيات أخرى لكن لكل منها معنى، يقول تعالى في موضع آخر: فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا.. [طه: ٣٠] فهنا قال: ٱلْغُرُوبِ [ق: ٣٩] وهناك قال غُرُوبِهَا.. [طه: ٣٠] فقالوا: إذن: ما الفرق بينهما؟ وأيهما أبلغ؟
نقول: كلُّ لفظ منهما بليغ في موضعه، فالشمس حين تغرب، منا مَنْ يشاهد آية الغروب، ومنا مَنْ لا يشاهده لغيم أو غيره، ويحكم بالغروب بشواهد أخرى تدل عليه.
لذلك في رمضان مثلاً، كثيرٌ منّا لا يرى غروب الشمس، ومع ذلك يفطر لأن لديه أدلة أخرى على الوقت، إذن: قوله تعالى وَقَبْلَ غُرُوبِهَا.. [طه: ٣٠] لمن شاهد الغروب، وقوله: وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ [ق: ٣٩] لمن لم يشاهده.
كذلك في قوله تعالى: وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ [ق: ٤٠] وقال في موضع آخر: وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ.. [طه: ٣٠] فالأَوْلَى لمن يريد أنْ يسبح في وقت واحد من الليل ثم ينام، والأخرى لمَنْ أراد أنْ يُسبّح ثم ينام، ثم يُسبِّح ثم ينام، يعني مرات متعددة أثناء الليل.
ومعنى وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ [ق: ٤٠] يعني: عقب الصلوات، وقد بيَّن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية التسبيح عقب الصلوات.
آية رقم ٤١
المنادي هنا إسرافيل الملَك المكلَّف بالنفخ في الصور، والمراد بالصيحة النفخة الثانية التي تُخرج الناس من القبور للبعث، الحق سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ.. [ق: ٤١].
والكلام هنا يأتي بعدما تعرّض له رسول الله من الإيذاء بالقول وبالفعل، فكأن ربه عز وجل يُواسيه، يقول له: إنْ كانوا فعلوا ذلك فانتظر هذا اليوم يوم ينادي عليهم المنادي يوم يقفون للحساب والجزاء.
واستمع لما يحدث منهم في هذا الموقف، وكيف سيندمون ويتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً، كما يقولون في المثل الفلاحي (بكره نقعد على الحيطة ونسمع الظيطة) يعني: انتظر يا محمد وسوف تسمع بهم.
وقوله: مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ [ق: ٤١] أي: أن المنادي سيكون قريباً من كل واحد كأنه ملازمه، وكأن كلَّ واحد منا معه مناديه يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ.. [ق: ٤٢] أي النفخة الثانية
بِٱلْحَقِّ.. [ق: ٤٢] الحق الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويُكذِّبون به وهو البعث.
وقد حكى القرآن قولهم: أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.. [الرعد: ٥] وقوله سبحانه: ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ [ق: ٤٢] أي: البعث والخروج من القبور، والنفخة الثانية ستكون بعد موت جميع الخلائق بالنفخة الأولى.
لذلك كان سيدنا رسول الله دائماً يقرأ بسورة (ق) في العيدين لقوله تعالى فيها
ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ [ق: ٤٢] والخروج مُستحب في العيدين حتى الحائض تخرج ليس للصلاة، إنما لتشهد الخير وجماعة المسلمين في هذا اليوم.
ولذلك سَنَّ لنا رسول الله أنْ تكون صلاة العيدين في الخلاء، لأنها صلاة يحضرها مَنْ لا تصح الصلاة منه.
كما أن في القراءة بسورة (ق) في العيدين إشارة إلى أن يوم العيد والخروج والفرحة والزينة ينبغي ألاَّ تُنسينا يوم الخروج الأكبر، يوم القيامة.
آية رقم ٤٢
المنادي هنا إسرافيل الملَك المكلَّف بالنفخ في الصور، والمراد بالصيحة النفخة الثانية التي تُخرج الناس من القبور للبعث، الحق سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ.. [ق: ٤١].
والكلام هنا يأتي بعدما تعرّض له رسول الله من الإيذاء بالقول وبالفعل، فكأن ربه عز وجل يُواسيه، يقول له: إنْ كانوا فعلوا ذلك فانتظر هذا اليوم يوم ينادي عليهم المنادي يوم يقفون للحساب والجزاء.
واستمع لما يحدث منهم في هذا الموقف، وكيف سيندمون ويتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً، كما يقولون في المثل الفلاحي (بكره نقعد على الحيطة ونسمع الظيطة) يعني: انتظر يا محمد وسوف تسمع بهم.
وقوله: مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ [ق: ٤١] أي: أن المنادي سيكون قريباً من كل واحد كأنه ملازمه، وكأن كلَّ واحد منا معه مناديه يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ.. [ق: ٤٢] أي النفخة الثانية
بِٱلْحَقِّ.. [ق: ٤٢] الحق الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويُكذِّبون به وهو البعث.
وقد حكى القرآن قولهم: أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.. [الرعد: ٥] وقوله سبحانه: ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ [ق: ٤٢] أي: البعث والخروج من القبور، والنفخة الثانية ستكون بعد موت جميع الخلائق بالنفخة الأولى.
لذلك كان سيدنا رسول الله دائماً يقرأ بسورة (ق) في العيدين لقوله تعالى فيها
ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ [ق: ٤٢] والخروج مُستحب في العيدين حتى الحائض تخرج ليس للصلاة، إنما لتشهد الخير وجماعة المسلمين في هذا اليوم.
ولذلك سَنَّ لنا رسول الله أنْ تكون صلاة العيدين في الخلاء، لأنها صلاة يحضرها مَنْ لا تصح الصلاة منه.
كما أن في القراءة بسورة (ق) في العيدين إشارة إلى أن يوم العيد والخروج والفرحة والزينة ينبغي ألاَّ تُنسينا يوم الخروج الأكبر، يوم القيامة.
آية رقم ٤٣
بعد أنْ قال سبحانه ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ [ق: ٤٢] يقرر هذه الحقيقة ويأتي بالنتيجة، فيقول إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ.. [ق: ٤٣] ولأن البعض ينكر هذه الحقيقة أكدها سبحانه بتكرار الضمير.
إِنَّا نَحْنُ.. [ق: ٤٣] فهو وحده سبحانه القادر على ذلك وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ [ق: ٤٣] أي: المرجع والمآب، فالبداية منا والنهاية إلينا.
يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً.. [ق: ٤٤] أي: يخرجون منها مُسرعين لأنهم يستجيبون للصيحة في وقت واحد فيخرجون مُسرعين دون تأخير.
ذَلِكَ.. [ق: ٤٤] إشارة إلى ما يحدث في ذلك اليوم من تشقُّق الأرض وخروج الناس من قبورهم مُسرعين، وجمعهم في مكان واحد للحشر، وهذا الحشر عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق: ٤٤].
بعد أنْ قال سبحانه ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ [ق: ٤٢] يقرر هذه الحقيقة ويأتي بالنتيجة، فيقول إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ.. [ق: ٤٣] ولأن البعض ينكر هذه الحقيقة أكدها سبحانه بتكرار الضمير.
إِنَّا نَحْنُ.. [ق: ٤٣] فهو وحده سبحانه القادر على ذلك وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ [ق: ٤٣] أي: المرجع والمآب، فالبداية منا والنهاية إلينا.
يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً.. [ق: ٤٤] أي: يخرجون منها مُسرعين لأنهم يستجيبون للصيحة في وقت واحد فيخرجون مُسرعين دون تأخير.
ذَلِكَ.. [ق: ٤٤] إشارة إلى ما يحدث في ذلك اليوم من تشقُّق الأرض وخروج الناس من قبورهم مُسرعين، وجمعهم في مكان واحد للحشر، وهذا الحشر عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق: ٤٤].
وما دام أننا أعلم بهم وبما يقولون فدَع الجزاء لنا، لأنك إنْ جازيتهم تُجازيهم على قدر قوتك، ونحن نجازيهم على قدْر قوتنا، ولن نرحمهم ولن يفلتوا من العقاب، إذن: اترك لنا هذه المسألة فنحن أقدر على تأديبهم.
وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.. [ق: ٤٥] فمهمتك البلاغ فلا تتعب نفسك معهم، ولا تكلف نفسك فوق طاقتها، كما عاتب الحق سبحانه قوله: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣].
ومعنى وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ.. [ق: ٤٥] أي: تجبرهم على الإيمان، لأني لو أردتُ ذلك لأجبرتهم على الإيمان كما أجبرت غيرهم، إنما أنا أريدهم طواعية مختارين.
فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ.. [ق: ٤٥] فهذه مهمتك أنْ تُذكِّر الناس بهذا القرآن.
ثم قيَّد التذكير هنا بقوله: مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق: ٤٥] أي: يخاف وعيدي وإنذاري، ولا يخاف الوعيد إلا مؤمن وعنده استعداد وقابلية للتلقِّي والاستجابة.
وسبق أنْ أوضحنا الفرق بين الفعل والقابل للفعل، فليس كل مَنْ يستمع القرآن سواء، فمن الناس مَنْ يستمع ويثمر فيه السماع فيستجيب، ومنهم مَنْ يستمع دون وعي ودون تأمل، فكأنه لم يسمع شيئاً.
لذلك قال تعالى في وصفهم: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً.. [محمد: ١٦].
فهذا السماع عمل الجارحة فقط بلا قلب يستقبل ويعي قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى.. [فصلت: ٤٤].
إذن: فالقرآن واحد لكن المستقبل مختلف، منهم مَنْ يستمع بقلب وَاعٍ ونفس صافية وذِهْن خالٍ من الضد ومن العقائد الفاسدة فيتأثر ويستجيب، ومنهم مَنْ يستمع بقلب معاند وذهن مشغول بعقائد مخالفة تمنعه من الاستجابة.
لذلك قلنا لمن يفاضل بين أمرين: ينبغي أنْ تُخرجَ الجميع من قلبك، ثم تخلو من نفسك وتفكر وتبحث في الأمرين.
قال تعالى: قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ.. [سبأ: ٤٦]
فالتفكير الجماعي تفكير غير منظم ولا يصل إلى الصواب غالباً.
تذكرون أننا قلنا في توضيح اختلاف الأثر للفعل الواحد أنك تنفخ في يدك في الشتاء للتدفئة وتنفخ في الشاي مثلاً لتبرده.
فالحق سبحانه وتعالى هنا خَصَّ بالتذكير مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق: ٤٥] لأنه صاحب القلب الواعي والذهن الخالي من المخالف الخالي من الغش ومن الضلال، وهذا هو المستقبل الصحيح للقرآن.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

45 مقطع من التفسير