تفسير سورة سورة ق

نور الدين أحمد بن محمد بن خضر العمري الشافعي الكازروني

الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم

نور الدين أحمد بن محمد بن خضر العمري الشافعي الكازروني (ت 923 هـ)

إلاَّ آية:﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾[ق: ٣٨].
لَمَّا ذكر عدم إيمانهم أكده باليمين بقوله: ﴿ بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيـمِ * قۤ ﴾: كما مرَّ، أو إشارة إلى نحو: قضي الأمر، اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجد، حلف بهذا ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ ﴾: العظيم أو ذوي المجد، أي: سعة الكرم، فإنه تضمن كل المكارم وجوابه: ما آمنوا يدل عليه ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾: بالبعث والجزاء ﴿ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ ﴾: أي: قالوا: ﴿ هَـٰذَا ﴾: الإنذار ﴿ شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾: ﴿ أَ ﴾ نرجع ﴿ ءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ ﴾: البعث ﴿ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾: عن الإمكان ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ﴾ تأكل ﴿ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾: هو اللوح، إذ فيه تفصيل كل شيء ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ ﴾: القرآن ﴿ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيۤ ﴾: شأنه في ﴿ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾: مضطرب، جعلون مرة سحرا ومرة شعرا وغير ذلك ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ ﴾: منكروا البعث ﴿ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾: الكائنة فوقهم ﴿ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا ﴾: رفعناها بلا عمد ﴿ وَزَيَّنَّاهَا ﴾: بالكواكب ﴿ وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ﴾: فتوق، بل ملساء ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾: بسطناها ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا ﴾ جبالا ﴿ رَوَاسِيَ ﴾: ثوابت ﴿ وَأَنبَتْنَا فِيهَا ﴾: الأرض ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾: صنف ﴿ بَهِيجٍ ﴾: حسن المنظر ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾: راجع إلينا بالتَّفَكُّر في صُنعنا ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً ﴾: المطر ﴿ فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ﴾: الزَّرْع ﴿ ٱلْحَصِيدِ ﴾: الذي يحصد ﴿ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ ﴾: طوالا أو حوامل ﴿ لَّهَا طَلْعٌ ﴾: أول ما يظهر ﴿ نَّضِيدٌ ﴾: منضود بعضها فوق بعض لكثرتها ﴿ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ ﴾: بالماء ﴿ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ﴾: الإحياء ﴿ ٱلْخُرُوجُ ﴾: من القبر للبعث ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ ﴾: بئرٌ كان قومُ شعيب يعبدون الأصنام عندها كما مرّ ﴿ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴾: قومه ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ ﴾: قوم شعيب ﴿ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ ﴾: كما مر ﴿ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ ﴾: وجب عليهم ﴿ وَعِيدِ ﴾: أي: عذابي ﴿ أَفَعَيِينَا ﴾: عجزنا ﴿ بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ ﴾: حتى نعجز عن الإعادة ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ ﴾: شبهة ﴿ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾: بمخالفته العادة لا إنكاراً لقدرتنا، نكرهُ تعظما.
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ ﴾: الباء صلة ﴿ نَفْسُهُ ﴾: أي: ما تحدثونه على سبيل الوسوسة ﴿ وَنَحْنُ ﴾: بعلمنا ﴿ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ﴾: المخالط لأجزائه وهو عرقٌ في العنق، وقيل غير ذلك، وهو لغةً: أعمُّ من الشرايين النابتة من القلب والأوردة النابتة من الكبد، وهذا مثل في نهاية القرب ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ﴾: يأخذ ويثبت الملكان ﴿ ٱلْمُتَلَقِّيَانِ ﴾: ما يلفظه ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ ﴾: قعيد ﴿ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾: أفاد بقربه علما غناه عن استحفاظهما فحكمته تشديد تَثبيطِنا عن المعصية ونحو ذلك ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾: حتى أنينه فر مرضه ﴿ إِلاَّ لَدَيْهِ ﴾: ملك ﴿ رَقِيبٌ ﴾: يرقبه ﴿ عَتِيدٌ ﴾: حاضره واعلم أن صاحب الشِّمال كاتب المباح فتنبه، وفي الحديث:" إنَّ كاتب الحسنات أمين على كاتب السَّيئات، فإذا عمل حنسةً كتبها ملك اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال لصاحبه: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر ".
﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ ﴾: شدة ﴿ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ﴾: الذي أنكرتموه من أمور الآخر فالباء للتعدية، وأتى بالماضي لقربها ﴿ ذَلِكَ ﴾: الموت ﴿ مَا كُنتَ ﴾: يا إنسان ﴿ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾: تفر ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ﴾: للبعث وقت ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ﴾: وقت إنجاز ﴿ ٱلْوَعِيدِ * وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا ﴾: ملكان ﴿ سَآئِقٌ ﴾: إلى المحشر ثم إلى مقعده، و ﴿ وَشَهِيدٌ ﴾: على أعماله، يقال للكافر: ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾: اليوم ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ ﴾: الحاجب لأمور المعاد فعاينتها ﴿ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾: يدرك ما أنكرته في الدنيا ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾: الملك الموكل عليه في الدنيا ﴿ هَـٰذَا ﴾: الكتاب لأعمالك ﴿ مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾: حاضر، فيقال للسائق والشهيد ﴿ أَلْقِيَا ﴾: أيها الملكان، أو المخاطب واحد، والتثنية لتكرير الفعل ﴿ فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾: معاند ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾: المال أو الإسلام ﴿ مُعْتَدٍ ﴾: ظالم ﴿ مُّرِيبٍ ﴾: شاك في دينه ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴾: لما قال: رب إن الملك زاد علي في الكتابة ﴿ قَالَ قرِينُهُ ﴾: الملك ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ﴾: ما زدت عليه فيها ﴿ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾: عن الحق والاستئناف لأنه جواب محذوف بخلاف الأول ﴿ قَالَ ﴾: الله تعالى: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ على لسان رسلي ﴿ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾: بتعذيبكم ودلائل عفو العصاة تخصيص لا تبديل ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ ﴾: ذو ظلم ﴿ لِّلْعَبِيدِ ﴾: بتعذيب من لا يستحق وقد مر بيانه، اذكر ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾: بأصحابك ﴿ وَتَقُولُ ﴾: جهنم ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾: تطلب الزيادة أو تستبعدها أو ليس لي مزيد ﴿ وَأُزْلِفَتِ ﴾: قربت ﴿ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾: بطي المسافة بينهما إكراماً لهم كائنة ﴿ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾: منهم بحيث يرونها، والتذكير لمعنى البستان، يقال لهم: ﴿ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ ﴾: بدل من المتقين ﴿ أَوَّابٍ ﴾: رجاع إلى الله تعالى ﴿ حَفِيظٍ ﴾: لحدوده ﴿ مَّنْ ﴾: بدل آخر ﴿ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾: في سره، أفاد بتخصيص الرحمن أنهم يخشونه مع علمهم بسعة رحمته، والخشية: الخوف إلا أنه لوحظ في الأول ضفع الخاشي، وفي الثانية عظمة المخشي والهيبة ملحوظة في تقاليب خ. ش. ي ﴿ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ﴾: راجع إلى الله تعالى، يقال لهم: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ﴾: من الله تعالى أو سالمين ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ﴾: تقدير ﴿ ٱلُخُلُودِ ﴾: في النعم ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾: على مشيئتهم.
﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ ﴾: قبل قريش ﴿ مِّن قَرْنٍ ﴾: من الكفار ﴿ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً ﴾: قوة ﴿ فَنَقَّبُواْ ﴾: فتشوا ﴿ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾: لهم ﴿ مِن مَّحِيصٍ ﴾: مفر من الموت فلم يجدوا ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾: المذكور ﴿ لَذِكْرَىٰ ﴾: عظة ﴿ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾: عَقْل ﴿ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ ﴾: إلى النصح ﴿ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾: حاضر بالقلب ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾: كما مر أو من الاحد إلى الجمعة ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾: تعب، لا كما قال اليهود: استراح في السبت واستلقى على العرش ﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾: المكذبون ﴿ وَسَبِّحْ ﴾: صل ملتبسا ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ ﴾: الصبح ﴿ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾: هو العصر ﴿ وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾: من المغربان، وقيل: الأول العصر، والثاني: التهجد، إذ قبل الإسراء كانت الثلاث فرضا ﴿ وَأَدْبَارَ ﴾: أعقاب ﴿ ٱلسُّجُودِ ﴾: الصلوات، أي: سنة الفجر أوالنوافل بعد الصلوات ﴿ وَٱسْتَمِعْ ﴾: يا محمد ما أخبرك من الأهوال ﴿ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ ﴾: إسرافيل ﴿ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾: من السماء هو صخرة بيت المقدس، يقول: أيتها العظام البالية، واللحوم المتمزقة، هَلُمُّوا إلى الحشر لفصل القضاء ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ﴾: بالبعث أي: النفخة الثانية، وناصبُهُ، نحو: يَعْلمون عواقبهم ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ ﴾: من القبور ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ ﴾: للجَزاء ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ ﴾: تنشقُّ ﴿ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ﴾: مُسْرعين في الخروج ﴿ ذَلِكَ ﴾: الحشرُ ﴿ حَشْرٌ عَلَيْنَا ﴾: فقط ﴿ يَسِيرٌ * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ﴾: قريش ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾: في إيمانهم، نُسِخَت بالقتال ﴿ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴾: فإنه متنفع به - [واللهُ أعْلَمُ بالصَّواب].
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

3 مقطع من التفسير