تفسير سورة سورة الفتح

الشعراوي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

آية رقم ١
الحق سبحانه وتعالى هنا يتكلم بصيغة الجمع (إنَّا) الدال على العظمة، ذلك لأن الله تعالى يزاول مُلكَه لا بصفة واحدة، إنما بصفات متعددة وكمالات شتى، في القدرة والعلم والحكمة وغيرها من صفاته سبحانه.
لكن حينما يتكلم عن ذاته سبحانه يتكلم بصيغة المفرد الواحد، فيقول مثلاً: إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ.. [طه: ١٤] ليثبت لنفسه تعالى الوحدانية، فإنْ تكلم عن فعل من أفعاله قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].
ونلاحظ هنا أنه سبحانه أكد ضمير المتكلم (إنَّا) بقوله (نحن) ثم كرر الضمير في (نزلنا) وفي وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] ذلك ليؤكد أهمية المنهج الذي جاء به القرآن، وأنه منهج سماوي من عنده سبحانه، وأنه مُعجز للخلق، وفي هذا بيان لفضل القرآن الكريم.
ومادة (فتح) تأتي بمعانٍ متعددة، نقول، فتح الباب. وهذا المعنى يدل على فتح المغاليق ويكون في الأمر الحسي، كما في قوله تعالى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام: وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ.. [يوسف: ٦٥].
وهناك فتح معنوي في الأمر الذي يأتي بالخير كما في قوله تعالى في المنافقين: أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ.. [البقرة: ٧٦] أي: ما أعطاكم في التوراة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في التوراة. وهناك فتح بمعنى: حكم وفصل كما في قوله تعالى: رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩].
ومن معاني الفتح: النصر كما في الآية التي معنا، بدليل قوله تعالى بعدها: وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [الفتح: ٣] لأن الدعوة حين قامت، وعارضها كفار مكة وصَمُّوا آذانهم عنها وعاندوها استهزاءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وإيلاماً له ولمَنْ آمن بدعوته.
كان الحال كأن الباب مغلق في وجه الدعوة، فقال الله له إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً [الفتح: ١] أي: فتح ظاهر واضح، فتح لباب انتشار الدعوة وقوتها بحيث يكون لها قوة وشوكة ومنعة، فبعد أنْ كانت قريش تحاصرها لتقضي عليها فتح لها الباب فجابت الجزيرة العربية كلها، وبعد أنْ كانت قريش تضيق على الدعوة الخناق أصبح العربُ كلهم يحتضنونها ويدافعون عنها.
وفي آية أخرى شرح لنا مسألة الفتح هذه، فقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.. [الرعد: ٤١] يحكم بنصرة الإسلام وانتشاره في بقاع الأرض، وإذا حكم الله وقضى فلا رادَّ لقضائه، ولا مُعقبَ لحكمه مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا.. [فاطر: ٢] وما دام أن الله فتح فلا يضرك أنْ يغلق البشر.
الفعل (فتح) يتعدى بنفسه في الفتح الحسيِّ نقول: فتح الباب ويتعدى باللام كما في إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ.. [الفتح: ١] أي: نصرناك ويتعدَّى بـ (على) في الأمور المعنوية، وفي الخيرات يسوقها الله إليك ويُنزلها عليك.
لذلك مشهور في الدعاء أن نقول: فتح الله عليك، كأن الخيرات ستنزل عليك كالمطر ينزل على رأسك، ومن ذلك قوله تعالى مع الفارق بين الحالين: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ.. [الأنعام: ٤٤] يعني: أتيناهم بالخيرات من كل ناحية حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ.. [الأنعام: ٤٤] أي: فرح البطر والتعالي فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [الأعراف: ٩٥].
لأنه كما سبق أنْ قلنا: إذا أردتَ أنْ تُوقع برجل لا تُوقعه من على الحصيرة مثلاً، إنما ترفعه إلى أعلى ليزيد الإيلام، كذلك هؤلاء فتح الله عليهم أبواب الخيرات من كل ناحية ليؤمنوا، لكنه نسوا ما ذكِّروا به، فأخذهم أخْذ عزيز مقتدر.
والنعمة إذا لم تُقابل بالشكر انقلبتْ إلى نقمة كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧] والأخذ حال النعمة والرفاهية أنكى وأوجع من الأخذ حال الفقر، فالأخذ مع النعمة فيه يأسٌ بعد إطماع، مثل السجين الذي يطلب الماء لشدة عطشه، فيأتي له الحارسُ بكوب الماء حتى يقترب من فمه فيُريقه على الأرض.

وقوله تعالى:

لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ... .
سبق في سورة محمد أنْ بيَّنا معنى الذنب في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم وقلنا: إنه من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، لذلك عدّ النسيان في حقه ذنباً لأنه نبي موصول بالوحي، مؤتمن على منهج الله، فلا يُتصوَّر منه النسيان الذي يحدث من باقي أمته.
لذلك تجاوز الله لهم عن النسيان في حين لم يتجاوز عنه لرسول الله، ومثّلنا لذلك بنسيان سيدنا آدم وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] وسمّي هذا النسيان معصية.
فالمغفرة لرسول الله من هذه الأمور أمثال عتاب الله له: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ.. [التحريم: ١] وقوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] وقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦].
فالله يعاتب رسوله شفقة عليه ورحمة به صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول له: يا محمد لا تحزن ولا تُحمِّل نفسك فوق طاقتها، لأن لك رصيداً من الله فالاستغفار من مثل هذه الأمور، لا أنه أذنب ذنباً فيه مخالفة للمنهج حاشاه صلى الله عليه وسلم أنْ يكون منه ذلك.
وكلمة لِّيَغْفِرَ.. [الفتح: ٢] من غفر والغفر هو الستر، وسَتْر الذنب إما أنْ يكون بعده بمنع العقوبة عليه أو يستر الذنب قبل أنْ يحدث فلا يحدث أصلاً، هذا معنى مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ.. [الفتح: ٢] ما تقدم يستر عقوبته، وما تأخر يستر الذنب نفسه فلا يقع.
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ.. [الفتح: ٢] تمام النعمة على رسول الله أنْ بعثه الله للناس كافة لكل زمان ولكل مكان، وكان الرسلُ قبله يُبعث الرسولُ إلى قوم معينين في زمن معين، أما سيدنا رسول الله فقد جاء على موعد مع التقاء حضارات الدنيا كلها واتصال بين المشرق والمغرب، فجاء رسولاً عاماً وخاتماً للرسالات، لذلك نقول: سيد الرسل وخاتم الأنبياء.
ومن تمام النعمة أن الله فتح له، وأزال من أمامه العقبات التي كانت تعرقل مسيرة الدعوة حتى دانتْ له الجزيرة العربية كلها وشملها الإسلام، وعلى يديه هدى اللهُ هذه الأمة فحملت رسالته من بعده وساحت بها في شتى بقاع المعمورة.
فجذب إليه أعظم حضارتين في هذا الوقت، هما: حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب، حتى إنهم ليقولون: من عجائب هذا الدين أنه فتح نصف الكرة الأرضية في نصف قرن من الزمان، وهذه لم تحدث من قبل.
والحق سبحانه يشرح لنا مسألة تمام النعمة هذه في قوله تعالى: ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً.. [المائدة: ٣].
لذلك لما سمع سيدنا أبو بكر هذه الآية قال: لقد نعى محمد نفسه بهذه الآية. لأنه لا شيء بعد التمام إلا النقصان، فأخذوا من هذه إشارة إلى قرب موته صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى لينال الجزاء.
فاختار جوار ربه ليس هرباً من المسئولية بل لعلمه بتمام الأمر واستوائه، وأنه ليس له مهمة بعد ذلك، بعد أنْ أدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وأظهر أمر الدين، وأرسى قواعده.
وقوله: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً [الفتح: ٢] فبعد أنْ رأى النعمة قد تمتْ، وليس هناك مغاليق اطمأن إلى أن الله لا يتخلى عنه.
وقوله تعالى: وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [الفتح: ٣] هل النصر هو العزيز أم المنصور؟ المنصور هو العزيز، إنما وصف النصر بالعزة فكأن نصر الحق يُسِعد النصرَ نفسه ويعزه وليقول له: إنك بهذا النصر أخذتَ ما لم يأخذه مثلك أبداً.
وفي موضع آخر بيَّن الحق سبحانه أنه ناصر رسوله في وقت الرخاء كما في فتح مكة، وناصره وقت الشدة كما في حنين: لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ [التوبة: ٢٥-٢٦].
فلما اغتروا بالكثرة أدَّبهم، ثم تداركهم برحمته ونصرهم، وما كان الله لينصرهم في فتح مكة ثم يخذلهم في حنين، كان الله يقول لرسوله: أعلم أن الله وراءك وناصرك ومؤيدك، لكن عليك وعلى أمتك ألاَّ تغتروا بنصر أو بقوة أو بعدد كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ.. [البقرة: ٢٤٩].
آية رقم ٣
سبق في سورة محمد أنْ بيَّنا معنى الذنب في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم وقلنا: إنه من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، لذلك عدّ النسيان في حقه ذنباً لأنه نبي موصول بالوحي، مؤتمن على منهج الله، فلا يُتصوَّر منه النسيان الذي يحدث من باقي أمته.
لذلك تجاوز الله لهم عن النسيان في حين لم يتجاوز عنه لرسول الله، ومثّلنا لذلك بنسيان سيدنا آدم وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] وسمّي هذا النسيان معصية.
فالمغفرة لرسول الله من هذه الأمور أمثال عتاب الله له: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ.. [التحريم: ١] وقوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] وقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦].
فالله يعاتب رسوله شفقة عليه ورحمة به صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول له: يا محمد لا تحزن ولا تُحمِّل نفسك فوق طاقتها، لأن لك رصيداً من الله فالاستغفار من مثل هذه الأمور، لا أنه أذنب ذنباً فيه مخالفة للمنهج حاشاه صلى الله عليه وسلم أنْ يكون منه ذلك.
وكلمة لِّيَغْفِرَ.. [الفتح: ٢] من غفر والغفر هو الستر، وسَتْر الذنب إما أنْ يكون بعده بمنع العقوبة عليه أو يستر الذنب قبل أنْ يحدث فلا يحدث أصلاً، هذا معنى مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ.. [الفتح: ٢] ما تقدم يستر عقوبته، وما تأخر يستر الذنب نفسه فلا يقع.
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ.. [الفتح: ٢] تمام النعمة على رسول الله أنْ بعثه الله للناس كافة لكل زمان ولكل مكان، وكان الرسلُ قبله يُبعث الرسولُ إلى قوم معينين في زمن معين، أما سيدنا رسول الله فقد جاء على موعد مع التقاء حضارات الدنيا كلها واتصال بين المشرق والمغرب، فجاء رسولاً عاماً وخاتماً للرسالات، لذلك نقول: سيد الرسل وخاتم الأنبياء.
ومن تمام النعمة أن الله فتح له، وأزال من أمامه العقبات التي كانت تعرقل مسيرة الدعوة حتى دانتْ له الجزيرة العربية كلها وشملها الإسلام، وعلى يديه هدى اللهُ هذه الأمة فحملت رسالته من بعده وساحت بها في شتى بقاع المعمورة.
فجذب إليه أعظم حضارتين في هذا الوقت، هما: حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب، حتى إنهم ليقولون: من عجائب هذا الدين أنه فتح نصف الكرة الأرضية في نصف قرن من الزمان، وهذه لم تحدث من قبل.
والحق سبحانه يشرح لنا مسألة تمام النعمة هذه في قوله تعالى: ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً.. [المائدة: ٣].
لذلك لما سمع سيدنا أبو بكر هذه الآية قال: لقد نعى محمد نفسه بهذه الآية. لأنه لا شيء بعد التمام إلا النقصان، فأخذوا من هذه إشارة إلى قرب موته صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى لينال الجزاء.
فاختار جوار ربه ليس هرباً من المسئولية بل لعلمه بتمام الأمر واستوائه، وأنه ليس له مهمة بعد ذلك، بعد أنْ أدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وأظهر أمر الدين، وأرسى قواعده.
وقوله: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً [الفتح: ٢] فبعد أنْ رأى النعمة قد تمتْ، وليس هناك مغاليق اطمأن إلى أن الله لا يتخلى عنه.
وقوله تعالى: وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [الفتح: ٣] هل النصر هو العزيز أم المنصور؟ المنصور هو العزيز، إنما وصف النصر بالعزة فكأن نصر الحق يُسِعد النصرَ نفسه ويعزه وليقول له: إنك بهذا النصر أخذتَ ما لم يأخذه مثلك أبداً.
وفي موضع آخر بيَّن الحق سبحانه أنه ناصر رسوله في وقت الرخاء كما في فتح مكة، وناصره وقت الشدة كما في حنين: لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ [التوبة: ٢٥-٢٦].
فلما اغتروا بالكثرة أدَّبهم، ثم تداركهم برحمته ونصرهم، وما كان الله لينصرهم في فتح مكة ثم يخذلهم في حنين، كان الله يقول لرسوله: أعلم أن الله وراءك وناصرك ومؤيدك، لكن عليك وعلى أمتك ألاَّ تغتروا بنصر أو بقوة أو بعدد كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ.. [البقرة: ٢٤٩].
قوله تعالى: هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ.. [الفتح: ٤] أي: الطمأنينة والأمان بعد أن اشتدَّ الكرب عليه، وبعد أنْ كانوا في ذلة وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ * هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً [الأحزاب: ١٠-١١].
نعم إذا اشتد الكرب هان، ومع الضيق يأتي الفرج وتدخلت السماء وجاء نصر الله لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ.. [الفتح: ٤] ولينفي عنهم ما خالطهم وما ساورهم من الغرور بالعدد ومخالفة قواعد الجندية لله تعالى.
وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الفتح: ٤] يعني: لا تظنوا أنكم أنتم جنود الله فقط، بل لله جنود كثيرة وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ.. [المدثر: ٣١] فمن جنود الله الملائكة المدبرِّات أمراً أي التي تُدبر شئون الكون بأمر الله. لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ.. [الرعد: ١١] وقد أقسم الله بهم فقال: فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً [النازعات: ٥] هؤلاء جنود الله في السماء.
نعم لله جنود في السماوات وجنود في الأرض، أهلك الله بهم الأمم المكذِّبة، اقرأ: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا.. [العنكبوت: ٤٠].
هذه كلها من جنود الله: الحاصب والصيحة والخسْف والغرق وغيرها. وهذه الجنود لا يعلمها إلا الله من حيث كيف تعلم وكيف تدبر لتحارب أعداء الله لأنها تعمل في خفاء.
ومع ذلك لما أراد الحق سبحانه نُصْرة رسوله صلى الله عليه وسلم لم ينصره بآية من هذه الآيات الكونية، إنما نصره بقوة إيمان المؤمنين به وثباتهم في مواجهة أعدائهم وإلا لقالوا لولا الظواهر الطبيعية لم يقدروا علينا.
لكن جعل الحق سبحانه النصر منسوباً إلى الجنود الخفية بالفعل، أما الظاهر فمنسوب إلى هؤلاء المؤمنين لكي تظل رهبتهم في قلوب أعدائهم.
لذلك نقرأ في حادثة الهجرة: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا.. [التوبة: ٤٠].
فجند الله كانوا في هذا الموقف، لأن الصَِّديق يقول لرسول الله: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، إذن: هناك جنود منعت رؤيتهم، الحمام الذي عشش والعنكبوت الذي نسج خيوطه لم يكُن إلا جندياً من جنود الله.
سراقة بن مالك لما ساخت قوائم فرسه في الرمال، فكانت الرمال جنداً من جنود الله، والأعجب من ذلك أنْ يُسخِّر الله من الكفرة أنفسهم من يساعد في إتمام الهجرة وهو الدليل عبد الله بن أريقط وكان كافراً لا يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن الله غالبٌ على أمره: فجعل هاديَ المادة يهدي هاديَ المعنى!!
وقال: وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.. [الأنفال: ٢٤] قلنا: لأن وارد الرحمن لا ينازعه ولا يعارضه وارد الشيطان، وهذه رأيناها في قصة أم موسى لما أوحى الله إليها أنْ تلقيه في البحر، مع أنها أُمٌّ تخاف على وليدها ومع ذلك ألقتْه، ورأيناها في فرعون الذي يقتل الذكور من بني إسرائيل يأتيه موسى على هذه الصورة، ومع ذلك لم يشكّ في أمره وربَّاه في بيته، فالله تعالى ربُّ القلوب خالقها ومُقلّبها كيف يشاء، يجعلها تقبل حكمه دون مناقشة.
وقوله تعالى: وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [الفتح: ٤] عليماً بجنوده، وهو سبحانه حكيم في توجيهها في أوقات مخصوصة وإلى قوم بعينهم، فالمسألة ليست قوة باطشة بلا حساب ولا بلطجة ولا ظلم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

ثم يقول الحق سبحانه:

لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ... .
يُروى أنه لما نزلت: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً [الفتح: ١-٢] قال الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله، هذا ما أعده الله لك، فماذا أعدَّ لنا؟ فنزلت: لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا.. [الفتح: ٥] هذا ما لهم.
وقد وقف المستشرقون عند قوله سبحانه: وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ.. [الفتح: ٥] وقالوا: كيف يُكفِّر عنهم سيئاتهم وقد أدخلهم الجنة بالفعل؟ إنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد أنْ كفَّر عنهم سيئاتهم.
نقول: المعنى يسترها عليهم حتى لا تُنغِّص معيشتهم في الجنة ولا موقفهم من ربهم عز وجل، أو يسترها عنهم فينسوها حتى لا يخجلوا منها، كما لو أنك أحسنتَ إلى مَنْ أساء إليك.
فكلما زدتَ في الإحسان إليه زاد تأنيباً لنفسه، لذلك يستر اللهُ عنهم سيئاتهم، فلا يذكرونها حتى لا تُنغص عليهم ما هم فيه من لذة النعيم.
وهنا ملحظ في لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ.. [الفتح: ٥] أولاً اللام هنا للتعليل كما في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] فالعلة في الخَلْق هي العبادة، أما القول بأن أفعاله تعالى لا تُعلل نقول: لا تُعلل بعلة ترجع إلى نفعه سبحانه إنما إلى نفع غيره، إذن تعلل.
ثم ذكر المؤمنات هنا بعد المؤمنين، فلماذا خصَّهن بالذكْر مع أن العادة أن النساء يُذكرنَ في الحكم في طََيِّ الرجال في أغلب آيات القرآن، كما في يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ.. [البقرة: ١٠٤] ولم يقُلْ: يأيتها المؤمنات، لأن المرأة مستورة في الرجل، ولا تُذكر إلا إذا كان لها حكم خاص بها، فلماذا إذن ذكرها هنا؟
قالوا: لأن المقام مقامُ حديث عن الجهاد بدليل قوله تعالى: وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [الفتح: ٣] والمرأة لا تجاهد، لذلك ذكرها الحق سبحانه ليؤكد على أن لها أجراً في الجهاد، ولينزع عنها الشكّ في هذه المسألة.
وقوله سبحانه: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ.. [الفتح: ٥] بيّنا أن هذه الآية أتتْ بلفظ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ.. [التوبة: ١٠٠] وهذا ليس تكراراً للمعنى الواحد إنما لكل منهما معنى، فالماء حينما يجري من تحتك تطمئن إلى استمراره، فلن يقدر أحدٌ أنْ يمنعه عنك لأنه ناشىء في ملكك.
إنما تَجْرِي تَحْتَهَا.. [التوبة: ١٠٠] ربما كان يجري من مكان بعيد عنك ويمر عليك، فتخشى أنْ يُمنع عنك.
وقوله: خَالِدِينَ فِيهَا.. [الفتح: ٥] ليُذهب ما في نفسك من الخوف من فوات النعيم، لأن نعيم الدنيا مهما كان يُنغِّصه عليك مخافة أنْ يفوتك أو تفوته أنت، فالله يطمئنك على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع وخالدٌ لا يفنى، فلا يفوتك بأنْ يذهب عنك، ولا تفوته أنت بالموت.
لذلك سمَّاه فوزاً عظيماً وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً.. [الفتح: ٥] ما بالك حين يُوصف الفوز بالعظمة؟ وما بالك إنْ كان هذا كله عند الله؟ فالعطاء يكون على قدر المعطي، إنك تُسر وتسعد حينما يرضى عنك مسئول كبير مثلاً، وتُسر حينما تحسن إلى شخص فيعطيك هدية أو مكافأة، فكيف إذا كافأك الله؟
لذلك دائماً أذكر يوم أنْ ذهبنا مع بعض الوزراء إلى سان فرانسيسكو وذهبنا إلى فندق فخم تعجَّب الجميع من هيئته وجمال تصميمه وما فيه من إمكانيات، فلما رأيت الإعجاب في أعينهم قُلْتُ لهم: خذوها دليلَ إيمان وقولوا: هذا ما أعدَّه البشر للبشر، فكيف بما أعدّه ربُّ البشر للبشر؟
تأمل هنا المقابلة التي تظهر الفرق وتضعك أمام مقارنة بين ما أعدَّه الله للمؤمنين من الجزاء وما أعده للمنافقين والكافرين، والجمع بين المتقابلات أسلوبٌ من أساليب القرآن لكي تبدو المفارقة، لذلك الشاعر العربي قال في وصف محبوبته:
الوَجْه مِثل الصُّبْح مُبْيضّ  وَالشَّعْر مثْلُ الليْلِ مُسْودّ
ضِدَّانِ لَمََّا اسْتجْمَعَا حَسُنَا وَالضِّدّ يُظهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ

ونلاحظ هنا أنه ذكر المنافقين والمنافقات قبل المشركين والمشركات في مقاساة العذاب، نعم لأن المنافق أشد جُرْماً من المشرك، المنافق ستر كفراً وأظهر إيماناً فتسلَّل إلى صفوف المؤمنين وانطوى تحت لوائهم، وهو في حقيقته مشرك معاند يكيد للمؤمنين تحت ستار.
أما المشرك فظاهره مثل باطنه وعداوته معروفة، ومن اليسير أنْ تأخذ حذرك منه؛ لذلك قال تعالى عن المنافقين: إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً [النساء: ١٤٥] يعني: هم تحت المشركين وأدْنى منهم.
وقوله تعالى: ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ.. [الفتح: ٦] الظن: الحكم بشيء على غير حقيقة، وحين تقول: أظن كذا يعني أنا غير مُتيقِّن منه. وأقلّ من الظن الوهم: لكن ما الظن الذي ظنوه ووصفه الله بأنه ظن السوء؟
قالوا: إن محمداً لن ينتصر علينا أبداً، وقد بيَّن الحق سبحانه هذا المعنى في قوله تعالى: مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج: ١٥].
يعني: الذي يظن هذا الظن ليس أمامه إلا أنْ يمد حبلاً إلى السماء ويتعلق به كالمشنوق، ثم ليقطع هذا الحبل، وينظر هل يُذهِبَ هذا غيظه.
وهذا الظن في الله سبحانه وتعالى، وأول ظنهم في الله أنْ قالوا: ليس له وجود. وآخرون قالو: موجود وله شريك. وآخرون قالوا: القرآن ليس من عند الله بل من عند محمد. وآخرون أنكروا البعث والقيامة.
وهذا كله ظَنُّ سَوْء بالله، لذلك يقابله الحق سبحانه بعذاب أيضاً سوء فيقول: عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ.. [الفتح: ٦] والدائرة منطقة لها محيط مغلقة، فكأنهم لا يقدرون على الإفلات منها لأنها محيطة بهم.
وفي موضع آخر قال سبحانه: وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ [البروج: ٢٠] ليس هذا وفقط، بل أيضاً وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً [الفتح: ٦] سبحان الله، كم جمع عليهم من ألوان النكال والعذاب والغضب واللعنة؟!
الغضب انفعال يثير الغاضب على المغضوب عليه فينتقم منه، الحق سبحانه وتعالى غنيٌّ عن الانفعال، إنما يُحدِّثنا على قدر فهمنا، وعلى قدْر ما في لغتنا من وسائل التعبير.
وَلَعَنَهُمْ.. [الفتح: ٦] طردهم من وساع رحمته وأبعدهم عنها، ثم بعد ذلك تلعنهم الملائكة ويلعنهم اللاعنون وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ.. [الفتح: ٦] أعدها بالفعل فهي موجودة الآن وَسَآءَتْ مَصِيراً [الفتح: ٦] وقوله: عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ.. [الفتح: ٦] هي الجزاء الطبيعي لظنِّ السَّوْء الذي ظنوه بالله.
ذكر هنا أيضاً جنود الحق سبحانه لأنها تنزل على قسمين: جنود رحمة تنزل بالخير كالملائكة ينزلون بالتنزيل وبالوحي، وأخرى بالماء، وهناك جنود تنزل بالنقمة والطمس والعذاب والإذلال.
ونفهم من قوله تعالى وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [الفتح: ٧] أن المراد بالجنود هنا جنود العذاب، فهي التي تناسب وصف العزة. والعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، وهذه العزة مقيَّدة بالحكمة مُنزَّهة عن البطش أو الظلم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
آية رقم ٨
الخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له ربه تعالى: إِنَّآ أَرْسَلْنَٰك.. [الفتح: ٨] يا محمد شَٰهِداً.. [الفتح: ٨] أي: على أمتك وعلى مَنْ سبقك من الرسل أنهم قد بلَّغوا الرسالة، نعم شاهد عليهم بما أخبره الله به في القرآن.
وفي آية أخرى قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣] أي: تشهدون على الناس أنكم قد أبلغتموهم، لأن هذه الأمة ورثت الدعوة عن رسول الله وحملتها من بعده.
لذلك ورد في الحديث الشريف قوْل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الفتح: ٨] مبشراً بالخير ونذيراً بالعذاب، وقلنا: البشارة أو النذارة تكون قبل وقوع الحدث. لكن لماذا بشيراً ونذيراً؟ قال: لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفتح: ٩].
إذن: علة الإرسال لتؤمنوا بالله ورسوله وَتُعَزِّرُوهُ.. [الفتح: ٩] تعظموه وتنصروا دينه وتُعْلوا كلمته وَتُوَقِّرُوهُ.. [الفتح: ٩] أي: تُعظموه وتُقدرونه حقَّ قدره، لأنه سبحانه جعل لخلقه منهجاً يحرس حركة حياتهم من الطيش.
فلما خلق اللهُ آدمَ وسوَّاه على صورته ونفخ فيه من روحه دبَّتْ فيه الحياة واستوى مخلوقاً كاملاً، بمعنى أنه لم يكُنْ طفلاً ثم كبر فصار شاباً فرجلاً.
لا بل دبَّتْ فيه الحياة، وهو رجل كامل الرجولة، وطرأ آدم على كوْنٍ أعدَّه الله له فيه كل مُقوِّمات حياته من ماء وهواء وأرض وشمس وقمر، وبعد أنْ أعطاه قوام مادته أعطاه القيم التي هي قوام الروح.
لذلك بعد أنْ مَنَّ الله عليه بروح المادة أعطاه روحاً أخرى للقيم وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا.. [الشورى: ٥٢] لذلك سمَّى القرآن روحاً، وسمَّى الملَك الذي نزل به روحاً نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] وخاطب الأحياء بقوله: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.. [الأنفال: ٢٤] فعلم أن هناك حياتين حياة المادة وحياة الروح وهي المنهج.
الخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له ربه تعالى: إِنَّآ أَرْسَلْنَٰك.. [الفتح: ٨] يا محمد شَٰهِداً.. [الفتح: ٨] أي: على أمتك وعلى مَنْ سبقك من الرسل أنهم قد بلَّغوا الرسالة، نعم شاهد عليهم بما أخبره الله به في القرآن.
وفي آية أخرى قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣] أي: تشهدون على الناس أنكم قد أبلغتموهم، لأن هذه الأمة ورثت الدعوة عن رسول الله وحملتها من بعده.
لذلك ورد في الحديث الشريف قوْل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الفتح: ٨] مبشراً بالخير ونذيراً بالعذاب، وقلنا: البشارة أو النذارة تكون قبل وقوع الحدث. لكن لماذا بشيراً ونذيراً؟ قال: لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفتح: ٩].
إذن: علة الإرسال لتؤمنوا بالله ورسوله وَتُعَزِّرُوهُ.. [الفتح: ٩] تعظموه وتنصروا دينه وتُعْلوا كلمته وَتُوَقِّرُوهُ.. [الفتح: ٩] أي: تُعظموه وتُقدرونه حقَّ قدره، لأنه سبحانه جعل لخلقه منهجاً يحرس حركة حياتهم من الطيش.
فلما خلق اللهُ آدمَ وسوَّاه على صورته ونفخ فيه من روحه دبَّتْ فيه الحياة واستوى مخلوقاً كاملاً، بمعنى أنه لم يكُنْ طفلاً ثم كبر فصار شاباً فرجلاً.
لا بل دبَّتْ فيه الحياة، وهو رجل كامل الرجولة، وطرأ آدم على كوْنٍ أعدَّه الله له فيه كل مُقوِّمات حياته من ماء وهواء وأرض وشمس وقمر، وبعد أنْ أعطاه قوام مادته أعطاه القيم التي هي قوام الروح.
لذلك بعد أنْ مَنَّ الله عليه بروح المادة أعطاه روحاً أخرى للقيم وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا.. [الشورى: ٥٢] لذلك سمَّى القرآن روحاً، وسمَّى الملَك الذي نزل به روحاً نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] وخاطب الأحياء بقوله: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.. [الأنفال: ٢٤] فعلم أن هناك حياتين حياة المادة وحياة الروح وهي المنهج.
الحديث هنا عن بيعة الحديبية التي كانت عند شجرة الرضوان التي قال الله فيها في نفس هذه السورة لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ١٨].
إذن: الفتح الذي نحن بصدده ظهرت بشائره في هذه البيعة في بداية الفتح الأعظم، لذلك لما اعترض سيدنا عمر وقال لسيدنا رسول الله: لِمَ نُعطِ الدنية في ديننا؟ نهره الصِّديق أبو بكر وقال له: الزم غرزك يا عمر. يعني: لا تتعد حدودك واعرف مكانك.
وكان الصِّديق يقول: والله ما كان فَتْحٌ في الإسلام أعظمَ من فتح الحديبية، لماذا؟ لأنه الذي مهَّد لفتح مكة، ولكن الناس وقتها لم يتسع ظنهم لما بين محمد وربه، ومن طبيعة الناس العجلة.
أما الحق سبحانه فلا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد، وتعلمون قصة السيدة أم سلمةونحجت خطة أم سلمة ونجى المسلمون من فتنة كادت تهلكهم، صحيح هي عصبية إيمانية وأمر في ظاهره يُرضي رسول الله، لكن إنْ كان الأمر الأعلى من الله فهو أَوْلى بالسمع والطاعة.
لذلك قالوا: من الشجاعة أن تجبن ساعة، هَبْ ونحن جالسون في مكان وبيننا أكابر وعظماء ودخل علينا مجرم وفي يده مسدس وأمرنا بالقيام وهددنا، ماذا نفعل؟ لابّد أنْ نمتثل لأمره في هذا الموقف حتى لا نخاطر بأنفسنا.
فهناك شجاعة على الغير، وشجاعة على النفس، وهذه من الحنكة والسياسة، وهذا ما فعله رسول الله وما رآه بما لديه من نورانية موصولة بالحق سبحانه.
وكان هذا الصلح رفعة للإسلام وإعلاءً لرايته مع أنهم عادوا ولم يدخلوا مكة، ذلك لأن قريشاً كانت تتخذ من الإسلام عدواً، ولا تسمح له بأنْ يُعبِّر عن نفسه، والآن تفتح معه باب الحوار والمناقشة. إذن: أصبح للإسلام كيان وكلمة تُسمع، وارتفع عن ذلّة الماضي وهوانه.
كذلك كان الصلح تهدئة لقريش وإزالة لما لديها من حقد وشحناء ضد المسلمين، فبالصلح معهم نأمن جانبهم لنتفرغ لنشر الدعوة في باقي جزيرة العرب، وقبل أنْ يصل المسلمون في طريق عودتهم إلى المدينة بيَّن الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم المسألة، فقال: إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ.. [الفتح: ١٠].
والمبايعة عقد بين طرفين واتفاق، والبيع أمر محبوب للإنسان على خلاف الشراء، لذلك قال تعالى في الجمعة فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ.. [الجمعة: ٩] لأنك تحب أن تبيع، أما الشراء فلا تحرص عليه كما تحرص على البيع وقد تشتري وأنت كاره.
إذن: يبايعونك يعني: يعقدون معك عقد بيع، هذا العقد شرحه الحق سبحانه في قوله: إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ.. [التوبة: ١١١].
إذن: عقدوا هذه الصفقة مع الله إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ.. [الفتح: ١٠] لأنك يا محمد لا تأخذ شيئاً لنفسك، إنما تأخذ لمنهج الله الذي أرسلك به وبعثك من أجله.
فبيعة الرسول هي في الحقيقة بيعة لله، لذلك قال: يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.. [الفتح: ١٠] أي: فوق الأيدي التي امتدتْ لتبايع رسول الله، فكانت يد الله فوق يد الجميع، لأن المنة هنا من الله فلا تظنوا المنة منكم بأن بايعتم، بل المنة من الله عليكم، ويده فوق أيديكم وهو الذي ساق لكم هذا الخير الذي يُسعدكم في الدنيا وفي الآخرة.
واليد هنا ليست هي اليد التي نعرفها كأيدينا، بل هي يد المنَّة والمعروف، كما تقول مثلاً: فلان له علىَّ يد. يعني: نعمة أو مكْرمة وجميل.
وقوله: فَمَن نَّكَثَ.. [الفتح: ١٠] أي: نقض عهده فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ.. [الفتح: ١٠] فهو المضار، لأن الله تعالى لا يضره شيء من أفعال العباد، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية.
وفي المقابل: وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ.. [الفتح: ١٠] يعني: وفَّى وكان عند العهد الذي أخذه على نفسه فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.. [الفتح: ١٠].
ذكر البخاري ومسلم هذه القصة، وأن الحديبية مكان يبعد عن مكة حوالي ٢٢ كم عند شجرة كانت مائلة فسميت الحديبية، أو عند عين ماء كانوا يرتوون منها، وأن عددهم كان ألفاً وأربعمائة، في رواية البخاري روى سيدنا سلمة بن الأكوع أنهم بايعوا رسول الله على الموت، وفي رواية مسلم أنهم بايعوه على ألاَّ يفروا من المعركة.
هذا إخبار من الله تعالى بغيب يخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم ويعلمه بما سيقوله هؤلاء، والمخلّفون جمع مُخلّف وهم الذين طلب منهم الخروج مع رسول الله لأداء العمرة فلم يخرجوا وتعللوا بعدها بهذه الحجج التي كشف القرآنُ زيفها وكشف نواياهم وما كان يدور في نفوسهم.
والأعراب هم البدو وسكان البادية، وقولهم: شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا.. [الفتح: ١١] يعني: عن الخروج معك.
وقولهم: فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا.. [الفتح: ١١] دلَّ على أنهم أذنبوا وأخطأوا، وإلا ما طلبوا من رسول الله أن يستغفر لهم.
والواقع أنهم كاذبون في هذا، فما شغلتهم الأموال ولا الأولاد إنما خافوا على أنفسهم الخروج، لأنهم ظنوا في أنفسهم أن رسول الله لن يرجع من هذه العمرة ولن يعود إلى أهله، لأن قريشاً تتربص به ومعهم جماعات من الأحابيش ومن ثقيف وكنانة وغيرها.
فقالوا في أنفسهم ما أخبر الله به بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً.. [الفتح: ١٢] لذلك بُهت من قال هذا الكلام لما سمع الله يخبر به ويكشف مكنونات صدورهم.
والعجيب أن هذا الإخبار سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ.. [الفتح: ١١] نزل في قرآن يُتلى علانية ويسمعه هؤلاء المخلفون، وكان بأيديهم ألاَّ يتعللوا بهذه الحجج لكن صدق الله وقالوا بالفعل ما أخبر القرآن به.
هذه كما حدث تماماً في قوله تعالى في مسألة تحويل القبلة سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا.. [البقرة: ١٤٢].
سمع اليهود هذا الكلام وسمعوا هذا الوصف، ومع ذلك قالوا ما أخبر الله به وصدقوا على أنهم سفهاء، فهذه وأمثالها من علامات صدق القرآن الكريم، فالذي يتكلم به هو الذي يعلم ما سيحدث في المستقبل ويخبر به قبل أنْ يقع ثم يأتي الواقع موافقاً لما قال.
قالوا: كان هؤلاء المخلَّفون من سبع قبائل أظن، منها أشجع ومزينة وهوازن وبخع وأسلم وغيرها. هؤلاء قالوا: إن محمداً ألقى بنفسه في التهلكة، ولن يعود من هذه العمرة لما يعلمون من القوة التي تواجهه فتخلَّفوا، في حين أنهم كانوا يتمنون الخروج إلى خيبر، حيث الغنانيم والأموال التي لا حَصْرَ لها هناك.
وقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.. [الفتح: ١١] أي في قولهم: فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا.. [الفتح: ١١] فهذه الكلمة باللسان فقط، فهم لا تهمهم المغفرة ولا يفكرون فيها.
ثم يُبيِّن لهم الحق سبحانه حقيقة الأمر: قُلْ.. [الفتح: ١١] يعني: قُلْ لهم يا محمد فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً.. [الفتح: ١١].
هذا استفهام للتعجب أو للتوبيخ يقول لهم: مَنْ يردُّ عنكم قضاء الله ومَنْ يدفع عنكم الضر إنْ أصابكم في أموالكم أو في أهليكم، من؟ لا أحد.
كذلك لا أحد يمنع عنكم النفع إنْ أراده الله لكم، إذن: هذه حجة باطلة لا تُجدي، وكذب لا فائدة منه بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [الفتح: ١١] يعني: لا يَخْفى عليه من أموركم شيء.
ثم يُؤدبهم بأنْ يكشف عن الكلام الذي أسرُّوه بعضهم إلى بعض فيقول: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ.. [الفتح: ١٢] أي: يرجع ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً.. [الفتح: ١٢] ويُؤكدون ظنهم لاقتناعهم به وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ.. [الفتح: ١٢] أي: زيّنه بعضكم لبعض، أو لقي استحساناً منكم.
وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ.. [الفتح: ١٢] أي: الظن الفاسد والمراد به أن رسول الله لن يعود إلى أهله ولا المؤمنون معه، وهذا يعني النهاية لمسيرة الدعوة.
وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً.. [الفتح: ١٢] يعني: مثل الأرض البور التي لا خَيْرَ فيها، فأنتم مثل هذه الأرض أهل فساد لا خيرَ فيكم.
هذا إخبار من الله تعالى بغيب يخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم ويعلمه بما سيقوله هؤلاء، والمخلّفون جمع مُخلّف وهم الذين طلب منهم الخروج مع رسول الله لأداء العمرة فلم يخرجوا وتعللوا بعدها بهذه الحجج التي كشف القرآنُ زيفها وكشف نواياهم وما كان يدور في نفوسهم.
والأعراب هم البدو وسكان البادية، وقولهم: شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا.. [الفتح: ١١] يعني: عن الخروج معك.
وقولهم: فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا.. [الفتح: ١١] دلَّ على أنهم أذنبوا وأخطأوا، وإلا ما طلبوا من رسول الله أن يستغفر لهم.
والواقع أنهم كاذبون في هذا، فما شغلتهم الأموال ولا الأولاد إنما خافوا على أنفسهم الخروج، لأنهم ظنوا في أنفسهم أن رسول الله لن يرجع من هذه العمرة ولن يعود إلى أهله، لأن قريشاً تتربص به ومعهم جماعات من الأحابيش ومن ثقيف وكنانة وغيرها.
فقالوا في أنفسهم ما أخبر الله به بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً.. [الفتح: ١٢] لذلك بُهت من قال هذا الكلام لما سمع الله يخبر به ويكشف مكنونات صدورهم.
والعجيب أن هذا الإخبار سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ.. [الفتح: ١١] نزل في قرآن يُتلى علانية ويسمعه هؤلاء المخلفون، وكان بأيديهم ألاَّ يتعللوا بهذه الحجج لكن صدق الله وقالوا بالفعل ما أخبر القرآن به.
هذه كما حدث تماماً في قوله تعالى في مسألة تحويل القبلة سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا.. [البقرة: ١٤٢].
سمع اليهود هذا الكلام وسمعوا هذا الوصف، ومع ذلك قالوا ما أخبر الله به وصدقوا على أنهم سفهاء، فهذه وأمثالها من علامات صدق القرآن الكريم، فالذي يتكلم به هو الذي يعلم ما سيحدث في المستقبل ويخبر به قبل أنْ يقع ثم يأتي الواقع موافقاً لما قال.
قالوا: كان هؤلاء المخلَّفون من سبع قبائل أظن، منها أشجع ومزينة وهوازن وبخع وأسلم وغيرها. هؤلاء قالوا: إن محمداً ألقى بنفسه في التهلكة، ولن يعود من هذه العمرة لما يعلمون من القوة التي تواجهه فتخلَّفوا، في حين أنهم كانوا يتمنون الخروج إلى خيبر، حيث الغنانيم والأموال التي لا حَصْرَ لها هناك.
وقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.. [الفتح: ١١] أي في قولهم: فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا.. [الفتح: ١١] فهذه الكلمة باللسان فقط، فهم لا تهمهم المغفرة ولا يفكرون فيها.
ثم يُبيِّن لهم الحق سبحانه حقيقة الأمر: قُلْ.. [الفتح: ١١] يعني: قُلْ لهم يا محمد فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً.. [الفتح: ١١].
هذا استفهام للتعجب أو للتوبيخ يقول لهم: مَنْ يردُّ عنكم قضاء الله ومَنْ يدفع عنكم الضر إنْ أصابكم في أموالكم أو في أهليكم، من؟ لا أحد.
كذلك لا أحد يمنع عنكم النفع إنْ أراده الله لكم، إذن: هذه حجة باطلة لا تُجدي، وكذب لا فائدة منه بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [الفتح: ١١] يعني: لا يَخْفى عليه من أموركم شيء.
ثم يُؤدبهم بأنْ يكشف عن الكلام الذي أسرُّوه بعضهم إلى بعض فيقول: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ.. [الفتح: ١٢] أي: يرجع ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً.. [الفتح: ١٢] ويُؤكدون ظنهم لاقتناعهم به وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ.. [الفتح: ١٢] أي: زيّنه بعضكم لبعض، أو لقي استحساناً منكم.
وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ.. [الفتح: ١٢] أي: الظن الفاسد والمراد به أن رسول الله لن يعود إلى أهله ولا المؤمنون معه، وهذا يعني النهاية لمسيرة الدعوة.
وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً.. [الفتح: ١٢] يعني: مثل الأرض البور التي لا خَيْرَ فيها، فأنتم مثل هذه الأرض أهل فساد لا خيرَ فيكم.
آية رقم ١٣
الكلام هنا فيه إشارة مفهومة تعني هؤلاء المخلَّفين، وقوله أَعْتَدْنَا.. [الفتح: ١٣] أي: أعددناها بالفعل فهي موجودة، فالسعير لا تُعدُّ لهم بعد حضورهم إليها، إنما هي مُعدَّة لهم من الآن تنتظرهم وتتشوق إليهم.
وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه أعدَّ الجنة بحيث تكفي جميع الخَلْق على اعتبار أنهم جميعاً مؤمنون، كذلك أعدَّ النار بحيث تكفي جميع الخَلْقْ لو كفروا.
فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بقيتْ أماكن أهل النار خالية في الجنة، لذلك يُورثها الحق سبحانه لأهل الجنة، وهذا قوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤنون: ١٠-١١].
يقول البلاغيون: في الآية أسلوب قصر بتقديم الخبر الجار والمجرور على المبتدأ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الفتح: ١٤] أي: لله وحده وملكيتها مقصورة عليه سبحانه دون شريك، ومادة ملك تأتي بضم الميم وفتحها وكسرها، أما اللام فساكنة.
نقول: ملك بالكسر يعني: ما تملكه وتملك التصرف فيه، إنما مُلك الضم فهو لَمَنْ يملك الشيء ويملك مالك الشيء، وهذه لله عز وجل.
أما مَلك بالفتح فهي بمعنى المقدرة كما جاءت في قوله تعالى: مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا.. [طه: ٨٧] أي: بإرادتنا ولكننا كنا مجبرين.
وهذه الآية جاءت هنا للظرف وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الفتح: ١٤] وجاءت في موضع آخر للمظروف لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [التغابن: ١] لأن السماوات والأرض ظرف لأشياء كثيرة.
ومعلوم أن المظروف يكون أنفسَ من الظرف الذي يحفظه، كما قلنا: إن ما في الخزنة أنفسُ منها وأغلى، وإلا ما حُفظ فيها.
فإذا كانت السماوات والأرض فيها من العجائب ما لا يُحصى، فما بالك بما فيها من مخلوقات لله تعالى، وها نحن كل يوم يكتشف العلماء شيئاً جديداً في خَلْق الله فيه من الإعجاز ما فيه.
خذ مثلاً الهواء الذي كنا نظنه فقط لعملية التنفس، الآن عرفنا أنه مجال واسع لموجات صوتية وضوئية، والأثير الذي حولنا مليء بما لا حدَّ له من هذه الأشياء.
إذن: ابحثوا في الظرف عن نفاسة المظروف، ألا نراهم الآن يتجهون إلى باطن الأرض حيث الثروات الثمينة من الماس والذهب والمعادن والبترول.. كذلك في الجبال الأحجار الكريمة والجرانيت والمرمر والرخام، وفي البحار في أعماقها اللؤلؤ والمرجان.
إذن لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. [التغابن: ١] فيه توجيه وإشارة للبحث في المظروف، لكن وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الفتح: ١٤] فيه إشارة إلى وجوب النظر والتأمل في عجائب السماوات والأرض في ذاتها.
وقوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ.. [الفتح: ١٤] البعض يفهم هذه الآية فهماً خاطئاً. يقول: إذن أين الاختيار؟ والمعنى: أن الله يغفر للمؤمن الذي اهتدى لمنهج الله، ولا يغفر للكافر الذي أعرض عن منهج الله.
إذن: ساعة يقول وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٦٤] أي: لا يهديهم بسبب كفرهم، لأن الكافر قلبه مُلىء كفراً حتى لم يعُد فيه مجال للإيمان، لأن الحيز الواحد لا يسع إلا شيئاً واحداً، فكان عليه أنْ يُخرج الكفر من قلبه قبل أنْ يبحث قضية الإيمان.
فإذا تجرَّد قلبه من الهوى وناقش نفسه، وقارن بين الكفر والإيمان، ثم يُدخل ما اطمأن إليه منهما كان ولا بدَّ أنْ يختار الإيمان، لذلك نقول: إن الكافر لم يترك للمناظرة العقلية بينه وبين نفسه مجالاً.
واقرأ في ذلك قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ.. [سبأ: ٤٦] ما هي أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ.. [سبأ: ٤٦].
إذن: الحق سبحانه لا يرضى لنا غوغائية التفكير، ولا يرضى لنا المراءَ و الجدلَ العقيم، لذلك حدد كيفية النظر والتأمل والبحث، إما أن تكون بمفردك وتناقش نفسك، أو على الأكثر يكون الاثنان معاً، هذا يقول وهذا يُعدِّل له، فهما بعيدان عن المراء وعن العصبية، وقريبان من الوصول إلى الحق.
ومع أن الآية تتحدث عن المغفرة وعن العذاب يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ.. [الفتح: ١٤] إلا أنها تُختم بالمغفرة والرحمة فهما الاغلب وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الفتح: ١٤].
هنا أيضاً الحق سبحانه وتعالى يخبر بما سيقوله المخلفون، والمغانم يراد بها مغانم خيبر ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ.. [الفتح: ١٥] يعني: لنأخذ منها كما تأخذون يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ.. [الفتح: ١٥] يعني: حكمه عليهم بعدم الخروج إليها.
وقد بيَّن الحق سبحانه ذلك في قوله: وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ [التوبة: ٤٦-٤٧].
فالمراد بكلام الله هنا حكمه عليهم بعدم الخروج لخيبر، وحكم الله لا يُنقض، وكلمة الله لا ترد، وقد أرجأهم الله لفرصة أخرى، قادمة يمكنهم الاشتراك فيها وهي حروب الردة.
ثم جاء الرد عليهم: قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ.. [الفتح: ١٥] أي: قبل رجوعنا فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا.. [الفتح: ١٥] أي: على أنْ نأخذ معكم من الغنائم بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً [الفتح: ١٥] نعم لا يفقهون إلا قليلاً، لأن المسألة ليستْ مسألة غنائم.
يعني: يا جماعة المخلَّفين عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، لقد منعكم الله من الخروج إلى خيبر، لأن لها أُنَاساً هم أوْلَى بها منكم، وهم الذين أطاعوا رسول الله في الخروج إلى الحديبية.
أما أنتم فالفرصة أمامكم في حروب الردة، حيث تقاتلون قوماً أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ.. [الفتح: ١٦] أصحاب قوة وتمرُّس في الحروب: وَإِن تَتَوَلَّوْاْ.. [الفتح: ١٦] تعْرضوا وتتخلفوا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ.. [الفتح: ١٦] أي: في الحديبية يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً [الفتح: ١٦].
أي: ليس على هؤلاء إثم، ولا مؤاخذة في تخلُّفهم عن الخروج إلى الجهاد لأنهم أصحابُ أعذار وليس لديهم وسائل الجهاد. ثم يضعنا السياق أمام هذه المقارنة بين الفعل والجزاء عليه وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ.. [النساء: ١٣] أي: في الأمر بالخروج يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ.. [الفتح: ١٧] يُعرض يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً [الفتح: ١٧].
هذه بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ.. [الفتح: ١٨] من الشوق لرؤية البيت وآداء العمرة فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ.. [الفتح: ١٨] السكون والطمأنينة لأنهم انصاعوا لأمر رسول الله.
وَأَثَابَهُمْ.. [الفتح: ١٨] جازاهم فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ١٨] وهو صلح الحديبية الذي كان بمثابة التمهيد للفتح الأكبر فتح مكة وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً.. [الفتح: ١٩] هي مغانم خيبر.
آية رقم ١٩
هذه بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ.. [الفتح: ١٨] من الشوق لرؤية البيت وآداء العمرة فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ.. [الفتح: ١٨] السكون والطمأنينة لأنهم انصاعوا لأمر رسول الله.
وَأَثَابَهُمْ.. [الفتح: ١٨] جازاهم فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ١٨] وهو صلح الحديبية الذي كان بمثابة التمهيد للفتح الأكبر فتح مكة وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً.. [الفتح: ١٩] هي مغانم خيبر.
قوله تعالى: فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ.. [الفتح: ٢٠] أي: مغانم خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ.. [الفتح: ٢٠] كفَّ عنكم أيدي أعدائكم من اليهود وغيرهم ممَّنْ كانوا حول المدينة، حيث ألقى في قلوبهم الرعب.
أي: مغانم أخرى، والمراد بها مغانم غزوة حنين يبشرهم الله بها في المستقبل، وقد جاءتْ بالفعل بعد الفتح.
قوله: لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ.. [الفتح: ٢٢] أي: فرُّوا وانهزموا ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً [الفتح: ٢٢] لا يجدون صديقاً ولا معيناً، وهذه سُنَّةَ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٣] أي: طريقته وعادته في خلقه أن ينصر أهل الحق ويخذل أهل الباطل ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ.. [الفتح: ٢٣] أي: مضتْ في الأمم السابقة.
قوله: لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ.. [الفتح: ٢٢] أي: فرُّوا وانهزموا ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً [الفتح: ٢٢] لا يجدون صديقاً ولا معيناً، وهذه سُنَّةَ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٣] أي: طريقته وعادته في خلقه أن ينصر أهل الحق ويخذل أهل الباطل ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ.. [الفتح: ٢٣] أي: مضتْ في الأمم السابقة.
بطن مكة مكان قريب من الحديبية مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ.. [الفتح: ٢٤] نصركم عليهم وأظهركم عليهم، وهذه القوة هي التي أجبرت كفار مكة على الجلوس مع رسول الله للتفاوض، فقد أصبح للمسلمين كلمة تُسمع ورأي يُحترم، لذلك جاءتْ قريش لتعقد معهم معاهدة.
الحق سبحانه وتعالى يبين لهم الحكمة من الصلح وعدم الدخول مع الكفار في قتال في هذا الوقت، صحيح أنهم صدوكم عن الكعبة ومنعوكم من دخول مكة وأنتم على شوق للبيت ومعكم الهدي تسوقونه للبيت.
والهدي دليل السلام، وأنكم ما جئتم للحرب، بل لعمل ديني تعبدي وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ.. [الفتح: ٢٥] الهدي ما يُهدى لفقراء الحرم من الأنعام مَعْكُوفاً.. [الفتح: ٢٥] مقيداً ومحبوساً لهذا الغرض و مَحِلَّهُ.. [الفتح: ٢٥] أي: المكان الذي يُذبح فيه.
ثم يكشف لنا عن واقع أهل مكة في هذا الوقت، ففي مكة إخوان لكم مُسلمون يكتمون إسلامهم، بين الكفار هناك مؤمنون ومؤمنات لا تعرفونهم، فلو تواجهتم معهم في حرب لقتلتموهم، وأنتم لا تعلمون هذه الحقيقة.
فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ.. [الفتح: ٢٥] معرة يعني ضرر وتكون سُبَّة في حقكم أنكم قتلتم إخوانكم.
لَوْ تَزَيَّلُواْ.. [الفتح: ٢٥] تفرقوا وتميَّزوا المؤمن من الكافر لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [الفتح: ٢٥] يعني: عذّبناهم بأيديكم وسمحنا لكم في قتالهم.
الحق سبحانه وتعالى يبين لرسوله صلى الله عليه وسلم عِلة أنْ صدوه عن دخول مكة هذا العام، فالمسألة كلها مجرد حقد وحمية جاهلية تمكَّنتْ من قلوب هؤلاء، فكَبُرَ عليهم أنْ يدخل محمد وأصحابه مكة، ففي دخولهم هذا العام إهانة لهم.
الحمية هي الطيش والغرور والغطرسة، فالقوة لا تُمدح ولا تُذم إلا من خلال أثرها على صاحبها، فالقوة تُمدح إن جلبتْ الخير لصاحبها، وتُذم إنْ جَرَّته إلى الشر وأوقعته في الهلاك.
فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ.. [الفتح: ٢٦] السكينة يعني الطمأنينة، والثقة في نصر الله، والرضا بالصلح، والعودة دون دخول مكة هذا العام.
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ.. [الفتح: ٢٦] وهي كلمة التوحيد وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا.. [الفتح: ٢٦] أجدر بها وأهلٌ لها، حيث استحقوها بطاعتهم لله ولرسوله.
الحق سبحانه وتعالى يقصّ علينا قصة شوق المسلمين للبيت بعد أن اغتربوا عن مكة مدة طويلة واشتاقوا لأداء العمرة وللطواف بالبيت، ولكن حمية الجاهلية وطيشها وغرورها بقوتها الكاذبة حالتْ دونهم ودون ما يريدون.
والحق سبحانه حينما يتكلم في هذه المسألة يتكلم عنها على أنها رؤيا سبقتْ واقع القصة، والرؤيا كما تعلمون ما يراه النائم من أشياء، قد يكون لها واقع وقد لا يكون.
والرؤيا تحدَّث القرآن عنها في قصة سيدنا يوسف عليه السلام: يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف: ٤].
وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية، واعترضوا على أسلوب القرآن في تكرار الفعل (رأى) في هذه الآية وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف: ٤].
والمتأمل في القصة وتفاصيلها لا يجد تكراراً، لأن كلَّ فعل منهما له دلالة ومعنى، فالأول قال: رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ.. [يوسف: ٤] ولم يقُلْ: ساجدين. وفي الأخرى قال: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ... [يوسف: ٤].
وهذا يعني أن الرؤيا الأولى غير الأخرى، الأولى رآهم بلا سجود، رأهم في وضعهم الطبيعي، ثم رآهم في حالة السجود، لأنك لا تعرف الشمس مثلاً ساجدة إلا إذا عرفتها غير ساجدة ثم طرأ عليها السجود.
إذن: لابدَّ من تكرار الفعل هنا مرة لغير السجود، ومرة أخرى للسجود، يعني فوجىء بها تسجد، ولو قال: رأيتها ساجدة بدايةً لقُلْنا: كيف؟ لأن السجود لا يكون إلا بحركة ساكن وتحرّك بالسجود.
إذن: الحق سبحانه لا يضع لفظاً إلا لغاية ومعنى، ولِلَقْطَة لابدَّ منها.
ولما قَصَّ يوسف على أبيه هذه الرؤيا قال: قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً.. [يوسف: ٥] لأن سيدنا يعقوب عليه السلام علم أن هذه الرؤيا تعني علو شأن يوسف على إخوته، وإذا كانوا قد حقدوا عليه لاهتمام أبيه به أو منحه بعض العطف أكثر منهم.
فكيف إذا قصَّ عليهم هذه الرؤيا؟ كيف إذا عرفوا أن الملأ الأعلى من المخلوقات سجدوا له؟
كذلك هنا رؤيا لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ.. [الفتح: ٢٧] فكأن سيدنا رسول الله قد رأى رؤيا هي لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ.. [الفتح: ٢٧].
وقد قصَّ رسول الله هذه الرؤيا على أصحابه، فاطمأنوا إلى دخولهم مكة وآداء العمرة، كذلك لما منعهم سفهاء قريش من دخول مكة تعجبوا واعترضوا على منعهم من الدخول.
وسيدنا عمر يقول لسيدنا رسول الله: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلِمَ نُعط الدنية في ديننا؟
صحيح هم على الحق وجاءوا على شوق للبيت، لكن إنْ دخلوا مكة غصباً ودون رضا أهلها ستقوم بينهم معركة. وقلنا: إنها ستصيب جماعة من المسلمين في مكة لم يعلنوا عن إسلامهم كما ذكر في الآية السابقة.
لذلك قال الحق سبحانه بعدما فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ.. [الفتح: ٢٧] فالحق سبحانه أخبر نبيه بالرؤيا وصدَّقها في الواقع، لكن لم تحدث بعد، لأن الله يعلم من واقع الأمر ما لا تعلمون، لذلك أجَّل العمرة هذا العام، وجعل الرسول يعقد معاهدة الصلح بينه وبين كفار مكة على أنْ يؤدوا العمرة العام المقبل.
واقرأ قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ.. [الفتح: ٢٧] ولم يحدد لها زمناً، فلو قال قائل مثلاً: ألم تقُلْ أننا سنؤدي العمرة وندخل المسجد الحرام يقول له: ليس بالضرورة هذا العام.
والمتأمل في ألفاظ الآية يجدها تدل على هذا المعنى، وأن العمرة لن تكون هذا العام، نفهم هذا من معاني الكلمات لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ.. [الفتح: ٢٧].
فلو دخلتم دون إذن قريش ورضاها لن يتحقق لكم هذا الأمن، فسوف يقاتلونكم ويعتدون عليكم، حتى لو سمحوا لكم بالدخول فلنْ يتحملوا رؤيتكم وأنتم تطوفون بالبيت، وسوف تأخذهم حمية الجاهلية لابدَّ.
ثم قال: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ.. [الفتح: ٢٧] وهذا أمن آخر بعد أداء العمرة، لأن قريشاً كانت إذا دخل أحد الحرم لنُسك لا يتعرضون له، لكن يعتدون عليه بعد أنْ يفرغ من نُسكه.
فقوله لاَ تَخَافُونَ.. [الفتح: ٢٧] دلَّ على أنهم آمنون في بداية العمرة وفي نهايتها، وهذا لا يتوفر لهم إلا إذا دخلوا برضا قريش وإذنها.
كلمة ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ.. [الفتح: ٢٧] الحق هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير، فما دام أن الله أراه الرؤيا فلا بدَّ أنْ تصدُقَ في الواقع، لأن رؤيا الأنبياء حَقٌّ، ونبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأت أول ما بدأت بالرؤيا الصادقة، وقد مكث رسول الله في مرحلة الرؤيا هذه ستة أشهر.
فإذا ما قارنّا بين هذه المدة وبين مدة ٢٣ سنة هي عمر بعثته صلى الله عليه وسلم وجدناها ١/٤٦، لذلك ورد في الحديث الشريف، وبدأ النبوة بالرؤيا الصالحة لأنها تأتي والإنسان نائم، وليس له خواطر خاصة في شهوة أو خلافة.
وقوله تعالى: فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ٢٧] أي: جعل من بعد صلح الحديبية ورجوعهم بدون عمرة فتحاً قريباً للإسلام وللمسلمين.
وهذا الفتح من عدة وجوه: أولاً الهدنة مع قريش والتصالح معها، وهذا التصالح أعطى فرصة لنشر الدعوة خارج مكة، حيث تفرَّغ المسلمون لذلك بعد أنْ أمنوا جانب قريش.
وهذا يعني أيضاً الاعتراف بمحمد وبدعوته واحترام العهد معه، فقد أصبح للإسلام كلمة تُسمع بعد أنْ كان مضطهداً.
ثم كان هذا الصلح عزة للمسلمين، كما قال تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا.. [الفتح: ٢٦] كلمة الله هي كلمة (لا إله إلا الله)، لذلك قال فيها إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ.. [الحجرات: ١٣] فالكرامة هنا، وإياكم أنْ تظنوا أن قريشاً حين تصدكم عن المسجد الحرام أن هذا يعني عزة لها، أبداً لأن العزة لله والكرامة عند الله بالتقوى، لا بالطيش والغرور بالقوة الكاذبة.
والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصُّلح يُعطينا درساً في الحنكة السياسية، فقد قبل الصلح مع الكفار، وقبل أن يعود هو وأصحابه دون دخول مكة هذا العام وهم على مقربة منها، لأن في ذلك صالح المسلمين والإسلام، حتى إنه في أثناء المعاهدة تنازل عن أشياء ما كان أحد يظن أنه يتنازل عنها.
فلما جاءوا لكتابة المعاهدة أملى رسول الله الكاتب وهو الإمام علي: هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: لا لو كنا نعلم أنك رسول الله ما حاربناك ولا وقفنا منك هذا الموقف، فردَّ عليه رسول الله: بل اكتب محمد بن عبد الله ونزل على رأي سهيل بن عمرو لكن اعترض علي. وقال: بل اكتب رسول الله، فقال له رسول الله: اكتبها وستُسام مثلها فتقبل.
وفعلاً مرَّتْ السنوات، وحدث الخلاف بين علي ومعاوية ولما انتهيا للصلح. قال علي: اكتب، هذا ما تعاقد عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فاعترضوا على كلمة أمير المؤمنين وقالوا: لو نعلم أنك أمير المؤمنين ما قاتلناك فرضي بها وكتب: علي بن أبي طالب. وكانت هذه المسألة علامة من علامات النبوة.
وأيضاً لما أملى الرسول صلى الله عليه وسلم في أول العقد: بسم الله الرحمن الرحيم فرفضوا كتابتها وقالوا: نحن لا نعرف هذا، بل اكتب: باسمك اللهم فرضي بها أيضاً سيدنا رسول الله.
وهذه كلها تنازلات من رسول الله، جاءت مراعاة لمصلحة الإسلام والمسلمين في إطار فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ.. [الفتح: ٢٧] وكانت النتيجة فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ٢٧] وفعلاً بعد هذا الصلح توالتْ الفتوحات بعد أنْ أمِنوا شر قريش لمدة عشر سنوات.
الهدى هو الدلالة على طريق الخير الموصِّل للغاية التي تسعد صاحبها في الدنيا والآخرة، وقد أُرسل سيدنا رسول الله بالهدى للناس كافة فدلَّ الجميع، فمَن اهتدى بهداه أعانه اللهُ وزاده هدى وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] ومن انصرف عنه واختار الضلال زاده الله ضلالاً بأنْ ختم على قلبه.
ومثّلنا لذلك بشرطي المرور حين يرشدك إلى الطريق، فإنْ سمِعتَ كلامه واهتديتَ بدلالته لك زادك وصحبك حتى يُوصِّلك إلى غايتك، وإنْ انصرفت عنه ولم تأخذ برأيه تركك ومصاعب الطريق، وربما رآك على الطريق الخاطئ، فلم ينصح لأنك لم تسمع له.
والقرآن الكريم لما تكلم عن الهدى قال: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥] وهذا المعنى يُصحح الفهم الخاطىء عند البعض، حيث يروْنَ أن الهدى عبء على صاحبه ومشقة وتكاليف وتقييد للحرية.
لكن الهدى في الواقع غير ذلك، الهدى مطيّة تحملك إلى غايتك، فأنت على هدى يعني مُستْعل عليه تركبه ليوصِّلك، فالمنهج وإنْ كان في ظاهره يقيد حركتك، إلا أنه يُقيدها لصالحك أنت ويقف ضد شهواتك لصالحك أنت.
المنهج حين يقيد يدك عن السرقة يقيد يد الناس جميعاً، أنْ تسرق منك، وحين يأمرك بغضِّ البصر عن محارم الناس يأمر الناسَ جميعاً بغضِّ البصر عن محارمك. إذن: أنت الفائز في هذه المسألة. المنهج يقيد حركتك عن شهوة عاجلة في الدنيا ليعطيك نعيماً باقياً في الآخرة.
وقوله: وَدِينِ ٱلْحَقِّ.. [الفتح: ٢٨] أي: الإسلام، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ.. [الفتح: ٢٨] يُعليه ويُعلي كلمته على كل الأديان التي سبقتْه، لأن القرآن جاء مهيمناً على كل هذه الكتب، كما قال تعالى: وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ.. [المائدة: ٤٨].
والظهور هنا ظهور حجة وبرهان، وظهور كمال في التعاليم وفي المنهج، وهذا لا يمنع وجود ديانات أخرى ما زالتْ حتى الآن وبعد أربعة عشر قرناً من الإسلام.
لذلك سُئلنا هذه السؤال في إحدى سفرياتنا، فقلنا لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ.. [الفتح: ٢٨] لا تعني أنْ يكون الناسُ جميعاً مسلمين، لأن الظهور هنا ظهور تعاليم، وحدث هذا بشهادتكم أنتم فقد ألجأتكم قضايا الحياة إلى منهج الإسلام حيث لا حلَّ لكم إلا فيه.
لذلك رأيناهم يأخذون مثلاً بأحكام الطلاق في الإسلام، وهذا إظهار للدين لأنهم أخذوا تعاليمه دون أنْ يؤمنوا به، كذلك في مسألة تعدد الزوجات كانوا يهاجمونها ويتعرضون عليها والآن ينادون بها.
والعجيب أنهم يرضوْنَ بتعدد الخليلة يعني العشيقة، ولا يرضون بتعدد الحليلة أي الزوجة، وهذا فساد في الطبع والذوق وتصرُّف تأباه الشرائع.
كذلك في الناحية الاقتصادية، لما تكلَّم (كِنز) ملك الاقتصاد عندهم انتهى إلى القول بأن المال لا يؤدي وظيفته الاجتماعية في الكون إلا إذا انخفضتْ الفائدة إلى صفر، وهذا هو رأي الإسلام.
لذلك حرَّم التعامل بالربا لأن الربا عملية بين غني وفقير، غني عنده فائض يُقرض، وفقير مُعدم يقترض، فكيف نطلب من الفقير الذي لا يملك الأصل أنْ يعطي الغني الذي يملك الأصل وزيادة.
ثم هَبْ أن الفقير أخذ المال ليستثمره في التجارة ثم خسرتْ هذه التجارة. إذن: يكون مطلوباً منه أن يسدد رأس المال ثم الفوائد إلى جانب جهده الذي راح هباءً طوال مدة التجارة.
إذن: كم مصيبة حَلَّتْ به؟ إذن: تحريم الربا يُقدِّر أولاً مصلحة الفقير، ويُقدِّر أيضاً مصلحة الغني في كل شيء لأنك إنْ كنتَ قادراً فأقرضتَ نظرت إلى حال الغني.
لكن قد تتقلب الأوضاع، ويصير الغنيُّ فقيراً يحتاج إلى أنْ يقترض. إذن: ليس من مصلحته أنْ يتعامل بالربا.
وقوله: وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً [الفتح: ٢٨] يعني: شهادته كافية، لأن الشاهد حينما يشهد يشهد بما رأى ورؤيته محدودة، إنما حين يشهد الله فهي شهادة العلم المحيط إحاطة تامة ولا يوجد من يغيرها، لكن شَهِيداً [الفتح: ٢٨] على ماذا؟ قالوا: على أن الذي يتبع الهدى مصيره إلى الجنة، وهي دار النعيم الدائم الذي لا ينقطع، والنعمة التي لا تزول.
مُّحَمَّدٌ اسمه صلى الله عليه وسلم رَّسُولُ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٩] وصفه الجديد، لأننا عرفنا محمداً أولاً قبل أنْ يكون رسول الله، ومحمد من الحمد يعني أن الناس تحمده وقد حمده قومه منذ صِغَره، وقالوا: الصادق الأمين.
فقد كانت سيرته وماضيه بينهم يدلّ على هذه الصفات، وعلى أنه شخص مميَّز بين أقرانه وأنه غير عادي.
وقد أجمعوا على ذلك حتى قبل الرسالة، وكانوا يرون في طفولته أنه لم يُصَبْ بشيء من لوثة الطفولة ولهوها ولعبها، رأوا أنه كان يرعى الغنم وكان مثله من الفتيان الذين يرعون الغنم في البادية ينزلون بالليل إلى مكة يحضرون سهرات اللهو.
أما هو فقد فكر مرة في أنْ ينزل معهم، فلما ذهب معهم إلى هناك أخذه النوم، فلم يستيقظ إلا بعد أنْ انفضَّ السامر. فكأن الله عصمه ونزَّه سمعه وبصره أنْ يسمع أو يرى شيئاً من هذا، أما رفاقه فقد تعجَّبوا لأنهم لم يروْه بينهم، لذلك أصبح مأموناً عندهم، ولما لم يُجرِّبوا عليه كذباً قط أصبح جديراً بأنْ يقولوا عنه: الصادق الأمين.
وفي يوم من الأيام اجتمع الصبيان لحمل حجر ثقيل يلعبون به، فلما ثَقُلَ عليهم شمَّروا ثيابهم حتى لايؤثر الحجر في أكتافهم، وكان معهم رسول الله فأمسك بثوبه، وأراد أن يفعل مثلهم، فسمع صوتاً يقول له: عورتك يا محمد، فكان هو الوحيد الذي لم يكشف عن عورته.
وقد لاحظوا عليه ذلك قبل سنِّ التمييز، فأخذوا عنه فكرة أنه مُهيأ من ناحية أخرى، ثم عرفوا سداد رأيه وحُسْن تفكيره في مسألة وضع الحجر الأسود في مكانه، حينما اختلفتْ قبائل قريش مَنْ ينال شرف وضع الحجر في مكانه حتى كادوا أنْ يتقاتلوا، ثم قالوا: نُحكِّم أول داخل علينا.
فكان محمد الصادق الأمين الذي لا يختلف على أمانته اثنان، فأخذ رداءه ووضع عليه الحجر، وأمر كل قبيلة أنْ تأخذ بطرف منه، حتى إذا ما وصلوا به إلى موضعه من الكعبة حمله ووضعه في مكانه، وهكذا انتهى الخلاف الذي أثار حفيظة القوم.
فقوله تعالى: مُّحَمَّدٌ.. [الفتح: ٢٩] أي: هذا الذي تعرفونه وتعرفون صِدْقه وأمانته وكرم أخلاقه، هذا الذي لبث بين ظهرانيكم أربعينَ سنة هو رسول الله الذي اختاره الله للرسالة. إذن: أنتم شهدتم له قبل أنْ أرسله إليكم، وما دام قد شهدتم له بالخُلق الجميل وسداد الرأي فواجبٌ عليكم أنْ تُصدقوه.
والحق سبحانه وتعالى لم يصف محمداً في ذاته إنما صفَّى أصوله، وزكَّاهم بأنْ عصمهم من السجود للأصنام، وهي عبادة كانت شائعة في هذا الوقت، وقد أجمعوا على أن أجداده لم يسجد أحدٌ منهم لصنم.
لذلك جاء في الحديث الشريف: أي: أنه صلى الله عليه وسلم جاء من نسل طاهر لم يخالطه شيء من سفاح الجاهلية.
وقصة أبيه عبد الله مع زينب الخثعمية معروفة في الجزيرة العربية كلها خاصة في مكة، حيث رأت فيه جمالاً وجلالاً فعشقته حتى راودته عن نفسه، وعندها قال الأبيات المشهورة:
أمَّا الحَرَامُ فَالمَمَاتُ دُونَهُ  والحِلّ لا حل فَأسْتبِينَه
يَحْمِي الكَرِيمُ عِرْضَهُ وَدِينَه فَكْيفَ بالأمْرِ الذِي تَبْغِينه؟

فلما تزوج عبد الله من آمنة بنت وهب وحملت في رسول الله انتقل إليها هذا النور الذي كان في وجه عبد الله، فلما رأتْه الخثعمية بعد ذلك قالت: وماذا أفعل به وقد ذهب النور الذي كان في وجهه؟
وهذا يعني أن الحق سبحانه وتعالى صنع محمداً على عينه، وحماه من سِفَاح الجاهلية، وحماه في كل مراحله.
وبعد ذلك مات أبوه واستُرضع في بني سعد، ورأت له مرضعته كثيراً من الكرامات والمعجزات، فلما قالت لإخوته في الرضاعة: احموا محمداً من حر الشمس. فقالوا: والله يا أماه ما نجده أبداً في حرِّها، لأنه إذا سار نرى فوقه غمامة تُظلله.
إذن: شهد له في ذاته، وشهد له في آبائه، علم الجميع أنه مُؤيَّد من أعلى.
فقوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٩] يعني أنه اختار الرسول على وفْق رأيكم، فإياكم أنْ تكذِّبوه، ومحمد هنا مبتدأ مُخبر عنه بقوله: رَّسُولُ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٩].
أي: أن محمداً المعروف لكم هو رسول الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فكان الواجب ساعة يُرسَل إليكم أنْ تؤمنوا به وأنْ تُصدقوه.
والحق سبحانه وتعالى لما أيَّد محمداً بالمعجزات أيّده بمعجزة عقلية، وفرَّق بين معجزة عقلية ومعجزة كونية، فالمعجزة الكونية تقع مرة احدة، كما رأينا في قصة سيدنا عيسى عليه السلام، وأنه كلَّم الناس في المهد، ولم يَرَ هذه المعجزة سوى القوم الذين حضروها وعاينوا هذا الموقف.
أما بالنسبة لنا فهو خبر نُصدقه ونؤمن به، لأن القرآنَ أخبر به.
أما محمد فرسالته عامة وخاتمة للرسالات إلى قيام الساعة، إذن: فمعجزته يجب أن تتناسب مع عمومية الرسالة، يجب أن تكون معجزة خالدة باقية لا تنتهي بانتهاء الموقف.
لذلك جاء القرآن معجزة باقية ببقاء الرسالة إلى قيام الساعة، فمنذ نزلت الرسالة ونحن نقرأ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ.. [الفتح: ٢٩] وستظل تُقرأ إلى قيام الساعة، محمد رسول الله بدليل هذا القرآن المعجز.
لذلك قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فتولَّى الحق سبحانه بنفسه حِفْظ القرآن على خلاف الكتب السابقة عليه، حيث وكل الله حفْظها إلى أهلها ومَنْ آمن بها. وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ.. [المائدة: ٤٤] ومعنى ٱسْتُحْفِظُواْ.. [المائدة: ٤٤] أي: طُلِب منهم حفظها تكليفاً من الله، والتكليف عرضة لأنْ يُطاع ولأنْ يُعصَى، وقد رأيناهم لم يحافظوا بل بدَّلوها وغيَّروها ونسُوا الكثير منها.
أما القرآن فهو كما هو منذ أنزله الله على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الله حفظه بحفظه، ولم يأتمن على ذلك البشر.
ومن مظاهر حفظ الله للقرآن أنْ يسخر له مَنْ يخدمه حتى ممَّنْ لا يؤمنون به، فكثيرٌ ممَّنْ يقومون على طباعة القرآن وزخرفته الآن من غير المسلمين، وقد رأينا الرجل الألماني الذي طبع القرآن كله في صفحة واحدة مع أنه لم يفعل هذا في الإنجيل وهو كتابه.
إذن: نقول أن ماضي رسول الله بين قومه أهَّله لمهمة الرسالة، لذلك الذين استقبلوا خبر بعثته صلى الله عليه وسلم سارعوا إلى تصديقه قبل أنْ يسمعوا من القرآن آية واحدة، لماذا؟
لأنهم أخذوا الدليل على صدقه من ماضيه فيهم، فما جرَّبوا عليه كذباً قط، والذي لا يكذب على الناسَ من باب أوْلَى لا يكذب على الله ربّ الناس.
ومثل هذا الموقف رأيناه أيضاً من الصِّديق أبي بكر في حادثة الإسراء والمعراج، فلما بلغه أن رسول الله يدَّعي أنه أُسْري به قال: إنْ كان قال فقد صدق.
أما المعجزة فقد جاءتْ لمن كذَّب وأنكر رسالته صلى الله عليه وسلم، جاءت لمَنْ لم يؤمن ولمَنْ اتهم القرآن بأنه كذبٌ وافتراء، فجاء ليقول لهم فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ.. [يونس: ٣٨] أي: مفتراة.
وقوله: وَٱلَّذِينَ مَعَهُ.. [الفتح: ٢٩] أي: آمنوا به وأصلحوا في معيته البشرية والمنهجية، وهؤلاء وصفهم بأنهم أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. [الفتح: ٢٩] إذن: جمعوا بين الشيء ونقيضه، بين الشدة والرحمة.
وهذا دليل على أن المؤمن ليس له طبْع واحد يحكمه، إنما يتغير تبع التكليف الذي يأتيه من ربه عز وجل، فمع الأعداء تجده قوياً شديداً عليهم، يُريهم أن قناة المؤمن لا تلين، أما مع إخوانه المؤمنين فهو رحيم بهم شفيق عليهم.
وفي موضع آخر عبَّر القرآن عن هذا المعنى، فقال: أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ.. [المائدة: ٥٤] فالمنهج الإيماني هو الذي يحكم سلوك المؤمن ويُوجهه، وهذا ما رأيناه بالفعل في تصرّفات كل من الصِّديق أبي بكر والفاروق عمر.
فأبو بكر مع ما عُرِف عنه من اللين والرحمة لما جاءت مسألة الردة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيناه يخرج عن هذا الطبع الليِّن، ويكون في أشدِّ ما يمكن.
ويقول لعمر: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتُهم عليه، وينهر عمر ويقول له: أجبَّار في الجاهلية خوَّار في الإسلام.
والمتأمل في مسألة الردة يجد أنها تحتاج إلى قسوة وحزم، وإلا انتشرتْ خاصة بين ضعاف الإيمان، والناس ما يزالون حديثي عهد بالدين، وهذا ما أخرج أبا بكر من طبْع اللين إلى طبْع الشدة.
وقوله تعالى: تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً.. [الفتح: ٢٩] فهم مع هذه الشدة على الكفار تراهم ركعاً سجداً، والركوع والسجود مراحل لإظهار العبودية الكاملة لله تعالى، فالركوع تنحني بقامتك لله، والسجود أعظم من الركوع حيث تخرّ إلى الأرض وتضع جبهتك، وهي أشرف موضع فيك على الأرض تواضعاً وتذللاً لله وخضوعاً له سبحانه.
لذلك قلنا: في الركوع والسجود كمال العبودية لله، وهذا فهمناه من قول إبليس الذي حكاه عنه القرآن: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ.. [الأعراف: ١٧].
فلم يذكر باقي الاتجاهات أعلى وأسفل، لماذا؟ لأن الأعلى يمثل علو الألوهية، حين نرفع أيدينا بالدعاء، والأسفل يمثل ذُلَّ العبودية حينما تسجد الجباه، وتخضع لله تعالى، لذلك لا يأتي الشيطان من هذين.
وقوله تعالى: يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً.. [الفتح: ٢٩] هذه هي علة كونهم أشداء على الكفار ورحماء بينهم، وكوْنهم يحافظون على الركوع والسجود، أي: يفعلون هذا ابتغاء فضل الله وطمعاً في رضوان الله عنهم.
وهذا قمة الإخلاص في الأعمال، فهدفهم من العمل وجه الله لا ينظرون إلى غيره، لماذا؟ لأنهم يحسبون حساب هذا اليوم الذي سيقفون فيه أمام الله، ولا يجدون غير الله يحاسبهم ويجازيهم.
لذلك قلنا في العلماء والمخترعين الذين خدموا البشرية بأعمالهم الحسنة ومع ذلك لا نصيبَ لهم في الآخرة، لأنهم ما عملوا لله إنما للبشرية وللحضارة.
لذلك قال الله عنهم: وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩] فُوجئ بالإله الحق الذي لم يكُنْ في باله هو الذي يحاسبه، وهو الذي يجازيه.
ومن علامات هؤلاء المؤمنين أيضاً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ.. [الفتح: ٢٩] سيماهم أي علامتهم المميزة لهم هي الأثر الذي يتركه السجود في جبهة الإنسان والتي نسميها زبيبة الصلاة.
فالخالق سبحانه لم يخلق البشر في الكون على قالب واحد، إنما لكل إنسان قالبه الخاص به، والذي لا يتطابق مع قالب آخر على كثرة الخَلْق، وهذه من طلاقة القدرة في عملية الخَلْق، فالناس مختلفون في الطول والقِصَر والعرض واللون والملامح.. إلخ.
لكن الصفة المميزة لجميع المؤمنين الذين وصفهم الله بهذه الصفات، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ.. [الفتح: ٢٩] وهذه العلامة يلازمها نور في الوجه وبشاشة نلاحظها على وجه المؤمن، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وكثيرون منّا يجد لذة في إطالة السجود، ويجد فيه أنْساً بالله فيعتاد ذلك، فتظهر هذه العلامة على جبهته إلى جانب هذا النور والإشراق الذي يبدو على وجهه.
وتستطيع أنْ تلاحظ هذا إذا قارنت بين رجل قضى ليله في الشرب والخلاعة والاستهتار، وآخر قضى ليله في عبادة الله وتسبيحه.
وهذه الوجوه تأتي هكذا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ [عبس: ٣٨-٤٢].
ونحن نلاحظ هذه الصورة، ونرى بدايتها في الدنيا قبل الآخرة.
وقوله تعالى: ذَلِكَ.. [الفتح: ٢٩] أي: الأوصاف التي سبق ذكرها للمؤمنين مع محمد وهي: أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ.. [الفتح: ٢٩] هذه الصفات هي: مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ.. [الفتح: ٢٩] وهكذا وصفتهم التوراة، فكأن التوراة فيها ذكر ومثَلٌ للمؤمنين الذين يؤمنون بمحمد الرسول الخاتم، لأن التوراة مُبشِّرة به.
أما الإنجيل فقد وصفهم بأوصاف أخرى غير هذه وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ.. [الفتح: ٢٩].
فهؤلاء المؤمنون مثلهم في الإنجيل مثل الزرع الذي أخرج شَطْأَهُ.. [الفتح: ٢٩] أي فروعه، والشطأ هو أعلى العود أو السنبلة فَٱسْتَغْلَظَ.. [الفتح: ٢٩] يعني: اشتد العود وقوِيَ وامتلأ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ.. [الفتح: ٢٩] يعني: بلغ مبلغه حتى إنه يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ.. [الفتح: ٢٩] لكمال استوائه واستقامته لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ.. [الفتح: ٢٩].
ولك الآن أنْ تقارن بين هذين المثالين تجد المثل الأول في التوراة اهتم بالنواحي الروحية، وذكر أموراً وأوصافاً كلها قيم ومعنويات، فأتباع محمد أشداء على الكفار رحماءُ بينهم، وهم رُكَّعٌ وسُجَّد يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وهم سيماهم في وجوههم من أثر السجود، كلها قيم ومعنويات ليس فيها شيء من الماديات أبداً.
أما مثلهم في الإنجيل فمثل مادي يخلو تماماً من الروحانيات أو القيم، لماذا؟ قالوا: لأن اليهود كانوا قوماً ماديين مبالغيين فيها؛ بحيث لا يقتنعون إلا بها.
ففي فترة التيه التي كتبها الله عليهم رزقهم المنَّ والسَّلْوى، وهو طعام حُلو شهيٌّ يأتيهم دون تعب، وينزل عليهم دون سَعي منهم، فلم يرضوا به لأنه غيبٌ لا يعلمون مصدره، وطلبوا من الله أن يرزقهم مما تنبت الأرض من بقْلها وقثَّائها وفُومها وعدسها وبصلها. أي: ما يزرعونه بأيديهم ويباشرونه بأنفسهم.
حتى في علاقتهم بالله أرادوا أنْ يكون سبحانه مادة، فقالوا: لموسى عليه السلام لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً.. [البقرة: ٥٥] والحق سبحانه وتعالى غيب لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ.. [الأنعام: ١٠٣].
أما رؤيتنا له سبحانه في الآخرة فلأننا نُعَدُّ فيها إعداداً آخر يناسب هذا الشرف، بحيث نتمكن من رؤيته تعالى، أما في الدنيا فلا نقدر على ذلك لأن الله تعالى لم يمنع تجليه على خَلْقه، لكن نحن في الدنيا لا نقدر على تحمل هذا التجلي.
وهذا المعنى واضح في قصة سيدنا موسى عليه السلام، لما قال لربه عز وجل رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ.. [الأعراف: ١٤٣] فكان الجواب قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي.. [الأعراف: ١٤٣] وهذا يعني أن غيرك يمكن أنْ يراني. فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً.. [الأعراف: ١٤٣] فلما تجلّى ربنا للجبل اندكّ الجبل، فكيف إذا تجلى سبحانه وتعالى على الإنسان، وموسى عليه السلام رأى الجبل وهو يندكّ فخرَّ وصعق من هَوْل ما رأى من أثر التجلِّي على المتجلَّى عليه.
نقول: فلما كانوا بهذه الصورة من المادية جاء لهم بمثَل كله روحانيات وقيم، فكأنه ذكر في التوراة من صفات المؤمنين بمحمد ما ينقض أهل التوراة، يقول لهم: أنتم بالغتم في المادية، وسوف آتي بنبي له أمة تقيم الروحانيات والقيم التي قصَّرتم أنتم فيها.
أما النصارى فكانوا يُغلِّبون الروحانيات، والإنجيل ذاته كله روحانيات وقيم، لذلك لما سُئِلَ سيدنا عيسى عليه السلام عن مسألة ميراث قال: أنا لم أبعث مورثاً.
وهذا التباين بين التوراة والإنجيل جعل اليهود والنصارى يلتقون على كتاب واحد، مزيج من التوراة والإنجيل ليجمعوا بين المادية والروحانية، وسمَّوْه الكتاب المقدس، التقوا عليه رغم ما بينهم من العداوة والخلاف.
ولما كان الإنجيل بهذا الوصف جاء مثَلُ المؤمنين فيه مثلاً مادياً تماماً، وهو الشيء الذي يفتقده الإنجيل، فالإنجيل يخلو تماماً من الحديث عن المعاملات وعن حركة الحياة، إذن: فكلُّ مثل منهما جاء ليجبر نقصاً، فاليهود ينقصهم الروحانيات، والنصارى ينقصهم الماديات في حركة الحياة.
ونقف هنا عند قوله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ.. [الفتح: ٢٩] هذه إشارة إلى أن تقدمنا في الماديات وبلوغنا فيها درجة الاستواء والاستقامة والاكتفاء الذاتي، هذا أمر يغيظ الكفار، فاحذروا أنْ يسبقوكم في هذا المجال.
إنهم إن سبقوكم فيه أذلوا أعناقكم، وتحكموا في مقدراتكم، واستعلوا عليكم بما يملكون من إمكانيات ليست عندكم.
وهذا للأسف ما حدث، فقد احتجنا إليهم في معظم الصناعات حتى في لقمة العيش، وها هم يفعلون بنا الأفاعيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا: يا مَنْ آمن بمحمد فارتضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً عليكم أنْ تأخذوا من كلٍّ بطرف، خذوا من الماديات ما يُعلي شأنكم، وما يُعينكم على حركة الحياة.
وخذوا من الروحانيات ما يعصمكم من الزلل، ويصلح دينكم ودنياكم، لأن مثلكم في التوراة قِيَم، ومثلكم في الإنجيل مادة.
لذلك جاء الإسلام مُؤيّداً بالعلم الكوني لا يتعارض معه، والقرآن مليء بالحديث عن هذه الكونيات، واقرأ إنْ شئتَ وتدبر هذه الآيات: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٧-٢٨].
فذكر أجناس الوجود كلها الإنسان والحيوان والنبات والجماد، وكلمة العلماء هنا لا تقتصر على علماء الدين، إنما كل العلماء في كل المجالات دينية أو دنيوية.
فكأن الحق سبحانه أراد لنا ديناً يجمع بين الدنيا والآخرة، بين العبادة وحركة الحياة، فإياكم أنْ تأخذوا الدين وتتركوا الدنيا لأعدائكم يستزلونكم بها.
وسبق أنْ قلنا: مَنْ أراد أنْ تكون كلمته من رأسه فلتكُنْ لقمته من فأسه، فإياكم أنْ يتفوق عليكم أعداؤكم في هذا المجال، لأن عطاء الربوبية واحد للمؤمن وللكافر، فلا تتركوه اعتماداً على عطاء الألوهية.
إنك لا تستطيع أنْ تقيم العبودية لله إلا إذا أخذتَ بعطاء الربوبية، وسعيْتَ إلى تطوير حركة الحياة والاستفادة منها والمشاركة فيها.
وسبق أنْ أشرنا إلى مسألة ستر العورة مثلاً، وهي واجبة، ولا تتم العبادة إلا بها، انظر كم حركة من حركات الحياة نقوم بها لنستر عورتنا باللباس؟
تتبع بذرة القطن من حين أنْ تضعها في الأرض إلى أنْ تصير ثوباً تلبسه، إذن: نقول حركة الحياة هي التي تعين على حركة الدين.
ثم يقول تعالى: وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح: ٢٩] انظر آمَنُواْ.. [الفتح: ٢٩] هذا جانب الدين وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [الفتح: ٢٩] هذا جانب الدنيا وما تحتاجه من حركة الحياة.
فإياك إذن أنْ تهمل جانباً لحساب الآخر، لأن دينك دينٌ جامع للروح وللمادة. والذين آمنوا هم الذين جمعوا هذه الصفات ووعدهم الله هذا الوعد.
والإيمان هو العقيدة الراسخة المستقرة في النفس، والتي لا تقبل المناقشة، فالقلب مطمئن بهذه العقيدة، وأنها تُسعد دنياه وآخرته، والأصل في الإيمان أنْ تؤمن بالله رباً وخالقاً للكون، تؤمن بأسمائه وصفاته.
فإذا آمنتَ بهذه الصفات اطمأن قلبك إلى ما يجري عليك من قضائه وقدره، فهو سبحانه يبتليك بالخير لتشكر، ويبتليك بالشر لتصبر، فأنت مُثَاب في كلتا الحالتين.
والإيمان من مادة (أمن) فهي تدور حول الأمان والاطمئنان. تقول: آمنت بكذا. يعني: اعتقدتُه اعتقاداً جازماً لا يدخله شَكٌّ، وآمنت له يعني: صدَّقته. وأمَّنه يعني: طمأنه على مستقبل حياته، إذن: كلها تدور حول الاستقرار والثبات وعدم التحول إلى النقيض.
وثمرة الإيمان وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [الفتح: ٢٩] يُراد بها ما تقدَّم من قوله تعالى: أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ.. [الفتح: ٢٩] وهم في الماديات وفي حركة الحياة مثل الزرع الذي استوى على سُوقه يُعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار.
والوعد للمؤمنين بماذا؟ مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح: ٢٩] قلنا: فيها تخلية ثم تحلية يغفر أولاً. ثم يعطي الأجر. والقاعدة الشرعية أن درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة.
لذلك يقول تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. [آل عمران: ١٨٥] فالزحزحة عن النار في ذاتها نعمة، لذلك ضُرب الصراط على متن جهنم، فلا بد لمن يمر عليه أنْ يرى جهنم بعينه ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ [التكاثر: ٧].
وهذا يُشعرك بعظمة الإيمان، وأنه النعمة الكبرى لأنه نجانا من هذه النار وأدخلنا الجنة، والعمل الصالح هو الذي أخذ بيدك وتجاوز بك هذه العقبة.
واقرأ: وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ١-٣] فمطلق الإنسان في خُسْر لا يستثنى منهم، ولا ينجو إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
والتواصي بالحق يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالصبر يدل على أن هذا الطريق محفوفٌ بالمخاطر، ويحتاج منك إلى صبر على الأذى من الخصوم ومن المعارضين فالنصح ثقيل.
وكلمة وَتَوَاصَوْاْ.. [العصر: ٣] تعني أن الكلَّ يوصي، ففيها استمرارية ومداومة وعدم يأس، لأن المعارض الذي تنصحه قد يصبر هو أيضاً ويتمادى، فعليك أنْ تغالبه في الصبر، وهذا معنى قوله تعالى: يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ.. [آل عمران: ٢٠٠].
ووعد الله هو الوعد الحق الذي لا يتخلف، لماذا؟ لأنه وعد ممَّنْ يملك كلَّ أسباب الوفاء ولا يعوقه عن الوفاء شيء ولا يمنعه مانع، ولأنه سبحانه الحق الذي لا يتبدّل ولا يتغيّر ولا يتحول، فمَنْ إذن يحول دونه ودون تحقيق وعده؟
فهو سبحانه الإله الواحد الأحد الذي لا شريك له في مُلكه، ولا منازعَ له في سلطانه، وهو القوي، فلا توجد قوة أخرى تمنعه. أما الوعد من البشر فقد لا يتحقق لأنَّ الإنسان لا يملك كلَّ أسباب الوفاء، وهو أهل أغيار وتقلُّب.
لذلك يقول سبحانه: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. [الرعد: ١١].
إذن: نقول إن الحق سبحانه ثابت لا يتغير من أجلنا، لكن علينا نحن أنْ نغير من أنفسنا من أجله تعالى.
وكلمة مَّغْفِرَةً.. [الفتح: ٢٩] تعني: أن الخالق سبحانه وهو أعلم بخَلْقه علم أننا خطاءون كثيرو النسيان كثيرو الجهل، لكن هذا كله مُتوقع منا، ولا ينبغي أنْ يُيئسنا من رحمة الله لأنه هو الذي خلقنا على هذه الصورة، وهو الذي تكفّل لنا بالمغفرة، وما علينا نحن إلا أنْ نطرق أبوابها وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ [طه: ٨٢].
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

29 مقطع من التفسير