تفسير سورة سورة محمد

الشعراوي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

آية رقم ١
تأمل هنا ما أحسن التقاء وتناسب نهاية السورة مع بداية الأخرى، ففي نهاية الأحقاف: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ [الأحقاف: ٣٥] وهنا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ [محمد: ١] فكأن الفاسقين هم الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله.
عرَّفنا الكفر أنه الستر سَتْر الحقيقة، أو ستر آثار الحقيقة، فكلمة (كفر) تقتضي بمدلولها وجود مستور، والكفر ماذا يستر؟ يستر نقيضه وهو الإيمان، إذن: وُجد الإيمان أولاً، ثم جاء الكفر ليَستره.
فكلمة الكفر أول دليل من أدلة الإيمان، لأن الإيمان أمر فطريّ، وغريزة في النفس البشرية وهي ما تزال في عالم الذر لما أخذ الله عليها العهد أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. [الأعراف: ١٧٢].
وقد لا يستر الكفر الشيء، إنما يستر آثاره، كما في قوله تعالى: وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ.. [النحل: ١١٢].
إذن: كفرت بالله شيء، وكفرت بأنعم الله شيء آخر.
والكفر بالنعمة يكون من عدة وجوه، فمن كُفر النعمة الغفلة عنها وعدم البحث عن أسبابها، وعدم استنباطها في الكون بما فيه من أسباب: الماء والهواء والأرض.
اقرأ مثلاً: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا.. [فصلت: ٩-١٠].
إذن: ربنا أعطانا الأسباب وأمرنا بالبحث فيها واستنباطها، وعدم التكاسل عن استخراج ما في الطبيعة من خيرات، فبعد أنْ أعطاك الله أسباب النعمة فلا تتهاون في شأنها وتعيش شحاذاً عالة على غيرك.
وقد يبحث الإنسان عن النعمة ويستنبطها لكن يسترها عن مستحقيها ويكنزها عنهم، وهؤلاء قال الله فيهم: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٤-٣٥].
إذن: الكفر إما كفر بالله بإنكار وجوده سبحانه، أو كفر بنعمه والآئه.
وقوله تعالى وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [محمد: ١] يعني: منعوا الناس أنْ يؤمنوا بالله، أو منعوا آذانهم أنْ تسمع إنذار الدعوة إلى الله، وصدُّوا أبصارهم ومنعوها أنْ ترى آيات الله في الكون وأنْ تتخذ منها دليلاً على الخالق سبحانه، وصدُّوا قلوبهم عن الإيمان بالله وقبول اليقين.
فهذه كلها مفعولات لصدُّوا، إذن: هؤلاء كفروا ولم يقتنعوا بكفر أنفسهم، بل حاولوا أنْ يجرُّوا غيرهم إلى ساحتهم.
لذلك وقف المستشرقون عند هذه المسألة يقولون: أنتم تقولون آيات محكمة، ثم بعد ذلك نجد فيها شبهة التناقض، مثل قوله تعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ.. [الزمر: ٧].
ويقول في موضع آخر: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.. [النحل: ٢٥] الواقع أنه لا تناقضَ بين الآيتين، لأن الحدث مختلف، لأنهم لما ضلوا في أنفسهم حملوا أوزارهم، ولما أضلوا غيرهم حملوا وزر ضلالهم، ووزر إضلالهم للغير.
ومعنى: أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ [محمد: ١] أبطلها وجعلها غير ذات فائدة، لأن معنى الضلال عدم الاهتداء إلى الطريق الموصّل للغاية وهؤلاء عملوا أعمالاً لا تعود عليهم بالنفع، وما النفع في الكفر وصدّ الناس عن الإيمان؟
حتى الذين يفعلون الخير وهم خارج ساحة الإيمان لا يُقبل منهم ولا يشفع لهم هذا الخير في الآخرة، لأنهم ما فعلوه من منطلق الإيمان، إنما فعلوه من منطلق الشهرة والسمعة والحضارة وخدمة البشرية إلى آخر هذه الشعارات.
لذلك يقول تعالى: وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً [الفرقان: ٢٣].
ويقول: وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩] فهؤلاء هم الذين يُقال لهم يوم القيامة: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا.. [الأحقاف: ٢٠].

وفى المقابل يقول سبحانه:

وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ... .
قلنا: إن المتقابلات يُظهر بعضها بعضاً، وذكر المتقابلات من أسلوب القرآن، ليحدث مقارنة بين الأمرين فتتضح الصورة كما في قوله تعالى: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٣-١٤].
وهنا يقول في مقابل الذين كفروا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ.. [محمد: ٢] ولم يقل آمنوا بمَنْ، لأن الإيمان أمر فطري، وساعة يُطلق ينصرف إلى الإيمان بالله، لأنه هو الإيمان الأول.
والفعل آمن يتعدى بالباء تقول آمن به يعني: اعتقد وجوده، ويتعدَّى باللام، تقول آمن له: يعني صدَّقه، وقد يتعدَّى بلا حرف كما في وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٤] وكلها تؤدي معنى الأمان والاطمئنان والسلام.
وقوله: وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [محمد: ٢] دائماً ما يقرن القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، لأن الإيمان عمل القلب، أما العمل الصالح فعمل القالب والجوارح، فمن القلب والقالب يكون الامتثال إيمان قلب للعقيدة، وإيمان قالب لطاعة الأمر ممن يعتقد به.
وسيد الجوارح كلها في الإنسان هو القلب، لأنه الآلة التي تضخ الدم وهو سائل الحياة إلى جميع أجزاء الجسم، فإذا عَمُر القلب بالإيمان ضخَّه إلى كل الأعضاء فاستقامتْ.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم: عمل القلب أنْ يؤمن بالله وبما يخبر الله به من الغيبيات: يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمن بالقدر خيره وشره، ثم يأتي عمل الجوارح، فالعين لا تمدها إلى محارم غيرك، واللسان لا تشهد به زوراً، ولا تغتب به الناس، ولا تقذف به المحصنات، ولا تحلف به يميناً كاذبة.
والبطن لا تملؤها إلا من الحلال، واليد لا تسرق بها، ولا تقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، والرِّجْل لا تسعى بها إلى محرم.
إذن: كل جارحة لها عمل صالح، ويجب أنْ تجنبها الحرام، وهناك من العمل الصالح ما يشمل كل الجوارح وهو بر الوالدين. لذلك قرنه الله بعبادته فقال: وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [النساء: ٣٦].
وفي سورة العصر بيان لأهمية العمل الصالح بعد الإيمان بالله، فقال تعالى: وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [العصر: ١-٣].
وقوله تعالى: وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ.. [محمد: ٢] قوله تعالى: وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ.. [محمد: ٢] بعد وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. [محمد: ٢] دل على وجوب الإيمان بالرسل السابقين.
لذلك قال تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ.. [الشورى: ١٣].
ذلك لأن أصل الدين واحد وهو عبادة الله وحده، فقضية الإيمان واحدة عند كل رسل الله، ومن الإيمان بالله يتفرع الإيمان بالكتب وبالرسل وبالآخرة والحساب، لأنك آمنتَ بالله.
لكن هل يخاطبك اللهُ وحدك ويقول لك: افعل كذا ولا تفعل كذا؟ لا إنما يختار للبلاغ عنه مَنْ يصطفيه من الرسل ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ.. [الحج: ٧٥].
اصطفى من الملائكة جبريل ليكون آمين وحيه، واصطفى من الناس الرسل والأنبياء، ففرع الإيمان بالله أنْ نؤمن برسل الله كلهم، وأنْ نُسوِّيَ بينهم في التعظيم.
وأذكر أن أحد المستشرقين سألني في سان فرانسيسكو: كيف تبيحون للمسلم أنْ يتزوج كتابية، ولا تبيحون للكتابي أنْ يتزوج بمسلمة؟ لماذا لم تجعلوها كالطعام والشراب؟ قلت لهم: لأن المسلم مؤمن برسول الكتابية، أما الكتابيّ فهو غير مؤمن برسول من يريد أن يتزوجها (المسلمة).
وقوله: وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ.. [محمد: ٢] أي: ما نزل على محمد هو الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغيّر ولا يتبدَّل، ثم تأتي ثمرة الإيمان كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد: ٢].
من رحمة الله بعباده أنْ شرعَ لهم التوبة، وفتح لهم باب الاستغفار، فهو سبحانه خالقهم وأعلم بهم وبما يصلحهم، يعلم أن الإنسان من طبيعته الغفلة.
لذلك قال: وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ.. [المائدة: ١٥] وشرع لنا الكفارات، فالصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كلها مُكفِّرات للذنوب وكأنها (أوكازيونات) للمغفرة حتى لا نيأس من رحمة الله، ولا نتمادى في المعصية.
فالمغفرة للذنوب رحمة يرحم اللهُ بها عباده حتى لا يدخلوا من باب اليأس وتنتشر المعصية وتستشري بين الناس.
وقوله: وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ [محمد: ٢] كل المفسرين يقولون يعني: أصلح حالهم كله النفسيّ والمعنوي والمادي، لكن فَرْق بين بال وحال: البال هو في الواقع الخاطر الذي يخطر في العقل، تقول: هذا الشيء في بالي يعني: في عقلي لا يفارقني، والإنسان عادة ما يشغل باله بالحالة التي هو فيها، فالطالب مثلاً: يشغل باله بالنجاح والرسوب والكلية والعمل بعد التخرج، فمَنْ أصلح الله باله انصلح حاله.
قوله تعالى: ذَلِكَ.. [محمد: ٣] إشارة إلى الجزاء الذي تقدم جزاء الكافرين الذين أضل أعمالهم، وجزاء المؤمنين الذين كفَّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم، هنا يُبيِّن علة ذلك وسببه، فالكافرون اتبعوا الباطل، والمؤمنون اتبعوا الحق، الباطل معدوم والحق ظاهر وثابت، فمَنِ اتبع المعدوم ينعدم عنده كُلُّ خير، ومن اتبع الحق الثابت الموجود يُوجد عنده كل خير.
لكن لماذا اتبع أهلُ الباطل الباطلَ؟ اتبعوه لأنه ليس له تكاليف تُقيد شهواتهم، وليس عنده محاذير ينبغي الوقوف عندها، البالطل يطلق للنفس العنان لتخوض في شهواتها وملذاتها ورغباتها.
بالباطل يسرق ويعيش على عرق بل دماء الآخرين، بالباطل يحقد على غيره ويحسده ويقتله، أما الحق فيمنعك من هذا كله ويُقيِّد عندك كل حركة منافية لمقتضيات الإيمان.
وإلا لماذا عُبدت الأصنام، وعُبدتْ الشمس والقمر والنجوم؟ نعم هم يعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، لكن ليس لها تكاليف تقيدهم، لذلك عبدوها.
وقوله تعالى: كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ [محمد: ٣] ضَرْب الأمثال لَوْنٌ من ألوان البيان لتوضيح المعنى في القرآن الكريم، ففي المسائل التي تقف فيها الأفهام يُوضحها الحق سبحانه للناس بالمثل ليُقربها للأذهان.
كما ضرب لنا مثلاً للذين يتخذون الشركاء مع الله، فقال سبحانه: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً.. [الزمر: ٢٩].
وأنت حين تقرأ هذا المثل يتضح لك مغبة الشرك وسلامة التوحيد، فهما نقيضان لا يستويان، كما لا يستوي عبد لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما مختلفون فيما بينهم، بحيث لا يستطيع إرضاء أحد منهم، وآخر عبدٌ لسيد واحد.
وكما ضرب اللهُ لنا مثلاً لنوره أو لتنويره للكون في سورة النور: ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ.. [النور: ٣٥].
ومن الأمثال التوضيحية: مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٤١].
قوله تعالى: فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ.. [محمد: ٤] أي: في ساحة القتال، ودارتْ بينكما رحَى الحرب فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ.. [محمد: ٤] المصدر ضرب بمعنى: اضربوا رقابهم.
والمراد: القتل سواء بضرب الرقاب أو غيره، لكن ذكر ضرب الرقاب لأنه الآكد في القتل حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ.. [محمد: ٤] يعني: أذهبتم حركتهم وأضعفتموهم عن المقاومة، ومادة ثخن هي نفسها تخن، أي: تماسك وصار ثقيلاً لا يتحرك.
نفهم هذا المعنى حينما نتأمل مثلاً ربة البيت وهي تطبح أرزاً باللبن أو بصارة أو تغلي العسل لتصنع منه المربى، فمع الغليان يتبخر الماء وتبقى مادة تخينة ثقيلة، لذلك لا تتحرك مع الغليان، وتكون حرارتها شديدة، نقول: ثخن الشيء أو تخن.
فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ.. [محمد: ٤] يعني: قيّدوهم واربطوهم بالسلاسل والحبال، وأحكموا قيدهم ليكونوا أسرى في أيديكم ولا يفروا. وهذا يعني أنك إذا تمكنتَ منه لا تتركه فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً.. [محمد: ٤].
إما أنْ تُطلقوهم وتُسرحوهم (مناً) بلا مقابل أو (فداءً) أي: تأخذون منهم الفدية. لكن متى؟ تطلقون سراحهم بلا مقابل في حالة ما إذا تركوا أسرانا عندهم بلا مقابل، وتأخذون الفدية إذا طلبوا هم أخْذ فدية لأسرانا عندهم.
وهذه يسمونها المعاملة بالمثل، وهي ما انتهتْ إليه الأمم المتحدة الآن في مثل هذا الموقف.
وقوله سبحانه: حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.. [محمد: ٤] الحرب هنا مجاز عن أصحابها وأهلها المشتركين فيها، فالمعنى: افعلوا ذلك حتى تقف رَحَى الحرب، ومعنى أَوْزَارَهَا.. [محمد: ٤] أي: يضعوا أثقال الحرب، فالحرب ثِقَل على أهلها ومشقة.
لذلك قال الله فيها: كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ.. [البقرة: ٢١٦] نعم فأنت في الحرب مُعرَّض لأنْ تفقد مالك، ولأنْ تفقد أهلك، ولأن تفقد حياتك كلها إلى جانب ما فيها من متاعب ومشاق الكَرِّ والفَرِّ والضَّرْب والجَرْح.. إلخ.
وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ.. [محمد: ٤] غلبهم وانتقم منهم بقدرته ودون قتال منكم، فهذا أمر هيِّن على الله، كما وقع للأمم السابقة أهلكهم الله بعذاب من عنده وببأسه الذي لا يُردُّ عن القوم الكافرين، فهذه ليستْ عجيبة، بل واقع يشهد به التاريخ.
واقرأ: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا.. [العنكبوت: ٤٠].
إذن: لماذا شُرع القتال وهو مكروه وفيه مشقة؟ قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].
فشرع القتال لإظهار قوة المؤمنين، ثم لاختبار إيمانهم وثباتهم على الحق، وتمييز المؤمنين من المنافقين وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ.. [محمد: ٤].
أي: يبلو المؤمنين بالكافرين والكافرين بالمؤمنين، ليمحص إيمان المؤمن لأنه صاحبُ رسالة وصاحبُ منهج، وسيحمل مسئولية الدعوة يسيح بها في كل أنحاء الأرض، فكان لابُدَّ من تمحيصه ليظهر الغَثَّ والثمين.
مَنْ سيصبر على آلام الحرب ويصمد ولا يفر، مَنْ سيضحي بماله ونفسه، والله حين يختبر يختبر، لا ليعرف هو سبحانه، فهو يعلم بكل شيء لكن لنعرف نحن، لتظهر ميْزة هذه الأمة وميْزة هذه الرسالة، وعظمة هذا النبي الخاتم الذي بُعِثَ للناس كافّة في كل زمان وفي كل مكان.
ولا بد أنْ يكون أتباعه على مستوى هذه المسئولية وأهلاً لتحمُّل أعباء الرسالة بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه سلم.
ولذلك رُوي أن سيدنا مصعب بن عمير كان فتى قريش المدلل، وكان يغدو ويروح عدة مرات، كلَّ مرة بثوب جديد تفوح منه رائحة العطر ألواناً، فلما أسلم تغيَّر حاله، وأرسله رسول الله إلى المدينة ليعلم الناس، فارتدى الثياب الخشنة، وزهد فيما كان فيه من نعيم الدنيا.
فلما علمتْ أمه بحاله حزنتْ عليه وأضربتْ عن الطعام وجلست في حَرِّ الشمس لتثني ابنها عما هو فيه وتعيده إلى دين الآباء والأجداد، فلما عَلِمَ مصعبٌ بصنيع أمه قال لهم قولوا لأمي: والله لو كان لها مائة نفس خرجتْ نفساً نفساً على أنْ أترك هذا الدين ما تركته، ودعوها فإنْ عضَّها الجوع أكلتْ، وإن أحرقتها حرارة الشمس استظلت.
وأقام مصعب بالمدينة حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه يلبس جلد كبش، فقال: إذن: الحرب في الإسلام لحكمة، فهي مثل النار التي تنفي خبث الذهب والحديد فيصير صلباً، لذلك أعدَّ الله هذه الأمة لتكون أمة قتال وشجاعة حتى قبل بعثته صلى الله عليه وسلم.
فلما اضطر سيدنا رسول الله للحرب لم يدرب جنوداً، ولم يفتح كلية حربية، إنما وجد رجالاً متمرسين في فنون القتال، لأن الحروب التي كانت تنشب بين القبائل وتستمر زمناً يصل إلى أربعين سنة جعلتْ من هذه الأمة جيشاً على أُهْبة الاستعداد، فكانوا كلما سمعوا هيعة طاروا إليها.
ثم إنها كانت أمة بدوية تعيش على الترحال، بيوتهم على ظهور الجمال يتبعون مساقط الأمطار ومنابت العُشْب، وكأن الله تعالى كان يُعدهم لحمل هذه الرسالة.
وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٤] الذين قُتِلوا في سبيل الله هم الشهداء فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٤] لن يبطلها بل يُوفيهم أجورهم ويُثيبهم عليها، لأن الشهيد وهب حياته لله وضحى بأغلى ما يملك فى سبيل الله، لذلك يجازيه بما لا يخطر على باله من الإكرام والتفضيل.
يجازيه بقاعدة وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ.. [النساء: ٨٦] فلأنه جاد بنفسه في سبيل الله يُبرئه الله من الموت مرة أخرى إذن: حياته موصولة بحياة الآخرة، فالشهيد بعد أنْ يقتل في الدنيا يصير حياً عند الله إلى أنْ يُبعث بهذه الحياة في الآخرة.
وهذا المعنى تنبه إليه الشاعر العربي وهو يمدح حمزة سيد الشهداء فقال:
أحْمَزَةَ عَمّ المصْطَفى وسَيّد  الشُّهَداء أَجمعهِم طُرّا
وَحَسْبُكَ مِنْ تِلكَ الشَّهادةِ عصْمةٌ مِنَ الموت في وَصْل الحياتيْنِ بالأُخْرى

لذلك الذين يعترضون على حياة الشهيد ويقولون: هل لو فتحنا القبر على شهيد سنجده حياً؟ لا ستجده ميتاً، لكن هذه نظرة ضيقة لمسألة الحياة والموت، ولتريح نفسك اقرأ: وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩].
وتأمل كلمة عِندَ رَبِّهِمْ.. [آل عمران: ١٦٩] ولم يقل عندكم: إنما عند ربهم أحياء بحياة لا يعلمها إلا هو سبحانه، فهذه من الغيبيات التي يجب التسليم بها، فهو حَيٌّ عند ربه وإنْ كان ميتاً عندكم.
ثم في قوله: يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩] دليل آخر على حياته، لأن الرزق من أسباب استبقاء الحياة.
آية رقم ٥
كيف سيهديهم وهم مهتدون؟! وما نالوا الشهادة إلا وهم مهتدون، فالهداية هنا من باب وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى.. [محمد: ١٧] يهديهم إلى الجنة أو إلى الاعتراف بفضله وشكره على نعمته.
لذلك حكى عن أهل الجنة: وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ.. [الزمر: ٧٤] وقال عن أهل النار والعياذ بالله: ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٢٢-٢٣].
فهؤلاء يهدون إلى النعيم وهؤلاء يهدون إلى الجحيم.
ومن هذه الهداية يعرف الشهيد قصره في الجنة بدون عنوان، فهو يعرفه لا يدله أحدٌ عليه لذلك قال سبحانه بعدها: وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد: ٥-٦] ومعنى: وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد: ٥] أي: يصلح بالهم.
آية رقم ٦
كيف سيهديهم وهم مهتدون؟! وما نالوا الشهادة إلا وهم مهتدون، فالهداية هنا من باب وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى.. [محمد: ١٧] يهديهم إلى الجنة أو إلى الاعتراف بفضله وشكره على نعمته.
لذلك حكى عن أهل الجنة: وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ.. [الزمر: ٧٤] وقال عن أهل النار والعياذ بالله: ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٢٢-٢٣].
فهؤلاء يهدون إلى النعيم وهؤلاء يهدون إلى الجحيم.
ومن هذه الهداية يعرف الشهيد قصره في الجنة بدون عنوان، فهو يعرفه لا يدله أحدٌ عليه لذلك قال سبحانه بعدها: وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد: ٥-٦] ومعنى: وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد: ٥] أي: يصلح بالهم.
هذه قضية معاركية قتالية بالنسبة للمسلمين، وهي قضية واقعة ومبدأ لا يتخلف، وسنة من سنن الله لا تتبدلّ ما دام شرط الجندية قائماً لله ولنصرة دين الله.
لذلك قلنا: إذا رأيتَ انهزام المسلمين في معركة فاعلم أنهم لم يحققوا شرط الجندية لله، وابحث فيهم هم عن سبب الهزيمة، لأن سنة الله في نصرة الفئة المؤمنة سنة ثابتة.
قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣] لذلك رأينا ما حدث في غزوة أحد عندما خالف الرماة أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجوا عن شرط الجندية.
كذلك الحال يوم حنين الذي قال الله فيه: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ [التوبة: ٢٥].
حتى إن الصِّديق نفسه لم يسلْمَ من مشاعر الإعجاب بالعدو، فقال: لن نُهزم اليوم عن قلة، لما داخلهم الغرور بالعدد والإعجاب بالكثرة حَلَّتْ بهم الهزيمة في أول الأمر.
لكن تداركتهم رحمة الله، فانتصروا في نهاية المعركة، وكأنه كان تأديباً من الله لعباده المؤمنين ودرساً عملياً حتى يدخلوا الحرب، وليس في بالهم إلا الله، ونُصْرة دين الله.
وقوله: وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: ٧] تثبيت الأقدام كنايةٌ عن الثبات في المعركة، وكناية عن القوة، لأن الأقدام هي أداة الفرار من الحرب، فإذا ثبَّتها الله ثبتت ولم تفر، لذلك أمانة القدم ألاّ تفرَّ يوم الزحف.
آية رقم ٨
هذا هو المقابل، فبعد أنْ ذكر المؤمنين ووعدهم بالنصرة ذكر الكافرين وما يحل بهم من التعس، والتعس هو الانكباب على الوجه الذي هو أشرف ما في الإنسان، لذلك في التعبير عن الذلة والانكسار يقولون: مرَّغ أنفه في التراب.
إذن: فَتَعْساً لَّهُمْ.. [محمد: ٨] يعني: ذلة أو هلاكاً لهم، وإهانة الوجه هي أشد ما يمكن أن يُهانَ به المرء، لذلك قال سبحانه: فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ.. [الإسراء: ٧].
وقوله: وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٨] أحبطها وأبطلها بحيث لا فائدة منها، لأنهم ما عملوها لله.
والمراد أن أعمالهم الطيبة تذهب هَباء لا يستفيدون منها بشيء: وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩].
آية رقم ٩
قوله: ذَلِكَ.. [محمد: ٩] إشارة إلى ما تقدم من جزاء الكافرين من التعش وإحباط الأعمال: بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ.. [محمد: ٩] هذا سبب إحباط الأعمال. لكن لماذا كرهوا ما أنزل الله؟
كرهوا ما أنزل الله، لأن منهج الله سيسحب بساط السيادة والجبروت من تحت أقدامهم، سيُسوِّي بينهم وبين عبيدهم بعد أنْ ألفوا السيادة والمكانة بل والتسلط على الخَلْق، لذلك كرهوا الحق لما جاءهم به رسول الله.
ولما ذهب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كانوا يجهزون عبد الله بن أُبي ليتوِّجوه ملكاً على المدينة فلما وصل رسول الله انفضَّ عنه القوم وشُغلوا بمقدم رسول الله، وظلت هذه في نفس عبد الله واستمر في عدائه للرسول حتى بعد أنْ أعلن إسلامه لم يخلص فيه وكان منافقاً مشهوراً نفاقه.
ومع ذلك له ابن أسلم وحَسُن إسلامه وصحب رسول الله، فلما علم أن رسول الله أمر بقتل هذا المنافق جاء لرسول الله، وطلب منه أنْ يأذن له في قتله حتى لا يقتله رجلٌ آخر من الصحابة، فيجد في نفسه شيئاً منه، فلما قال هذا أبي رسول الله إلا أنْ يرحمه، وأنْ يُعفيه من هذا فقال: لا تقتلوه وأرجئوه إلى الله.
وقوله: فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ [محمد: ٩] قلنا: أبطلها، إما أعمالهم وتدبيرهم وكيدهم للمسلمين بأن انتصر المسلمون عليهم وجعل الله كيدهم في نحورهم. أو: أحبط أعمالهم الصالحة لأنهم ما ابتغوا بها وجه الله.
ومعلوم أنه كان من هؤلاء مَن له أعمال صالحة لها وزنها في مجتمعهم، فيُروى أن ابن جدعان والمطعم بن عدي كانت لهما قدور للطعام يمكن أنْ يستظل الرجل بظلها، فكانت لهم مآثر في الكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف وغير ذلك، لكن ما فعلوا هذا لله فذهب هباءً.
قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ.. [محمد: ١٠] استفهام غرضه التعجب من صنيع الكافرين، كيف يكفرون بالله وهم أمة ترحال وأسفار، ويمرون في أسفارهم على بقايا ديار الأمم المكذّبة، ويرون ما نزل بها من العذاب وكيف أخذها الله، أفلم يأخذوا منها عبرة!!؟
قال تعالى في أية أخرى: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨] وقال: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [الرعد: ٤١].
وفي آية أخرى: أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الأنبياء: ٤٤] يعني: خذوا عبرة من واقع الحياة، أرأيتم رسولاً انهزم أمام خصومه؟
إذن: فليأخذوا عبرة من الأمم السابقة فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.. [محمد: ١٠] ماذا فعل الله بهم دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ.. [محمد: ١٠] دمرهم الله لها معنى. يعني: أهلكهم في أنفسهم، إنما دمَّر عليهم يعني: خرب عليهم وأطبق عليهم العذاب، فدمّرهم ودمَّر أموالهم ودمَّر أهلهم ولم يُبْق لهم على شيء.
وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠] يعني: هذا المصير ليس ببعيد عنكم يا كفار مكة فاحذروا، كما قال في آية أخرى: وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٣].

ثم يقول الحق سبحانه:

ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... .
قوله تعالى: ذَلِكَ.. [محمد: ١١] أي: ما حدث من انتقام الله من الكافرين ونجاة المؤمنين ونُصْرتهم بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ.. [محمد: ١١] مولاهم يعني: الذي ينصرهم ويلي أمورهم، وهو سبحانه عزيز لا يُغلب وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ [محمد: ١١] لا ناصر ولا معينَ، لأنهم عبدوا آلهة لا تضرّ ولا تنفع.
الحق سبحانه وتعالى يحدثنا هنا عن عمل أهل الإيمان وعاقبته، وعمل أهل الكفر وعاقبته، فالمؤمن عمر قلبه بالإيمان، وعَمُرت جوارحه بالعمل الصالح، فكان العاقبة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ.. [محمد: ١٢] حيث النعيم الدائم الذي لا ينفد أبداً.
ومعنى مِن تَحْتِهَا.. [محمد: ١٢] أن ماءها ذاتي فيها متوفر لها لا يأتيها من بعيد ولا يخشى انقطاعه.
أما الكافرون فيأكلون ويتمتعون بالطعام والشراب يملأون به بطونهم وقوالبهم، أما القلوب فهي خاوية خراب من المعاني ومن الإيمان.
إذن: فهم يعيشون عيشة أشبه ما تكون بعيشة الحيوانات والبهائم، فعندهم تخمة في المادة، وعندهم فقر في المعاني والقيم، هذا حالهم في الدنيا، ثم تأتي العاقبة والجزاء الطبيعي وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ [محمد: ١٢] يعني: مآلهم ومرجعهم ومستقرهم ومصيرهم.
قوله تعالى: وَكَأَيِّن.. [محمد: ١٣] يعني: كثير من القرى هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ [محمد: ١٣] المراد هنا مكة، فهي التي أخرجتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأين هي من القرى التي أهلكها الله وكانت أشد منها وأكثر عدداً وحضارة وعمارة.
كما قال الحق سبحانه وتعالى عنهم: وَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ.. [الروم: ٩].
أين هم من عاد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، أين هم من هؤلاء المهلكين؟ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ [محمد: ١٣] فلا مدافع عنهم يردُّ عنهم العذاب.
الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يقرر هذه الحقيقة، لكن يأتي بالقضية على صورة سؤال: هل يستوي هذا وذاك أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ.. [محمد: ١٤] يعني: على هُدى وعلى حجة ونور من ربه.
والرب هو الخالق وهو المربِّي، وما بالك بالتربية إنْ كانت من الله، لذلك قال صلى الله عليه وسلم في سياق بيان فضل ربه عليه: ومعنى عَلَىٰ بَيِّنَةٍ.. [محمد: ١٤] على أمر واضح، ويقين ثابت، ومنهج مستقيم، يضمن له الخير في الدنيا والسلامة في الآخرة. هل يستوي هذا مع مَنْ زُيِّن له سوء عمله واتبع الشهوات والأهواء؟ لا بد أنك ستقول: لا يستويان.
ومن أشدّ الفتن التي يقع فيها الإنسان أنْ يُزين له هواه سوء عمله فيراه حَسَناً، والهوى هو الميل والرغبة التي تميل بك عن الطريق المستقيم، لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى، لذلك مدح الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ [النجم: ٣].
ثم يعود السياق مرة أخرى إلى ضرب الأمثال، فيقول سبحانه:
مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ... .
كلمة مَّثَلُ.. [محمد: ١٥] تقال بكسر الميم، حينما تُشبِّه مفرداً بمفرد. تقول: هذا مِثل هذا، وبالفتح حينما تُشبِّه صورة لها أجزاء بصورة أخرى لها أجزاء، لذلك هنا يقول تعالى: مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ.. [محمد: ١٥] يفتح الميم، لأنها تمثل جمعاً وصورة كلية لها عناصر وأجزاء متعددة.
اقرأ قوله تعالى: مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا.. [الكهف: ٤٥] أي: بما فيها من الميلاد إلى الموت كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً [الكهف: ٤٥].
والمثل تشبيه تلحق فيه مجهولاً لك بمعلوم عندك، لذلك سيدنا رسول الله لما سُئِلَ عن أوصاف سيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام شبَّههما بما هو معلوم للصحابة، فقال: أما موسى فرجل طوال كأنه من رجال أزد شنوءة، وهي معروفة عندهم، وأما عيسى فكثير خيلان الوجه - يعني في وجهه حسنات كثيرة - يقطر وجهه ماءً كأنما خرج من ديماس يعني: من حمام، وأشبهه من أصحابي عروة بن مسعود الثقفي، إذن: شبَّه المجهول بما هو معلوم.
كذلك ضرب رسول الله لنا الأمثال ليوضح لنا أمور الدين، فقال في حديثه: وكلمة ٱلْجَنَّةِ.. [محمد: ١٥] في أصلها تعني الشيء المستور ومنها الجن، وجنَّ الليل، حتى جنة الدنيا تحمل هذا المعنى، لأنها قطعة الأرض المليئة بالأشجار متشابكة الأغصان بحيث تستر وتُخفي ما فيها، أو تجنّ صاحبها يعني تستره وتمنعه من الخروج منها حيث توفر له كلَّ متطلبات حياته.
والحق سبحانه ضرب المثل بها: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ.. [البقرة: ٢٦٥].
وقال: وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ... [الكهف: ٣٢].
والفرق بين الجنتين أن جنة الدنيا من صُنع البشر ومباشرة الأسباب في الحرث والزرع، أما جنة الآخرة التي وعدها الله المتقين فهي قائمة بلا أسباب، قائمة بقدرة المسبِّب، لذلك حدث اختلاف في الجنة التي دخلها سيدنا آدم عليه السلام: أهي جنة الدنيا، أم جنة الآخرة؟
حينما نقرأ هذه القصة في كتاب الله نعلم أنها جنةُ الله جنة الآخرة، بدليل أنه لم يحرث فيها ولم يزرع، ولم يباشر أسباباً، إنما أكل مما أعده اللهُ له، وكان في أمان ذاتي مدة إقامته على طاعة أمر الله في الأكل.
فلما أغواه الشيطان أنْ يأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها حدث له تغيُّر في الوضع الطبيعي الذي كان فيه، ورأى من نفسه مسألة الإخراج التي لم يألفها من قبل، وتنبه إلى عورته وراح يسترها بورق الأشجار هو وزوجه.
وكانت هذه المسألة عملية تدريب لآدم على احترام المنهج وعدم الخروج عليه، ونحن نفهم أيضاً كذلك أنه لا تظهر عورة في المجتمع المسلم إلا حين يحدث انحراف عن المنهج، وآدم عليه السلام لم يكُنْ رجلاً عادياً، إنما كان نبياً رسولاً، فأراد الحق سبحانه أنْ يعلمه الدرس بصورة عملية.
وقوله تعالى: وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ.. [محمد: ١٥] أي: وعدهم الله بها ووَعْد الله حَقٌّ نافذ، لأنه إله واحد ليس معه شريك يعارضه، ولا توجد قوة تحول بينه سبحانه وبين إنفاذ ما وعد، كما يحدث مثلاً في وعد البشر بعضهم لبعض، لأن البشر يطرأ عليهم التغيير ويلحق بهم الموت.
أما الحق سبحانه فهو الدائم الباقي وهو الحق.
والجنة وَعْد الله لا يعد بها غيره، يعد مَنْ؟ يعد بها المتقين، والمتقي هو الذي يسير وفق منهج الله، وأنْ يَجعل بينه وبين عذاب الله وقاية، ولا يكون ذلك إلا باتباع المنهج وعدم اتباع الشيطان والهوى.
قال تعالى: ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٨].
ووعَدْ الله وعد الصدق ووعد الحق قال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً [النساء: ١٢٢].
قوله تعالى: مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ.. [محمد: ١٥] يعني: أن هذا الوصف ليس وَصْفاً للجنة، لكن مثل يُقربها للأذهان، لأنه لو أراد أن يعطينا وصفاً للجنة على حقيقتها لن يصل إلى ذلك إلا من خلال الألفاظ التي تعبر عن المعاني.
ومعلوم في اللغة أن المعنى يُوجد أولاً، ثم نضع له اللفظ الدال عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما وصف لنا الجنة قال: أولاً: تأمل في الحديث هذا الترقي في الحواس والإدراكات، فالعين ترى ما كان في مجال الرؤية، أما الأذن فتسمع ما تراه أنت وما يراه غيرك، وأوسع من هذا كله ما يخطر بالبال أو القلب.
فإذا كنا لا نصل بإدراكاتنا إلى ما في الجنة، ولا حتى يخطر لنا على بال، فكيف نصفه؟ وكيف نضع له الألفاظ المعبِّرة عنه؟
إذن: هذا ليس وصفاً لحقيقة الجنة، إنما مجرد مثل يقربها من أفهامنا، لذلك قال تعالى عن الجنة: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ.. [السجدة: ١٧].
إذن: فيها أشياء لا نعرفها، فكيف نضع لها أسماء؟ لذلك نقربها بمثَل مما نعرفه في الدنيا.
ففيها كما في الدنيا ماء ولبن وخمر وعسل، لكنه مُشذّب، ومُصفّى من كل ما يشوبه، فلا يشبه نعيم الدنيا إلا في الأسماء فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ.. [محمد: ١٥].
فماء الدنيا يأسن ويعطن وتتغير رائحته، أما ماء الجنة فماء غير آسن، وبدأ بالماء لأنه الأصل في الارتواء من العطش، وبه ينضج الطعام، وبه تتم نظافة الإنسان، بل هو عنصر أساسي في خلق كل كائن حي، قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.. [الإنبياء: ٣٠].
وإذا كنا نعرف أن مصدر الماء العذب في الدنيا هو البحار، وبعملية البخر وتكوّن السحب يُنقّى من الملوحة فيصير عذباً صالحاً، فماء الجنة لا نعرف مصدره.
قال الله عنه مَآءً طَهُوراً.. [الفرقان: ٤٨] لا تشوبه شائبة، ولا تلحق به مُلوِّثات تفسده، إذن: نعمة لا يُنغِّصها شيء ولا تشوبها شائبة، لأنك في الدنيا تعيش بأسبابك التي خلقها الله لك.
ومنا مَنْ يعكر صفو هذه الأسباب، أما في الآخرة فأنت تعيش بالمسبِّب سبحانه مباشرة، أنت تستضيء في الدنيا بالشمس نهاراً، وبالقمر والنجوم ليلاً، أما في الآخرة فلا شمسَ ولا قمر ولا نجوم، إنما تعيش بنور الله وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا.. [الزمر: ٦٩] يعني: بلا أسباب.
كذلك الماء تأخذه في الدنيا بالأسباب، وفي الجنة بلا أسباب، واقرأ قوله تعالى عن الماء في الدنيا: وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ.. [الحجر: ٢٢].
وقال عن ما ء الجنة: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً [الإنسان: ٢١].
وفرْق في المعنى بين (أسقى) و(سقى): أسقى: أوجد الماء الذي نستقي منه إنْ أردنا السُّقْيا. فينزل الماء من السحاب فنحجزه وراء السدود حتى نحتاج إليه، لكن (سقى) باشر السُّقيا بالفعل.
ومن العجيب في أنهار الجنة أنها ليس لها شُطآن، وأنها متداخلة دون أنْ يختلط بعضُها ببعض، ولا تسأل هنا عن كيفية ذلك، لأن هذا النعيم لا يقوم بالأسباب التي نعرفها، بل بالمسبِّب سبحانه، فلا يحكم عليها حكمك على مثلها في الدنيا. وقوله: فِيهَآ.. [محمد: ١٥] أي: أنها ظرف لهذه الأنهار.
وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ.. [محمد: ١٥] ولبن الدنيا يتغير طعمه بمرور الوقت ويفسد وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ.. [محمد: ١٥] نعم أنهار من خمر مُعدَّة وجاهزة، ليس هناك عنب يُعصر، إنما بكُنْ فيكون.
وإذا كانت خمر الدنيا مُحرَّمة، وتذهب بالعقل ولها رائحة كريهة، فخمر الآخرة لها لذة عند شربها ولا تذهب بالعقل، فليس لها من خمر الدنيا إلا اسمها.
وليس في الدنيا أنهار من خمر لأن خمر الدنيا بالأسباب، فهو كميات قليلة بمقدار ما يُعصر من العنب أو غيره، والحق سبحانه لما تكلم عن خمر الدنيا قال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا.. [البقرة: ٢١٩].
فالمنافع لا قيمة لها إذا ما قورنت بالمضار والحرمة، صحيح هي تُشعرك بشيء من النشوة أو السعادة، وتضحك وتفرح وتنسي همومك، لكنها بعد ذلك تغتال عقلك وتسلبك وقارك.
فإذا أضفتَ إلى ذلك أنها محرمة، وأنها من أكبر الكبائر بان لك ضررها. صحيح فيها ربح لمَنْ يتاجر فيها، لكنه ربح حرام، لذلك جعل الله خمر الدنيا قليلة، أما خمر الآخرة فأنهارٌ لأنها في الآخرة لذة للشاربين.
لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: ٤٧] يعني: لا تغتال العقل، ولا ينتج عن شُرْبها أضرار، والنزف هو إخراج شيء من شيء كمن يقيئ مثلاً بعد شربها، أو يصيبه دوار أو صداع.
وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى.. [محمد: ١٥] إذن: ذكر الماء أولاً لأهميته بالدرجة الأولى ثم اللبن، لأنه يُحمل محمل الماء حتى يوجد الماء، وهو عنصر أساسي في الغذاء، ثم ذكر الخمر، لأن الإنسان بعد أنْ يأكل ويشرب يحتاج في كمال السعادة كأساً من هذه الخمر.
أما العسل فيأتي في آخر هذه القائمة لأن الله تعالى قال فيه: فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ.. [النحل: ٦٩] إذن: الميزة التي تُميّز العسل ليست في طعمه وحلاوته، بل في كونه شفاء، والجنة لا مرض فيها. إذن: يشرب في الجنة للذته وجمال طعمه.
ومعنى: مُّصَفًّى.. [محمد: ١٥] ليفرِّق بينه وبين عسل الدنيا الذي لا يخلو من شوائب، لأن الإنسان يجمعه من الجبال، فهي أول مسارح النحل وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل: ٦٨].
والعالم الأمريكي الباحث في حياة النحل وجد أن نحل الجبال هو أقدم أنواع النحل، وما دام من الجبال فلا يخلو من شوائب، أما عسل الجنة فمصفَّى بقدرة الذي أعدَّه سبحانه.
ثم يقول سبحانه: وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ.. [محمد: ١٥] بعد أنْ ذكر الحق سبحانه ما في الجنة من السوائل يذكر ما فيها من الثمرات دون أنْ يسميها لأننا لا نعرفها.
لذلك قال في آية آخرى: وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً.. [البقرة: ٢٥] يعني: ثمار متشابهة، لكن مختلفة المذاق، حتى لما أعطانا مثالاً بالعنب والعموميات، فهي في الجنة غير الذي نعرفه في الدنيا.
وإذا كانت الثمار عندنا لها بيئات تجود فيها ولها مواسم، فثمار الجنة موجودة في كلِّ الأوقات، فالبيئات في الدنيا من الأسباب، أما الآخرة فبالمسبِّب سبحانه.
وقوله تعالى: وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ.. [محمد: ١٥] بعد أنْ أعطانا ربنا سبحانه لذة المادة والقالب في الجنة يعطينا لذة أعلى هي لذة نَيْل للمغفرة من الله كرماً وتفضلاً، لأنهم ما دخلوا الجنة إلا بالمغفرة، لكن قد يذكر أحدهم ذنبه فيقول له: أنت مغفور لك.
وقد ورد في الحديث القدسي أنه بعد أنْ يدخل أهل الجنة الجنة يسألهم ربُّ العزة سبحانه: ثم يضعنا الحق سبحانه أمام هذه المقارنة بين أهل الجنة وأهل النار، فيقول: كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ [محمد: ١٥] يعني: أيهما أفضل، واحكم أنت وسنرتضي حكمك.
هذه هي الجنة أو مثل لها: أتستوي مع مقابلها وهو الخالد في النار؟ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ [محمد: ١٥] فكما ذكر الماء أولاً في الجنة ذكره أيضاً أولاً في النار والعياذ بالله.
وكلمة وَسُقُواْ.. [محمد: ١٥] ولم يقُلْ شربوا لأن الشرب طواعية واختيار، إنما وَسُقُواْ.. [محمد: ١٥] يعني: رغماً عنهم ودون إرادتهم، مثل ما تعطي الولد الصغير الدواء فتسقيه له على كُرْه منه.
مَآءً حَمِيماً.. [محمد: ١٥] الماء معروف أنه يُشرب للارتواء ويُشرب بارداً، أما ماء جهنم والعياذ بالله فهو حميم يعني: تناهتْ حرارته، فكيف بهم وهم في النار ويريدون أنْ يُبردوا حرارة أجوافهم فيسقْون الحميم الذي يزيدهم حرارة فوق حرارة النار.
لذلك قال تعالى في آية أخرى: وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ.. [الكهف: ٢٩].
ثم يبين أثر هذا الماء الحميم فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ [محمد: ١٥] وليتها قطعتْ وانتهت المسألة، إنما هم في عذاب مقيم دائم لا يُفتَّر عنهم. كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ.. [النساء: ٥٦] والأمعاء جمع معى بكسر الميم، وقد ورد في الحديث الشريف قول سيدنا رسول الله: يعني: المؤمن يأكل على قدر حاجته أو في أكله وفي طعامه بركة، أما الكافر فيأكل حتى تمتلىء بطنه.
قوله تعالى: وَمِنْهُمْ.. [محمد: ١٦] ممَّنْ؟ ستعرف بعد أن تقرأ أوصافهم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ.. [محمد: ١٦] يستمع إلى رسول الله وهو يقرأ القرآن حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ.. [محمد: ١٦] يا محمد قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ.. [محمد: ١٦] أمثال ابن مسعود وابن عباس مَاذَا قَالَ آنِفاً.. [محمد: ١٦] يعني: ما الجديد فيما قاله محمد، كأنهم يحتقرون ما سمعوه من رسول الله.
هذه إذن ليست صفات الكافرين، لأن الكافرين لم يكونوا يستمعون للقرآن، إنما هي صفات المنافقين الذين كانوا يشاركون المسلمين صلاتهم ومجالسهم ويذوبون فيهم بخبث ودهاء، لكن كان القرآن ينزل على رسول الله فيكشفهم.
لذلك كان النفاق أسوأ وأضرَّ على المسلمين من الكفر، فالكافر معلوم أنه عدو ظاهر العداوة، ويمكن أنْ تحتاط له، أمَّا المنافق فواحد من الجماعة المسلمة يعلن الإسلام ويبطن الكفر، فعداوته غير ظاهرة وخطرة أعظم.
والذي يتتبع تاريخ النفاق في الإسلام يجده لم يظهر في مكة إنما ظهر في المدينة، فرغم العداء الشديد بين الإسلام والكفار في مكة إلا أنه كان عداءً ظاهراً مُعلناً يمكن مواجهته، فلم يوجد فيها نفاق، لم يظهر إلا في المدينة، لماذا؟
لأن النفاق لا يكون إلا مع القوي، فالضعيف لا يُنافق الضعيف، تعلن العداء في وجهه، أما القوي فتنافقه لتتغلب عليه.
إذن ما الداعي للنفاق في مكة والمسلمون فيها قلَّة مستضعفة، هذا يعني أن النفاق ظاهرة تدل على قوة الإيمان، وأنه أصبح له شوكة تُنَافَق، وهذا حدث في المدينة.
لذلك قال سبحانه وتعالى في حقهم: وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ.. [التوبة: ١٠١].
كلمة يَسْتَمِعُ.. [محمد: ١٦] وردتْ هذه المادة في القرآن بلفظ: سمع واستمع وتسمَّع، سمع أي: دون إرادة منه للسماع، واستمع لمن يحب أنْ يسمع شيئاً محبوباً لديه، أما تسمع ففيها تفعُّل وتكلُّف للسماع ومحاولة.
إذن: قال: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ.. [محمد: ١٦] يعني: برغبته وارادته وهو محب لأنْ يسمع، وهكذا كان حال المنافقين يجلسون في الصفوف الأولى ويُبدون من الاهتمام ما لا يُبديه غيرهم، فلا تفوتهم كلمة ولا تفوتهم صلاة ليحبكوا خطتهم ويُخْفوا نفاقهم.
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ.. [محمد: ١٦] لأنهم سمعوا الكلام ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بمقتضاه، فكان الجزاء أنْ ختم الله على قلوبهم وطبع عليها، وكأن الله يقول لهم: ما دُمتم أحببتم النفاق فسوف أزيدكم منه وأختم على قلوبكم حتى لا يخرج منها النفاق ولا يدخلها الإيمان.
وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ [محمد: ١٦] الهوى أنْ يميل قلبك إلى شيء تعتقد أنه سارّ ومُفرح لك، فرح عاجل ولذة وقتية دون النظر في العواقب بعد هذه اللذة.
إذن: اجعل لهواك ضوابط، واختر الهوى الأبقى أثراً والأدوم نفعاً، اجعلْ هواك فيما ينفعك لا فيما يضرك، كالذي يأكل (شطة) مثلاً، لأنها تجعل للأكل لذة وطعماً هو يرغب فيه الآن حين يأكل، لكنه غفل عن مسألة إخراج هذا الطعام، وأنه سيجُر عليه ألماً يفوق لذة الأكل.
إذن: على العاقل أنْ يتدبر عواقب هواه، ويحذر أنْ يميل به الهوى، لذلك يقول تعالى: وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ.. [المؤمنون: ٧١].
والحق سبحانه أتى لنا بالمنهج ليحمينا من الهوى، لأن أهواء النفوس متضاربة ومتعارضة، فهي أداة اختلاف وتنافر، والله يريد لنا أن نتفق، وأنْ نتساند لا أنْ نتعاند.
وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: البعض يقف عند قوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ.. [محمد: ١٦] فيقول ما دام أن الله طبع على قلوبهم وأراد لهم الضلال، فلماذا يعذبهم؟ نقول: الله يهدي العباد لا يضلهم، وهم الذين يختارون الضلال ولا يهتدون بالإيمان.
لذلك نقرأ: وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٦٤] و وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ [المائدة: ١٠٨] و وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ [البقرة: ٢٥٨].
فالضلال إذن وعدم الهداية ناشىء عنهم هم ونتيجة مسلكهم غير المستقيم، فالله لم يهدهم لأنهم إما كافرون أو فاسقون أو ظالمون.
وإلا فالحق سبحانه في واقع الأمر هدى الجميع، المؤمن والكافر، لأنه نادى الجميع في قوله سبحانه: يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ [البقرة: ٢١] فدلَّ الجميع وأرشدهم إلى منهجه وعاقبة السَّيْر على هذا المنهج، وأنذرهم عاقبة الخروج عنه.
وبيَّن لهم أن المنهج ما وُضع إلا لمصلحتهم باستقامة أمورهم في الدنيا وسلامتهم في الآخرة، وأنه سبحانه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، فهو سبحانه غني عنهم مُستغن عن عبادتهم، لأن له صفات الكمال قبل أنْ يخلقهم، يقول لعبده: يا عبدي أقبل عليَّ أعْطِكَ خيري.
واقرأ قوله تعالى في قوم ثمود: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ.. [فصلت: ١٧] يعني: دللناهم وأرشدناهم إلى طريق الخير فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ.. [فصلت: ١٧] فلما استحبُّوا العمى أعماهم الله.
ثم إن الذين يقولون: لماذا يعذبهم الله وهو أضلهم؟ لماذا لا يذكرون المقابل فيقولون: ما دام كتب عليهم الطاعة، فلماذا يثيبهم عليها؟.
لذلك ورد في الحديث القدسي: وسبق أنْ مثَّلنا مسألة الهداية - ولله المثل الأعلى - برجل المرور حين تذهب إليه فتسأله عن الطريق، فيقول لك: الطريق من هنا، فإنْ أطعته زادك وقال لك: إن في الطريق عقبة في المكان الفلاني فانتبه لها، أو يأخذك بنفسه حتى تبلغ ما تريد.
وهكذا الحق سبحانه دلَّ الجميع وأرشد الجميع، فمنْ سمع وأطاع زاده هداية، ومَنْ أعرض وتمرد زاده ضلالاً بأنْ ختم على قلبه.
لذلك قسَّم العلماء الهداية إلى نوعين: هداية الدلالة وهي للمؤمن وللكافر، وهداية التوفيق والمعونة، وهي خاصة بالمؤمن، لذلك قال في الآية بعدها:
وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى... .
آية رقم ١٧
قوله تعالى: زَادَهُمْ هُدًى.. [محمد: ١٧] أي: بالتوفيق وبالمعونة على الطاعة وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] فكأن التقوى هي التي تأتي إليهم لا يذهبون هم إليها، يسَّرها لهم وحبَّبها إليهم، في حين أن البعض يظن أن التكليف مشقة على النفس وقيْد يقيدها لكن أبداً؟
المتأمل يجد في التكليف راحة وطمأنينة للنفس والبال، التكليف عصمة للنفس ووقاية لها من المعاطب، لذلك أقرأ مثلاً: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥].
ومعنى عَلَىٰ هُدًى.. [البقرة: ٥] أن الهدى مطيَّتهم إلى الغاية التي يقصدونها، فهو ليس عبئاً على العبد لأن الخالق سبحانه لم يكلفنا أبداً ما لا نطيق، وما استعبدنا إلا لمصلحتنا نحن في استقامة الدنيا وسلامة الآخرة.
لذلك قلنا: إن العبودية لغير الله ذل وهوان، والعبودية لله عزّ وشرف، فالعبودية للبشر تعطي السيد خير عبده لكن العبودية لله تعطيك خير الله.
حين يفهم العبدُ العبادةَ بهذا المعنى يحبها ويتشوَّق إليها ويجد فيها لذة لا تُدانيها لذة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال مؤذنه: أي: بالصلاة، فكم هي سهلة خفيفة على قلب المؤمن، وكم هي ثقيلة على قلب المنافق.
إذن: من الهدى أنْ تصلي كما يصلي عامة الناس، ومن زيادة الهدى أنْ تتشوق للصلاة وتنتظرها وتجد فيها راحتك، لأنك في حضرة ربك عز وجل، والله غيْب ويصلح عبده أيضاً بالغيب، فالصلاة تصلحك وتصلح حالك من حيث لا تدري.
ومن ثمرات التقوى قوله تعالى: يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ [الأنفال: ٢٩].
فمنْ يتقي الله بموجب الفرقان الذي جاءه من الله وهو القرآن يزيده، بأنْ يجعل له هو فرقاناً آخر خاصاً به، فرقاناً يهديه وينير له الطريق ويُميز به بين الأشياء.
إذن: ما عليك في مسألة التقوى إلا أنْ تسير إليها تقصدها لتفعل وتطيع، ثم ستجدها هي التي تسعى إليك وتطلبك.
الحديث هنا عن الكافرين الذين لا يلتفتون إلى أدلة وجود الله في الكون، ولا إلى معجزات الرسل فيؤمنون بهم ويصدقونهم، ولا إلى أحكام الله فيعملون بها، هؤلاء القوم ماذا ينتظرون؟
فَهَلْ يَنظُرُونَ.. [محمد: ١٨] أي: ينتظرون إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ.. [محمد: ١٨] الساعة بالنسبة لهم يعني الموت، لأن الزمن ينتهي بالنسبة للإنسان بالموت، فمَنْ مات قامت قيامته، والمرء لا يعرف أجله ولا متى يموت، لأن الله أخفاه واحتفظ به لنفسه سبحانه، فلا يطلع عليه أحد.
إذن: طول العمر وقصره نحن لا دخْلَ لنا به، ولا نتحكم فيه، لأنه متروك لمن بيده الأعمار والآجال، لكن بيدك عرضه بأنْ تشغل عمرك بعمل الخير، وتوسِّع دائرة الخير في حياتك وتنفع الآخرين، كما يمكنك أنْ تضيف لحياتك بُعداً آخر، بأن تفعل من الخير ما يبقى ذكراً لك بعد موتك، وذُخْراً لك عند ربك.
فإذا علمتَ أن العمر نفسٌ يدخل ولا يخرج، أو طرفة عين لا تعود كنت على حذر من أنْ تموت على معصية الله، على حذر من أنْ تؤخر التوبة أو تسوِّف فيها، لأنك لا تضمن متى يداهمك الموت.
فحين تسمع نداء الصلاة قُمْ ولبِّ النداء، ولا تقل الوقت طويل، وسوف أصلي، معك مال وتقدر أنْ تحج لا تقل أحج العام القادم، لأنك إذا كنتَ لا تضمن عمرك لحظة، فكيف تضمنه بعد عام؟ صحيح ليس في تأخير هذه الأعمال عقوبة لكن يفوتك بالتأخير فضل الصلاة لوقتها وفضل الجماعة.
لذلك ورد في الحديث الشريف: البعض فهم من الحديث "اعمل لدنياك" أي: ما يكفيك طوال العمر، لكن المراد بالعمل هنا: اعمل للدنيا على رسلك ولا تستغرق فيها، وما فاتك منها اليوم تدركه غداً. يعني على مهل ولا تأخذ المسألة من أول صفقة.
والذي يُعاب في السَّعي من أجل الدنيا أنْ تستحوذ الدنيا على كلِّ اهتمامك وتأخذ كل وقتك وتريدها على عجل. والأخطر من ذلك أن نستعين بالنعمة وبالمال على المعصية أو نروج السلعة بشيء محرم شرعاً، فتنقلب النعمة في أيدينا إلى نقمة.
لذلك يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً.. [إبراهيم: ٢٨] ككثيرات من بناتنا الآن نراهن كايسات عاريات يُظهرنَ ما حباهن الله من جمال، وبدل أنْ تشكر النعمة بصيانتها تَكْفُرها بتبرجها.
وياليت الضال يضل في نفسه، أنما الأدهى من ضلاله أنْ يكون مثالاً لغيره فتشيع الفتنة في المجتمع، لذلك يقول تعالى في تتمة الآية: وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ [إبراهيم: ٢٨] ما هي دار البوار؟ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ [إبراهيم: ٢٩].
فهذه الفتن تعصف بالشباب خاصة في مراحل المراهقة وعدم وجود فرصة عمل وهم ما يزالون عالة على أهاليهم، لذلك نقول لبناتنا: أتقين الله فالشباب معذور غلبان كفاه أنْ يدافع سُعار المراهقة، فلا تُهيجنَّ فيه سعاراً جديداً بما تفعلْنَ من التبرج والسُّفور وعدم التحشم.
وأذكر مرة أنهم أرادوا أنْ يكرموا أحد رجالهم البارزين فأقاموا له حفلاً وأحضروا فيه الراقصات وما إلى ذلك، فقلت: سبحان الله أهكذا يكون تكريم البارزين عندنا، ثم أمسكت بصاحبنا وقت له (يا سلام الرقص الليلة كان حلواً، فالبنت كانت (تتشخلع) بورع وتتثنَّى بتقوى)!! إيه حكايتكم بالضبط؟
نعم: وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ [إبراهيم: ٢٨].
وقوله تعالى: أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً.. [محمد: ١٨] يعني: فجأة فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا.. [محمد: ١٨] أي: علاماتها وسماتها المميزة لها المنذرة بقربها، وقد ذكر لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفاً من هذه العلامات، فقال: صحيح، فالرأس على شكل (مش عارف إيه والشفايف حمَّروها)، والحواجب دقَّقوها.. إلخ يُغيِّرنَ خَلْق الله ويستعنَّ بنعمة الله على معصية الله، وهذه من علامات الساعة.
لذلك نسأل الله الهداية لبناتنا، وأنْ تحفظ كُلٌّ منهن جمالها، وأنْ تجعل حمد الله على النعمة طاعةً له سبحانه، وألاَّ تجعل نعمة الله عليها مُسمَّمة بمعصيته وأقول لأولياء الأمور: اتقوا الله في البنات ولا تضطروهن للعمل في الإعلانات الخليعة لأنها محرمة، ومَنْ يأكل منها إنما يأكل سُحْتاً من حرام.
كذلك من أشراط الساعة التي أخبر بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: وغير ذلك من العلامات.
وقوله سبحانه: فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ [محمد: ١٨] يعني: كيف أو من أين لهم التذكُّر وقد فات أوانه وباغتتهم القيامة، أنّى لهم التذكر، وأنّى لهم أنْ يستأنفوا عملاً صالحاً.
ثم يختمها بقضية القضايا التي إنْ صَلُحَتْ صَلُح للإنسان كلُّ شيْ، فيقول:
فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ... .
معنى فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ.. [محمد: ١٩] لا تطلب بأي شيء سبباً غير الله، ولا يجوز لك أنْ تلجأ لغير الله، فاللجوء لغير الله لا يفيد، وقوله: فَٱعْلَمْ.. [محمد: ١٩] العلم إما علم يقين إذا أخبرك به مَنْ تثق في صدقه، وعَيْن يقين حينما تراه بعينك وترى أثره، وحَقَّ اليقين حينما تباشره بنفسك.
والحق سبحانه حينما يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ.. [محمد: ١٩] هل يعني هذا أنه لا يعلمها؟ لا بل المراد داوم عليها، وكما علمتها في الماضي فاجعلها في الحاضر وفي المستقبل. وهذا من باب قوله تعالى: يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ.. [النساء: ١٣٦] فيأمرهم بالإيمان وقد ناداهم به.
قالوا: إذا أمر الله أمراً وهو موجود بالفعل في المأمور فالمراد داوم عليه، فأنت مؤمن لكن مطلوب منك أنْ تداوم على إيمانك في المستقبل.
والحق سبحانه حينما يأمر نبيه هذا الأمر إنما ليُطمئنه على أنه إنْ جُحد وعُودِيَ وأُوذِيَ بشتَّى أنواع الإيذاء والاستهزاء لا يحزن ولا يهتم، لأن الله بجواره ينصره ويؤيده، ومهما فعل البشر فلن يمنعوه من إنفاذ دعوته.
فسُنة الله في الرسل أنْ ينصرهم: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣] لذلك قلنا: إذا رأيتَ جندياً منتسباً للإسلام وغُلِب، فاعلم أن شروط الجندية اختلَّتْ عنده وإلاَّ ما هُزم.
وأخذنا مثالاً على ذلك بما حدث للمسلمين يوم أُحُد من مخالفة أمر رسول الله فهُزموا وهو بينهم، وهذه سنة الله ولن تجد لسنةِ الله تبديلاً، ولو انتصروا بعد أنْ خالفوا أمر الرسول لهان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا في أنفسهم: لقد خالفناه وانتصرنا.
إذن: جاءت الهزيمة لتردهم إلى الصواب وتوقظ غفلتهم في مسألة طاعة أمر رسول الله.
وقوله سبحانه: وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ.. [محمد: ١٩] فهل يعني هذا أن للرسول ذنباً يجب الاستغفار منه؟ هذه من المسائل التي دار حولها جدل كثير، والمعنى هنا: إذا سَهتْ نفسك فأذنبتَ فاستغفر لا أنه أذنب بالفعل، يقول له ربه: إذا حصل منك ذنب فاستغفر له، وكذلك استغفر للمؤمنين والمؤمنات.
وفي آية أخرى قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ.. [الفتح: ١-٢] فذكر الذنب في حق الرسول رغم أنه معصوم. والعلماء حينما بحثوا مثل هذه الآيات قالوا: هي من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ومعلوم أن المقربين درجة من درجات الطاعة والامتثال لله أعلى من درجة الأبرار، لأن الأبرار هم الذين يطيعون الله ويفعلون الخيرات وينفذون الأوامر.
أما المقربون فهم الذين يزيدون على ذلك تقرباً إلى الله، حتى في عُرْف الناس المقرَّب منك هو الصديق الملازم لك الذي لا يفارقك ويحبك ويخاف عليك.
كذلك المقرب من الله، له قانون آخر في التعامل غير قانون الأبرار، ومقياس آخر للحسنات والسيئات يناسب درجة قُربه من ربه عز وجل.
ترى لو أنك مثلاً مرضت لا قدر الله وجاءك أحد معارفك وزارك في مرضك ولو مرة واحدة ماذا تفعل؟ تشكره وترى أنه أدى الواجب.
أما صديقك المقرب لو زارك مرة واحدة مثله ماذا تفعل؟ تعاتبه وتلومه لأنك كنت تنتظر منه أكثر من زيارة، هذا هو معنى: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
إذن: الحسنة من الإنسان العادي قد تُعدُّ سيئة بالنسبة للنبي، فالنبي مقرب وللمقرب حساب آخر، ولهذه القربى ثمن، وكان الله يقول لك: حافظ على هذه الدرجة من القرب مني، وإياك أن يحدث منك ولو شيء بسيط بالنسبة لغيرك.
أو أن سيدنا رسول الله كما قال: فقوله (عن أمتي) يعني: أنه غير داخل في هذا الحكم، فلا يجوز منه النسيان الذي يجوز من غيره والنسيان في حقه إذن يُعدُّ ذنباً.
. انظر عظمة الصحابي في السؤال، وعظمة رسول الله في الرد، وعظمة الإيمان الذى ربَّى هؤلاء.
إذن: من الممكن أنْ ينسى رسول الله ويُعد نسيانه ذنباً لماذا؟ لأنه رسولٌ وصاحبُ رسالة مكلَّف بتبليغها وإشراقات النبوة لا تفارقه فكيف ينسى؟ لذلك لما سأل أحد العامة العالم العابد المنقطع لله وقال له: ما حكم مَنْ سها في الصلاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال: بل عندنا. قال: يسجد للسهو، قال: وعندكم؟ قال: نقتله.
ولماذا نذهب بعيداً وقصة معصية سيدنا آدم معروفة للجميع، قال تعالى - في حق آدم وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ [طه: ١٢١] فسمى نسيان آدم معصية، لماذا؟
قالوا: لأن آدم خلقه الله بالمباشرة، خلقه الله بنفسه ونفخ فيه من روحه، فله ميزة في الخَلْق ليستْ لغيره، ولم يكلف إلا تكليفاً واحداً هو عدم الأكل من الشجرة، فأيّ شيء ينساه وأي شيء يذكره وهو أمر واحد.
لذلك كان النسيان في حقه معصية، لأنه نبي رسول وهو أبو البشر، لذلك معصية آدم جاءت لحكمة لأنه أبو البشر، والبشر على قسمين: معصوم وغير معصوم، المعصوم هم الرسل. وغير المعصوم هم بقية الخلق فلا بدّ أنْ يتمثل في آدم القسمان.
فحينما يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ويقول له: وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ.. [محمد: ١٩] أي: من النسيان الذي تجاوزتُ عنه لأمتك استغفر أنت منه لأنه لا يغفر لك كما يغفر لأمتك.
ثم تعال وانظر في المواضع التي عاتب الله فيها نبيه محمداً، اقرأ مثلاً: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التحريم: ١] مجرد أن واحدة من زوجاتك غضبت من شيء تحرمه على نفسك وقد أحله الله لك، فعدّ هذا ذنباً.
كذلك لما أذن لبعض الصحابة في التخلف عن القتال عاتبه ربّه: عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ [التوبة: ٤٣] إذن: عاتبه على ذلك، لكن بدأه بالعفو عنه.
ثم إن الرسول فيه جانبان جانب البشرية وجانب الرسالة، فآدم عليه السلام عصى ببشريته بدليل قوله تعالى: وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢١-١٢٢] إذن: ما جاءته الرسالة إلا بعد أنْ خاض هذه التجربة، وكان منه ما يكون من البشر، ثم اجتباه ربه بالرسالة.
وحين نتأمل القضايا التي عاتب فيها نبيه محمداً نجدها مسائل عامة ليس فيها نصّ ولا حكم شرعي خالفه رسول الله، فكان يجتهد فيها برأيه كبشر وكما يمليه الموقف.
فمثلاً في قصة عبد الله بن أم مكتوم الذي عاتب الله رسوله من أجله، فقال: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ [عبس: ١-٢] تجد هذا العتاب ليس اعتراضاً على ما فعله رسول الله إنما رحمة به وشفقة عليه.
لأنه ترك عبد الله وهو مؤمن جاء ليسأله عن حكم من أحكام الشرع، وأعرض عنه ليتفرغ لبعض صناديد الكفر، فهو صلى الله عليه وسلم بتفكيره البشري حريص على هداية هؤلاء، أما عبد الله فهو مؤمن بطبيعة الحال.
إذن: رسول الله يشقّ على نفسه في سبيل دعوته، ثم اقرأ إلى نهاية القصة وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ [عبس: ٣-١٠].
فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: يا محمد ليست مهمتك أنْ يؤمن الناس، مهمتك أنْ تدلهم وأنْ ترشدهم فقط فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ.. [آل عمران: ٢٠] وخاطبه في موضع آخر بقوله: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣].
وفي الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦] يعني: ما عليك إلا أن تُبلغ، أما مسألة الإيمان فأريدهم مؤمنين قلباً لا قالباً، طواعية لا إجباراً.
وقال تعالى: إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء: ٤] أي: أجبرناهم على الإيمان.
وقوله سبحانه: وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد: ١٩] معنى مُتَقَلَّبَكُمْ.. [محمد: ١٩] ذهابكم إلى أعمالكم وسعيكم في أنحاء الأرض الواسعة طلباً للرزق. و وَمَثْوَاكُمْ [محمد: ١٩] مرجعكم إلى بيوتكم ومأواكم إلى مضاجعكم بالليل.
والمعنى: أنه سبحانه يعلم كل أحوالكم ولا يخفى عليه شيء من أموركم. وسبق أنْ تحدَّثنا عن فَضل السعي في مناكب الأرض واستنباط خيراتها، لأنك في بيتك ستأخذ خيرات هذه البيئة وحدها، أمَّا حين تنتقل في شتى نواحي الأرض فإنك تجد ألواناً أخرى من الخيرات.
الخالق سبحانه وزَّع خيره على جميع أرضه، فكل أرض ولها عطاء، الصحراء لها عطاء، والأرض الزراعية لها عطاء، ليس هناك أرض فقيرة وأخرى غنية، بحيث لو أخذتَ قطاعاً طولياً من الكرة الأرضية لوجدتَ فيه من الخيرات مثل ما في القطاعات الأخرى.
وقد كنا نظن أن الصحراء الجرداء لا خير فيها، والآن هي مصدر الرزق الوفير لأصحابها الذين صبروا على شظف العيش فيها أعماراً طويلة.
لذلك يقول تعالى: قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ.. [النمل: ٦٩] وقال: قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ.. [الأنعام: ١١] أي: تأملوا ما فيها من آيات وعبر، والإنسان يسافر ويتنقل إما للسياحة، وإما لطلب الرزق، وفي كلتا الحالتين ينبغي ألاَّ يغفل عن الاعتبار والنظر في آيات الكون.
وفي موضع آخر قال تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا.. [النساء: ٩٧] فالتقلُّب هو الخروج من المكان الذي تستوطنه إلى مكان لا تستوطنه، وهذا يحتاج إلى قدرة مالية وصحبة وقوة، لذلك قال سبحانه أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ [النحل: ٤٦].
قالتقلُّب إذن دليل القوة، فالرجل الغني هو الذي يسافر كل يوم إلى مكان يتقلب في أنحاء الأرض، أما الفقير فيلزم مكانه لا يبرحه.
كلمة لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ.. [محمد: ٢٠] ساعة تسمع كلمة (لو) كأنها تمنٍّ للشيء أنْ يحدث، فهم يتمنون أن تنزل على رسول الله سورة تأمرهم بالقتال، والسورة نزلت بالفعل لكن نزلتْ تأمرهم بالصبر وتحمّل المشاق وعدم التعرض لأعدائهم.
لكن كل شيء له أوانه، وهذا يعني أن حركة المؤمن أصبحت منضبطة بأوامر الحق، وعناد الكفار ووقوفهم في وجه الدعوة لا يعني أن نهجم عليهم ونقاتلهم من تلقاء أنفسنا إنما ننتظر الأوامر.
فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ.. [محمد: ٢٠] الذي تريدونه رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ.. [محمد: ٢٠] أي: المنافقين يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ.. [محمد: ٢٠] هذا تشبيه كنظر المغشي عليه من الموت. يعنى: المغمى عليه خوفاً وهلعاً.
والمنافق سهل عليه أنْ يذهب ويصلي مع الجماعة في المسجد، بل ويقف في الصف الأول، لكن إذا وصلتْ المسألة للقتال اختلف الأمر وانكشف المستور من النفاق.
فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ.. [محمد: ٢٠] واضحة الدلالة على المعنى المراد رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ.. [محمد: ٢٠] يقال: جاءك الموت يا تارك الصلاة، هل أذهب للقتال وأضيع نفسي؟!
فَأَوْلَىٰ لَهُمْ [محمد: ٢٠] أي: الأوْلى أنهم يطيعون الأمر ويخرجون للقتال، والعلماء فسروا هذه الآية وقالوا: فَأَوْلَىٰ لَهُمْ [محمد: ٢٠] يعني: الهلاك لهم، وهذا تهديد إنْ لم يرجعوا عن نفاقهم.
قوله تعالى: طَاعَةٌ.. [محمد: ٢١] بعد فَأَوْلَىٰ لَهُمْ [محمد: ٢٠] تجعلنا نصرف نظرنا عن إثبات الهلاك لهم ونقول: طاعة منهم لأمر الله، وقول معروف أوْلَى من موقفهم وأوْلَى من نفاقهم.
فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ.. [محمد: ٢١] يعني: صمم وجنّد عزيمته للعمل، كما قال سبحانه: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ.. [آل عمران: ١٥٩] لكن هل الأمر هو الذي يعزم أم صاحبه؟
إذن: هنا مبالغة جعلتْ من الأمر المعنى شخصاً يعزم ويصمم ويعقد العزم على العمل، ذلك لأن الحديث هنا عن القتال، والقتال هو أشقّ ما يمكن أنْ يتحمله المرء، لأنه يعني إما الشهادة وإما النصر على العدو. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ [التوبة: ٥٢].
إذن: فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ.. [محمد: ٢١] أبلغ في التعبير عن المعنى من: عزمت أنت على الأمر، فكأن الأمر نفسه هو الذي يُلح عليك، ولا يلح عليك الأمر إلا إذا كان فيه خير كثير لك، وهل هناك أفضل من الشهادة في سبيل الله؟
وقصة مخيريق اليهودي مشهورة، فبعد أنْ أعلن إسلامه نُودي للقتال فخرج وقاتل حتى قُتل ودخل الجنة وهو لم يُصَلِّ لله ركعة واحدة.
لذلك قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم:. صحيح احرص على الموت توهب لك الحياة، الحياة الباقية مع الله في الجنة.
وقوله: فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ [محمد: ٢١] أي: صدّقوه في أوامره ومنهجه لكان خيراً لهم، والخير هنا هو البراءة من الموت بعد ذلك؛ لأنه جاد بنفسه طواعية في سبيل الله؛ فوهبه الله الحياة عنده.
هذا استفهام من الله بهل، ورجاء من الله بعسى، والله لا يستفهم ليعلم إنما يستفهم ليقرر حقيقة واقعة.
كلمة (عسى) فعل يدل على الرجاء وبعدها الشيء المرجو، والرجاء يكون لأمر محبوب متوقع الحدوث وممكن الحدوث، على خلاف التمني فهو لشيء محبوب، لكن مستحيل أنْ يتحقق كقول الشاعر:
ألاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً  فَأُخبرهُ بمَا فعَلَ المشِيبُ
أما الرجاء فتقول: عسى إنْ ذاكرتَ أنْ تنجح، لكن يختلف الرجاء باختلاف القائل والمقول له، فعندما أقول لك: اذهب إلى فلان عسى أن يقضي حاجتك، أو عساني أفعل لك شيئاً فالرجاء هنا في بشر، فإذا كان الرجاء في الله كان أقوى كأنْ تقول: عسى الله أن يغفر لي.
فقوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ [محمد: ٢٢] لعلكم يحدث منكم هذا ويتوقع منكم، إذن: ظلوا على ما أنتم عليه من الإيمان والطاعة ولا تدخلوا من باب الذنوب والمعاصي.
إِن تَوَلَّيْتُمْ.. [محمد: ٢٢] أي: أعرضتم عن الإيمان، أو توليتم بعض المناصب كالرئاسة مثلاً تأتي لك بالمصيبة إليك.
أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ.. [محمد: ٢٢] يعني: مع الخَلْق جميعاً وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ.. [محمد: ٢٢] رقَّى المسألة إلى الأقارب والأرحام يعني: يتعدى فسادكم الناس جميعاً إلى الأقارب والأرحام.
أو نقول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ.. [محمد: ٢٢] ما الذي صرفكم عن الحق الذي جاء به محمد، ولماذا تضعون في طريقه العقبات؟، وأولها أنْ تسخروا منه، وأنْ تصفوه بما ليس فيه من قولكم: ساحر، وكاهن، وشاعر، وكذاب.
ثم آذيتموه في نفسه بالسب وفي بدنه وفي أهله وفي أصحابه، بل بيَّتم له لتقتلوه، ما الذي جعلكم تفعلون ذلك؟ هل ظننتم ورجوتم أنكم إذا فعلتُم ذلك تصبحون على حَلِّ شعوركم للإفساد في الأرض وقطع الأرحام.
والحق سبحانه يريد أنْ يُعلمنا أن الرسل لا تتدخل ولا تأتي السماء بمنهج جديد إلا إذا عَمَّ الفسادُ المجتمع كله، لأن الفساد له مراحل: أولها: فساد النفس وهذا له رادع من النفس اللوّامة، وهي مناعة في النفس الإنسانية تعود بها إلى الجادة وتُقوِّم سلوكياتها.
فإذا فسدتْ النفس وتلاشى دور النفس اللوامة جاء دور الرَّدْع من المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يكُنْ رادع من المجتمع وعَمَّ الفساد الجميع هنا تتدخل السماء برسول جديد يأتى بمعجزة ليقنع الناس ليؤمنوا بما جاءهم به.
فأنتم حين توليتم عن الدعوة وأعرضتم عنها ووضعتم في طريقها العراقيل تنتظرون أنْ تظلوا على الفساد الذي نشأتم عليه في الأرض عموماً أو في تقطيع الأرحام، لا فأنتم تجنون على أنفسكم، ألم تنظروا إلى مَنْ سبقكم من الآباء والأجداد أين ذهبوا، إن مصيركم كمصيرهم، فاحذروا هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [الزخرف: ٦٦].
وقال: وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٥٥-٥٨] إذن: لماذا لا تعملون حساباً لهذا اليوم؟
والذين استشروا في الفساد ظنوا أنه ينفعهم، لكن الفساد في الكون يضر الجميع، فالذين ينهبون أموال الناس سيأتي مَنْ هو أقوى منهم وينهب أموالهم، فأنت إذن لست بمنجى عن أنْ يطولك الفساد وتكتوي بناره، لأن المجتمع مركب واحد يضم الجميع.
ثم إن القيم ثابتة لا اختلاف عليها، فالخير خير حتى عند أهل الشر، والدليل على ذلك لو أن هناك صحبة من الأشرار، وأراد واحد منهم أنْ يتزوج أخت الآخر، فقال له: لا لا أزوجك أختي (أنا ملقتش غيرك أنت يا حرامي) إذن: القيم هي القيم. فالكذاب يحترم الصادق، والمنحرف يحترم المستقيم، وهكذا.
إذن: الحق سبحانه يقول لهم لا تفسدوا في الأرض، وأحرصوا على إنهاء الإفساد في مجتمعكم، فإنْ كانت لكم الآن قوة تفرضون بها الفساد على الناس فسوف يأتي مَنْ هو أقوى منكم، ويفرض عليكم مثله وأكثر.
وكلمة تَوَلَّيْتُمْ.. [محمد: ٢٢] أي: أعرضتم تدل على أنهم سمعوا كلاماً لا يعجبهم، فلو أعجبهم لَسمعوا وما أعرضوا عنه، لكن كيف وهم يريدون الفساد الذي يحقق لهم شهواتهم، فالفساد سبقه تولٍّ وإعراض.
لذلك يقول تعالى: أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ [العلق: ١٣] كذب لأن الكلام لا يوافق هواه، لا أنه لا يوافق الواقع، إذن: أنت مخطئ في هذه المسألة ومخطئ في تكذيبك.
ثم نشأ عن هذا الخطأ خطأ آخر بأنْ توليت وظننتَ وتوقعت أنْ تظل على حالك في الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام.
والإفساد في الأرض أنْ تجعل الصالح فيها غير صالح، لأن الخالق سبحانه خلق الكون على هيئة الصلاح المطلق قبل أنْ يخلق الإنسان، إذن: عليك أنْ تزيد في صلاح الكون بما لديك من طموح للأفضل وللأرقى، أو أنْ تيسِّر الصلاح للناس، وإذا لم تزد في صلاح الكون فلا أقلَّ من أنْ تتركه على صلاحه لا تفسده.
لذلك رأينا أن عورات المجتمع ظهرت بظهور الفساد في الأرض والملوِّثات في البيئة التي أفسدتْ الماء والهواء والطعام وكل شيء ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ.. [الروم: ٤١].
والحق سبحانه وتعالى حينما يحذرنا من الإفساد في الأرض إنما يريد منا أنْ يستطرق الخير في المجتمع كله ويعمّ الجميع.
وقال بعدها: وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ [محمد: ٢٢] لأن الإفساد في الأرض يكون عاماً لكل الناس أقارب وغير أقارب، فخصّ الأقارب لأنهم الأَوْلى بالمعروف والإحسان لا بالقطيعة والهجر، والأقارب إما ذكور وإما إناث، الذكور لهم قوة تحمل، أما النساء ففيهم ضعف وحاجة.
لذلك كانت قطيعتهم أشدّ وأعظم عند الله.
لذلك يصل المجتمع إلى قمة الفساد حين يصل الفساد إلى هذه المرحلة، مرحلة إهانة المرأة أو قطيعتها وهي من رحمك.
وإذا رأيتَ المرأة في مجتمع مهيضة الجناح، أو وقع عليها ظلم أو تُركتْ لكسب العيش والسعي على المعيشة، فاعلم أن هناك خللاً في الأسرة، وأن الرجل فيها لا يقوم بدوره، أو قُلْ ليس عنده شهامة ولا نخوة، فترك زوجته للشقاء ولم يكْفها مؤنة لقمة العيش، لكن متى تخرج المرأة للعمل؟ وكيف تخرج؟
نجد الجواب في قصة سيدنا موسى مع ابنتيْ سيدنا شعيب عليهما السلام، اقرأ: وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص: ٢٣].
إذن: علة الخروج أن أباهما سيدنا شعيب شيخ كبير لا يقدر على القيام بهذه المهمة، ثم لما اضطرتهما الظروف للخروج لم يتخليا عن الوقار والحشمة ولم يختلطا بالرجال لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ.. [القصص: ٢٣] يعني: حين ينصرف الرجال.
ثم يأتي دور المهمة الإيمانية في المجتمع فَسَقَىٰ لَهُمَا.. [القصص: ٢٤] لابد أن يوجد هذا النموذج الشهم في المجتمع، وأن يكون للرجولة دور، ذكرت لكم زمان لما سافرتُ للسعودية سنة خمسين، وفي يوم ركبتُ السيارة للذهاب إلى الكلية، وفجأة نزل السائق وأخذ طاولة عليها عجين من أمام أحد البيوت، فسألته: لماذا أخذته والباب مغلق؟ فقال: هذا العجين يعني أن صاحب البيت غير موجود، وعلى مَنْ يراه أنْ يأخذه ويخبزه ويعيده إلى مكانه.
وقوله تعالى: أَوْلَـٰئِكَ.. [محمد: ٢٣] أي: الذين ارتضوا التولِّي والإعراض عن دعوة الحق وتكذيب الداعي؛ ليفسدوا في الأرض ويقطعوا الأرحام.
ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ.. [محمد: ٢٣] يعني: طردهم من رحمته وأبعدهم عن رضوانه، والذين يلعنهم الله تلعنهم كذلك الملائكة، ويلعنهم اللاعنون في كل زمان ومكان، ويلعنهم كل مَنْ شقي بفسادهم.
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ [محمد: ٢٣] هذه نتيجة طبيعية لمنْ لعنه الله أنْ يصم آذانهم عن سماع الحق ويُعمي أبصارهم عن رؤية الآيات فلا يتدبرونها.
إذن: هم يسمعون ويبصرون، لكن لا يسمعون إلا الشر، ولا يرون إلا الباطل، فقد حجبهم الله عن كل خير، وفتح عليهم باب كل شرٍّ جزاء وفاقاً، لأنهم أغلقوا قلوبهم عن الحق وأحبوا الباطل فأعانهم الله عليه ويسَّر سُبله لهم.
آية رقم ٢٣
هذا استفهام من الله بهل، ورجاء من الله بعسى، والله لا يستفهم ليعلم إنما يستفهم ليقرر حقيقة واقعة.
كلمة (عسى) فعل يدل على الرجاء وبعدها الشيء المرجو، والرجاء يكون لأمر محبوب متوقع الحدوث وممكن الحدوث، على خلاف التمني فهو لشيء محبوب، لكن مستحيل أنْ يتحقق كقول الشاعر:
ألاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً  فَأُخبرهُ بمَا فعَلَ المشِيبُ
أما الرجاء فتقول: عسى إنْ ذاكرتَ أنْ تنجح، لكن يختلف الرجاء باختلاف القائل والمقول له، فعندما أقول لك: اذهب إلى فلان عسى أن يقضي حاجتك، أو عساني أفعل لك شيئاً فالرجاء هنا في بشر، فإذا كان الرجاء في الله كان أقوى كأنْ تقول: عسى الله أن يغفر لي.
فقوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ [محمد: ٢٢] لعلكم يحدث منكم هذا ويتوقع منكم، إذن: ظلوا على ما أنتم عليه من الإيمان والطاعة ولا تدخلوا من باب الذنوب والمعاصي.
إِن تَوَلَّيْتُمْ.. [محمد: ٢٢] أي: أعرضتم عن الإيمان، أو توليتم بعض المناصب كالرئاسة مثلاً تأتي لك بالمصيبة إليك.
أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ.. [محمد: ٢٢] يعني: مع الخَلْق جميعاً وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ.. [محمد: ٢٢] رقَّى المسألة إلى الأقارب والأرحام يعني: يتعدى فسادكم الناس جميعاً إلى الأقارب والأرحام.
أو نقول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ.. [محمد: ٢٢] ما الذي صرفكم عن الحق الذي جاء به محمد، ولماذا تضعون في طريقه العقبات؟، وأولها أنْ تسخروا منه، وأنْ تصفوه بما ليس فيه من قولكم: ساحر، وكاهن، وشاعر، وكذاب.
ثم آذيتموه في نفسه بالسب وفي بدنه وفي أهله وفي أصحابه، بل بيَّتم له لتقتلوه، ما الذي جعلكم تفعلون ذلك؟ هل ظننتم ورجوتم أنكم إذا فعلتُم ذلك تصبحون على حَلِّ شعوركم للإفساد في الأرض وقطع الأرحام.
والحق سبحانه يريد أنْ يُعلمنا أن الرسل لا تتدخل ولا تأتي السماء بمنهج جديد إلا إذا عَمَّ الفسادُ المجتمع كله، لأن الفساد له مراحل: أولها: فساد النفس وهذا له رادع من النفس اللوّامة، وهي مناعة في النفس الإنسانية تعود بها إلى الجادة وتُقوِّم سلوكياتها.
فإذا فسدتْ النفس وتلاشى دور النفس اللوامة جاء دور الرَّدْع من المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يكُنْ رادع من المجتمع وعَمَّ الفساد الجميع هنا تتدخل السماء برسول جديد يأتى بمعجزة ليقنع الناس ليؤمنوا بما جاءهم به.
فأنتم حين توليتم عن الدعوة وأعرضتم عنها ووضعتم في طريقها العراقيل تنتظرون أنْ تظلوا على الفساد الذي نشأتم عليه في الأرض عموماً أو في تقطيع الأرحام، لا فأنتم تجنون على أنفسكم، ألم تنظروا إلى مَنْ سبقكم من الآباء والأجداد أين ذهبوا، إن مصيركم كمصيرهم، فاحذروا هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [الزخرف: ٦٦].
وقال: وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٥٥-٥٨] إذن: لماذا لا تعملون حساباً لهذا اليوم؟
والذين استشروا في الفساد ظنوا أنه ينفعهم، لكن الفساد في الكون يضر الجميع، فالذين ينهبون أموال الناس سيأتي مَنْ هو أقوى منهم وينهب أموالهم، فأنت إذن لست بمنجى عن أنْ يطولك الفساد وتكتوي بناره، لأن المجتمع مركب واحد يضم الجميع.
ثم إن القيم ثابتة لا اختلاف عليها، فالخير خير حتى عند أهل الشر، والدليل على ذلك لو أن هناك صحبة من الأشرار، وأراد واحد منهم أنْ يتزوج أخت الآخر، فقال له: لا لا أزوجك أختي (أنا ملقتش غيرك أنت يا حرامي) إذن: القيم هي القيم. فالكذاب يحترم الصادق، والمنحرف يحترم المستقيم، وهكذا.
إذن: الحق سبحانه يقول لهم لا تفسدوا في الأرض، وأحرصوا على إنهاء الإفساد في مجتمعكم، فإنْ كانت لكم الآن قوة تفرضون بها الفساد على الناس فسوف يأتي مَنْ هو أقوى منكم، ويفرض عليكم مثله وأكثر.
وكلمة تَوَلَّيْتُمْ.. [محمد: ٢٢] أي: أعرضتم تدل على أنهم سمعوا كلاماً لا يعجبهم، فلو أعجبهم لَسمعوا وما أعرضوا عنه، لكن كيف وهم يريدون الفساد الذي يحقق لهم شهواتهم، فالفساد سبقه تولٍّ وإعراض.
لذلك يقول تعالى: أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ [العلق: ١٣] كذب لأن الكلام لا يوافق هواه، لا أنه لا يوافق الواقع، إذن: أنت مخطئ في هذه المسألة ومخطئ في تكذيبك.
ثم نشأ عن هذا الخطأ خطأ آخر بأنْ توليت وظننتَ وتوقعت أنْ تظل على حالك في الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام.
والإفساد في الأرض أنْ تجعل الصالح فيها غير صالح، لأن الخالق سبحانه خلق الكون على هيئة الصلاح المطلق قبل أنْ يخلق الإنسان، إذن: عليك أنْ تزيد في صلاح الكون بما لديك من طموح للأفضل وللأرقى، أو أنْ تيسِّر الصلاح للناس، وإذا لم تزد في صلاح الكون فلا أقلَّ من أنْ تتركه على صلاحه لا تفسده.
لذلك رأينا أن عورات المجتمع ظهرت بظهور الفساد في الأرض والملوِّثات في البيئة التي أفسدتْ الماء والهواء والطعام وكل شيء ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ.. [الروم: ٤١].
والحق سبحانه وتعالى حينما يحذرنا من الإفساد في الأرض إنما يريد منا أنْ يستطرق الخير في المجتمع كله ويعمّ الجميع.
وقال بعدها: وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ [محمد: ٢٢] لأن الإفساد في الأرض يكون عاماً لكل الناس أقارب وغير أقارب، فخصّ الأقارب لأنهم الأَوْلى بالمعروف والإحسان لا بالقطيعة والهجر، والأقارب إما ذكور وإما إناث، الذكور لهم قوة تحمل، أما النساء ففيهم ضعف وحاجة.
لذلك كانت قطيعتهم أشدّ وأعظم عند الله.
لذلك يصل المجتمع إلى قمة الفساد حين يصل الفساد إلى هذه المرحلة، مرحلة إهانة المرأة أو قطيعتها وهي من رحمك.
وإذا رأيتَ المرأة في مجتمع مهيضة الجناح، أو وقع عليها ظلم أو تُركتْ لكسب العيش والسعي على المعيشة، فاعلم أن هناك خللاً في الأسرة، وأن الرجل فيها لا يقوم بدوره، أو قُلْ ليس عنده شهامة ولا نخوة، فترك زوجته للشقاء ولم يكْفها مؤنة لقمة العيش، لكن متى تخرج المرأة للعمل؟ وكيف تخرج؟
نجد الجواب في قصة سيدنا موسى مع ابنتيْ سيدنا شعيب عليهما السلام، اقرأ: وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص: ٢٣].
إذن: علة الخروج أن أباهما سيدنا شعيب شيخ كبير لا يقدر على القيام بهذه المهمة، ثم لما اضطرتهما الظروف للخروج لم يتخليا عن الوقار والحشمة ولم يختلطا بالرجال لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ.. [القصص: ٢٣] يعني: حين ينصرف الرجال.
ثم يأتي دور المهمة الإيمانية في المجتمع فَسَقَىٰ لَهُمَا.. [القصص: ٢٤] لابد أن يوجد هذا النموذج الشهم في المجتمع، وأن يكون للرجولة دور، ذكرت لكم زمان لما سافرتُ للسعودية سنة خمسين، وفي يوم ركبتُ السيارة للذهاب إلى الكلية، وفجأة نزل السائق وأخذ طاولة عليها عجين من أمام أحد البيوت، فسألته: لماذا أخذته والباب مغلق؟ فقال: هذا العجين يعني أن صاحب البيت غير موجود، وعلى مَنْ يراه أنْ يأخذه ويخبزه ويعيده إلى مكانه.
وقوله تعالى: أَوْلَـٰئِكَ.. [محمد: ٢٣] أي: الذين ارتضوا التولِّي والإعراض عن دعوة الحق وتكذيب الداعي؛ ليفسدوا في الأرض ويقطعوا الأرحام.
ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ.. [محمد: ٢٣] يعني: طردهم من رحمته وأبعدهم عن رضوانه، والذين يلعنهم الله تلعنهم كذلك الملائكة، ويلعنهم اللاعنون في كل زمان ومكان، ويلعنهم كل مَنْ شقي بفسادهم.
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ [محمد: ٢٣] هذه نتيجة طبيعية لمنْ لعنه الله أنْ يصم آذانهم عن سماع الحق ويُعمي أبصارهم عن رؤية الآيات فلا يتدبرونها.
إذن: هم يسمعون ويبصرون، لكن لا يسمعون إلا الشر، ولا يرون إلا الباطل، فقد حجبهم الله عن كل خير، وفتح عليهم باب كل شرٍّ جزاء وفاقاً، لأنهم أغلقوا قلوبهم عن الحق وأحبوا الباطل فأعانهم الله عليه ويسَّر سُبله لهم.
آية رقم ٢٤
قوله تعالى: أَفَلاَ.. [محمد: ٢٤] استفهام يفيد الحض والحث على التدبر يَتَدَبَّرُونَ.. [محمد: ٢٤] يتأملون معانيه وينظرون في آياته ومعجزاته ويتبصرونها ٱلْقُرْآنَ.. [محمد: ٢٤] هو كلام الله المنزل على قلب رسوله والذي يحمل منهجه إلى الناس، وهو معجزة تدل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتدبره يعني تأمله، بحيث لا نقف عند ظاهر الآيات وسطحيتها، بل نغوص في أعماقها ونتأمل معطياتها، ونتلمس أسرارها، ففي القرآن كنوز نكتشف منها كل يوم جديداً.
بَيِّنٌ فيه كل شيء ومنه  آخذ قدر ذهنه كل تالي
وقوله: أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ [محمد: ٢٤] يعني: لا يتدبرون القرآن بل على قلوبهم أقفال فلا تفهم ولا تتأمل، على قلوبهم مغاليق تحول بينهم وبين التفاعل مع كلام الله. والله غني عن إيمان المؤمنين، وغنيّ عن طاعة الطائعين، فهو سبحانه لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، وله صفات الكمال المطلق قبل أنْ يخلق هذا الخلق.
فبصفات الكمال فيه سبحانه خلق، وبصفات الكمال فيه ربى ورزق، وبقيوميته أبقى نعمه على خَلْقه حتى الكافر منهم.
تذكرون قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - حينما جاءه ضيف يطرق بابه يريد حاجة، فخرج له سيدنا إبراهيم وسأله بداية عن دينه، فقال: أنا مجوسي فأغلق الباب فى وجهه.
ولما انصرف الرجل عاتب الله تعالى نبيه إبراهيم في هذا الرجل، وقال له: أمن أجل بيتوتة ليلة تريد منه أنْ يغير دينه وأنا أسعه طوال عمره وهو كافر بي، فخرج سيدنا إبراهيم في أثر الرجل حتى لحق به وقال له: تعال فقد عاتبني ربي فيك، فقال: نعم الرب الذي يعاتب أنبياءه في أعدائه وشهد ألا إله إلا الله.
إذن: الحق سبحانه وسع كلّ الخَلْق بعطاء الربوبية، أما عطاء الألوهية فقد خصَّ به المؤمنين به.
الحديث هنا عن المنافقين، وقد بيَّنا أن النفاق لم يظهر في مكة رغم عدائها للدين، لكنه ظهر في المدينة التي احتضنته، ومنها انطلق للعالم كله، والسبب في ذلك أن الضعيف لا يُنَافَق إنما يُنَافَق القوي، فلما قوي المسلمون في المدينة وُجد بينهم النفاق.
يقول تعالى عنهم: إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ.. [محمد: ٢٥] يعني: كانوا مؤمنين باللسان إنما قلوبهم ليستْ مؤمنة مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى.. [محمد: ٢٥] ظهر لهم الحق والرشاد والصراط المستقيم الذي جاء به محمد.
ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ.. [محمد: ٢٥] سول لهم يعني: هيأ لهم وزيَّن لهم وحسن في نظرهم هذا المسلك المنحرف عن الحق فسوَّل بمعنى وسوس، كما قال تعالى حكاية عنه: قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] وقال: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢].
ثم يلزم حدوده فيقول إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٣] فهؤلاء لا سلطان لي عليهم ولا مدخل لي إليهم.
والعجيب أن يكشف إبليس عن خططه في الإغواء، فيقول: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] يعني: في طريق الطاعة ليفسدها عليك، لذلك قلنا: الشيطان يأتي المسجد ولا يأتي الخمارة.
وقال: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ.. [الأعراف: ١٧] من كل ناحية، وبأيّ شكل ومن أيّ باب يجد فيه ضعفاً منك يأتيك من باب المال وحب التملك، أو من باب النساء، أو من باب الشهرة وحب الظهور.. إلخ فلكل واحد من الناس مفتاح يدخل إليه من خلاله.
ومن رحمة الله بنا أن علَّمنا كيف نتحصّن منه، فقال تعالى: وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ.. [الأعراف: ٢٠٠] لأنك لا تقدر على ردِّه بنفسك فاستعن عليه بمَنْ خلقه، فإذا استعذت بالله منه خنس وتضاءل، لذلك سماه الوسواس الخناس.
أما إنْ حاولت ردّه عنك بنفسك فإن المعركة بينكما ستطول، لأنه أقوى منك وصاحب خبرة في الغواية والإضلال يُلوّن لك الوسائل ويلف حولك الحبال من حيث لا تدري حتى يُوقعك في مصائده.
ومن غباء الشيطان أنْ يكشف لنا خططه في الإغواء، فالذي يدبر لك خطة ليوقعك بها لا يكشف عنها، لكنه أراد من ذلك أنْ يقيم الحجة على كل مَنْ طاوعه وسمع كلامه، لذلك سيقول بعد ذلك: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
والإنسان يستطيع أن يعرف مصدر الوسوسة، أهي من نفسه أم من الشيطان؟ فالشيطان يريدك عاصياً على أيّ لون وبأيِّ طريقة، فإذا لم يفلح معك من باب المال جاءك من باب الشهرة، فإنْ لم يفلح جاءك من باب النساء، وهكذا حتى يوقعك.
أما النفس فلها شهوة بعينها تقف بك عندها وتلح عليك.
ثم تلاحظ أن الشيطان - كما قال - يأتيك من كل اتجاه إلا من جهتين، هما أعلى وأسفل، لماذا؟ قالوا: لأنهما يمثلان العلاقة بين العبد وربه، حيث سمو الألوهية حيث يتجه بنظره إلى أعلى وذل العبودية حين يسجد واضعاً جبهته على الأرض اعترافاً لربه بالعبودية، لذلك لا يأتي من ناحيتهما الشيطان.
وقوله: وَأَمْلَىٰ لَهُمْ [محمد: ٢٥] أمهلهم وأمد لهم الأماني ليستمروا في ضلالهم ويتمادوا في شهواتهم ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ.. [محمد: ٢٦] هم اليهود: بنو النضير وبنو قريظة سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ.. [محمد: ٢٦] أي: نؤيدكم ونساندكم في بعض الأمور التي تعرقل مسيرة دعوة محمد.
وفي آية أخرى بيَّن الحق سبحانه ما أبهمه في كلمة (بعض الأمر) حيث قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ [الحشر: ١١-١٢].
وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد: ٢٦] أي: ما يُسرون وما يُخْفُون من الكيد للإسلام، وما دام أن الله يعلم ذلك فسوف يبطله.
الحديث هنا عن المنافقين، وقد بيَّنا أن النفاق لم يظهر في مكة رغم عدائها للدين، لكنه ظهر في المدينة التي احتضنته، ومنها انطلق للعالم كله، والسبب في ذلك أن الضعيف لا يُنَافَق إنما يُنَافَق القوي، فلما قوي المسلمون في المدينة وُجد بينهم النفاق.
يقول تعالى عنهم: إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ.. [محمد: ٢٥] يعني: كانوا مؤمنين باللسان إنما قلوبهم ليستْ مؤمنة مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى.. [محمد: ٢٥] ظهر لهم الحق والرشاد والصراط المستقيم الذي جاء به محمد.
ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ.. [محمد: ٢٥] سول لهم يعني: هيأ لهم وزيَّن لهم وحسن في نظرهم هذا المسلك المنحرف عن الحق فسوَّل بمعنى وسوس، كما قال تعالى حكاية عنه: قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] وقال: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢].
ثم يلزم حدوده فيقول إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٣] فهؤلاء لا سلطان لي عليهم ولا مدخل لي إليهم.
والعجيب أن يكشف إبليس عن خططه في الإغواء، فيقول: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] يعني: في طريق الطاعة ليفسدها عليك، لذلك قلنا: الشيطان يأتي المسجد ولا يأتي الخمارة.
وقال: ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ.. [الأعراف: ١٧] من كل ناحية، وبأيّ شكل ومن أيّ باب يجد فيه ضعفاً منك يأتيك من باب المال وحب التملك، أو من باب النساء، أو من باب الشهرة وحب الظهور.. إلخ فلكل واحد من الناس مفتاح يدخل إليه من خلاله.
ومن رحمة الله بنا أن علَّمنا كيف نتحصّن منه، فقال تعالى: وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ.. [الأعراف: ٢٠٠] لأنك لا تقدر على ردِّه بنفسك فاستعن عليه بمَنْ خلقه، فإذا استعذت بالله منه خنس وتضاءل، لذلك سماه الوسواس الخناس.
أما إنْ حاولت ردّه عنك بنفسك فإن المعركة بينكما ستطول، لأنه أقوى منك وصاحب خبرة في الغواية والإضلال يُلوّن لك الوسائل ويلف حولك الحبال من حيث لا تدري حتى يُوقعك في مصائده.
ومن غباء الشيطان أنْ يكشف لنا خططه في الإغواء، فالذي يدبر لك خطة ليوقعك بها لا يكشف عنها، لكنه أراد من ذلك أنْ يقيم الحجة على كل مَنْ طاوعه وسمع كلامه، لذلك سيقول بعد ذلك: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
والإنسان يستطيع أن يعرف مصدر الوسوسة، أهي من نفسه أم من الشيطان؟ فالشيطان يريدك عاصياً على أيّ لون وبأيِّ طريقة، فإذا لم يفلح معك من باب المال جاءك من باب الشهرة، فإنْ لم يفلح جاءك من باب النساء، وهكذا حتى يوقعك.
أما النفس فلها شهوة بعينها تقف بك عندها وتلح عليك.
ثم تلاحظ أن الشيطان - كما قال - يأتيك من كل اتجاه إلا من جهتين، هما أعلى وأسفل، لماذا؟ قالوا: لأنهما يمثلان العلاقة بين العبد وربه، حيث سمو الألوهية حيث يتجه بنظره إلى أعلى وذل العبودية حين يسجد واضعاً جبهته على الأرض اعترافاً لربه بالعبودية، لذلك لا يأتي من ناحيتهما الشيطان.
وقوله: وَأَمْلَىٰ لَهُمْ [محمد: ٢٥] أمهلهم وأمد لهم الأماني ليستمروا في ضلالهم ويتمادوا في شهواتهم ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ.. [محمد: ٢٦] هم اليهود: بنو النضير وبنو قريظة سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ.. [محمد: ٢٦] أي: نؤيدكم ونساندكم في بعض الأمور التي تعرقل مسيرة دعوة محمد.
وفي آية أخرى بيَّن الحق سبحانه ما أبهمه في كلمة (بعض الأمر) حيث قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ [الحشر: ١١-١٢].
وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد: ٢٦] أي: ما يُسرون وما يُخْفُون من الكيد للإسلام، وما دام أن الله يعلم ذلك فسوف يبطله.
آية رقم ٢٧
يعني: ما حالهم وهم يفعلون ذلك؟ وكيف بهم إذا جاءتهم الملائكة يتوفونهم ويضربون وجوههم وأدبارهم؟ كيف بهم عند ذلك؟ أيستطيعون أنْ يدفعوا عن أنفسهم؟ إذن: لماذا يعاندون؟ ولماذا يقفون في وجه الدعوة ويتآمرون عليها؟ وكان أوْلَى بهم أنْ يساندونها.
قوله تعالى: ذَلِكَ.. [محمد: ٢٨] إشارة إلى سوء عاقبتهم وما يكون من ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، لماذا؟ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ.. [محمد: ٢٨] اتبعوا الباطل الذي أسخط الله عليهم وأكثر من ذلك وَكَرِهُواْ رِضْوَٰنَهُ.. [محمد: ٢٨] كرهوا الحق الذي يؤدي إلى رضوان الله فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ [محمد: ٢٨] أبطلها وجعلها بلا فائدة.
فهل كان لهم أعمال تستحق الثواب فأبطلها الله؟ قالوا: نعم كانوا يُكرمون الضيف ويُغيثون الملهوف وأمثال ذلك من خصال الخير، لكن فعلوا الخير وليس في بالهم الله، فعلوه للشهرة والسمعة وحديث الناس إذن، فليأخذوا أجورهم ممَّنْ فعلوا له، حيث لا نصيبَ لهم في ثواب الآخرة.
قال تعالى: وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً [الفرقان: ٢٣] وقال: مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ.. [إبراهيم: ١٨].
يعني: أظن هؤلاء الذين في قلوبهم مَّرَضٌ.. [محمد: ٢٩] نفاق أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ [محمد: ٢٩] أي: يُظهر أحقادهم ويكشف خباياهم، بل هو قادر سبحانه على ذلك، وقد كشفهم لرسوله وبيّنهم له، وعرَّى أحقادهم الدفينة، لذلك قال في الآية بعدها:
وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ... .
والأعمال تشمل الأقوال والأفعال.
فلا يخفى على العاقل أن يعرف المنافق من سيما وجهه وملامحه، فالكذاب له سيما تدل عليه، والصادق في وجهه من التألق ما يدل على صدقه وهكذا.
وقوله فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ.. [محمد: ٣٠] أي: في زلة اللسان أو في ليِّه بالألفاظ والتلاعب بها كما قال اليهود له صلى الله عليه وسلم: ، لذلك قال الشاعر الجاهلي:
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِيء مِنْ خَلِيقَةٍ  وَإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاس تُعلَمِ
وقد فضحهم الله تعالى في قوله: وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٦١].
قولهم عن رسول الله هُوَ أُذُنٌ.. [التوبة: ٦١] كما نقول نحن: فلان وِدَنِي يعني: كثير السماع، فردَّ الله عليهم قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ.. [التوبة: ٦١] نعم هو أذن، لكن أذن خير يسمع الخير ويدلكم عليه.
قوله: بِسِيمَاهُمْ.. [محمد: ٣٠] أي: بعلاماتهم الواضحة على وجوههم فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ.. [محمد: ٣٠] صرفهم للألفاظ عن معانيها المتعارف عليها.
آية رقم ٣١
الكلام هنا للمؤمنين الذين آمنوا بالله وصدَّقوا برسول الله، يقول الله لهم وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ.. [محمد: ٣١] نختبركم ونمتحنكم بالشدائد والمشاق.
حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ [محمد: ٣١] لنعرف مَنْ يثبت مع البلاء ممنْ هو في شكٍّ وتردد، يريد الله أنْ يمحص المؤمنين، وأنْ يختبر قوة إيمانهم وصبرهم وتحملهم للمشاق، فعلى أكتاف هؤلاء ستقوم الدعوة وهي دعوة عالمية لا يصمد لها إلا راسخُ الإيمان ثابت العقيدة لا يتزعزع على حد قول القائل:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقتَلُ مُسْلِماً  عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَانَ في اللهِ مَصْرَعِي
هؤلاء الذين حرصوا على الموت حرْصَ غيرهم على الحياة، فأعطاهم الله منزلة الشهادة وبرّأهم من الموت بعد أنْ ضحوا بأرواحهم في سبيله، ووصل حياتهم في الدنيا بحياتهم في الآخرة.
وقوله: وَٱلصَّابِرِينَ.. [محمد: ٣١] أي: على المشاق مشاق الدعوة ومشاق التكليف، وحين تتأمل حال هذه الأمة قبل الإسلام تجد كأن الله تعالى يُعدها لحمل رسالة الإسلام، فهي أمة حرب وقتال، تعلم فنونه وتجيد الكرّ والفر، وهي أمة بدوية لا تستقر في مكان، بل بيوتهم على ظهور الدواب، وهي أمة أمية ليس لها نظام ولا قانون ولا منهج حياة.
كل هذا أهَّلها لأن تحمل دعوة الحق إلى الدنيا كلها، تحارب الباطل وتفقه الناس في دين الله، قال سبحانه وتعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ.. [التوبة: ١٢٢].
إذن: الإسلام في صراعه مع أعدائه يحتاج إلى قوتين للجهاد: قوة تجاهد لحفظ الكلمة، وقوة تجاهد لإثبات صدق الكلمة، لذلك كان الاختبار والابتلاء ضرورة، والاختبار وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ.. [محمد: ٣١] لا يُمدح ولا يُذم لذاته إنما بحسب نتيجته، فالذي يدخل الاختبار وينجح نمدحه والذي يفشل نذمه.
وقوله: حَتَّىٰ نَعْلَمَ.. [محمد: ٣١] الله يقول ذلك وهو يعلم، إذن: المراد نعلم علم الواقع بالفعل ليكون الواقع حجة على صاحبه، حتى لا يقول لو دخلت الاختبار لنجحت.
وكلمة وَٱلصَّابِرِينَ.. [محمد: ٣١] دلتْ على أن في التكاليف مشقة وتضييقاً على النفس، لذلك بعض الناس يتحملها ويصبر، وبعضهم يضيق بها ويجزع.
قال تعالى: وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ.. [النحل: ١٢٧] فالله هو الذي يعينك على الصبر بأن يبين لك عاقبته الحميدة.
وقال سبحانه: وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ [العصر: ٣] تواصوا يعني يُوصي كلٌّ منكم الآخر به، لأن الإنسان مرة يصبر ويتحمل، ومرة يضعف ويجزع، فمرة توصيني ومرة أوصيك، وكلمة الوصية بلفظها لا تكون إلا في الشيء الغالي الثمين الذي يستحق الاهتمام، ويستحق أنْ نحرص عليه.
إذن هؤلاء لم يكتفوا بأنْ كفروا في أنفسهم، بل تعدَّوْا ذلك وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [محمد: ٣٢] منعوا الناس أنْ يؤمنوا بالله ووقفوا في وجه الدعوة وحاربوها.
ثم وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ.. [محمد: ٣٢] يعني: خالفوه وعادوه، بحيث كانوا في شق وهو في شق مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ.. [محمد: ٣٢] أي: الحق الواضح. والنتيجة لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً.. [محمد: ٣٢].
فهذه كلها محاولات فاشلة لن تغني عنهم شيئاً، ولن تؤثر في مسيرة الدعوة، لماذا؟ لأن الحق سبحانه ما كان ليبعث رسولاً إلى الخلق ثم يُسلمه إليهم ليقتلوه، هذه سنة من سنن الله في الكون لم يقتل رسول.
نعم أخبرنا الحق سبحانه عن بني إسرائيل أنهم كانوا يقتلون الأنبياء، ولم يُقلْ الرسل: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ [البقرة: ٩١] وتأمل هنا كلمة مِن قَبْلُ فليس لأحد من اليهود أو حتى من المسلمين أنْ يقول أنه من الممكن أن اليهود يقتلون رسول الله كما قتلوا أنبياءهم، لأن هذا القتل كان قبل محمد.
إذن: اطمئنوا لن ينالوا من رسول الله شيئاً، فهذه الآية أحدثتْ اطمئناناً عند المسلمين ويأساً عند الكافرين من هذه المسألة، وهم بالفعل قد حاولوا لكن هيهات لهم ذلك.
ثم إن كفره في نفسه له جزاء، وصده لغيره عن الإيمان له جزاء آخر، لأنه ضَلَّ وأضل، ونفهم من كلمة وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [محمد: ٣٢] أن سبيل الله طريقٌ معتدل مستقيم يجذب الناس إليه بالمنطق المعتدل، وبحلو الكلام، وبالأسلوب الجميل الشيق الذي تلين له القلوب رغم غلظتها.
فطبيعي من الكافرين أنْ يقفوا على هذه الطريق يمنعون الناس عن الإيمان وعن سماع القرآن، لذلك حكى القرآن عنهم قولهم: وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] فهم على يقين من أن سماع القرآن سيؤثر فيهم ويعطف قلوبهم إليه.
ولم يكتفوا بعدم السماع، إنما وَٱلْغَوْاْ فِيهِ.. [فصلت: ٢٦] شوِّشوا عليه حتى لا يصل إلى أسماع الآخرين، ذلك لأنهم أهل لغة وأهل فصاحة يتذوّقون الألفاظ والأساليب وينفعلون لها.
وقوله تعالى: وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٣٢] يعني: يبطلها ويجعلها غير ذات جدوى، ومعنى (أعمالهم) أي: أعمالهم في الصدِّ عن سبيل الله، أو أعمالهم الخيّرة التي فعلوها في الدنيا، ومن أعمالهم أنهم كانوا ينفقون الأموال؛ ليصدُّوا الناسَ بها عن الحق.
وفي هذا يقول الله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ.. [الأنفال: ٣٦].
فقد أنفقوا أموالهم دون فائدة أخذها الناسُ منهم وضحكوا عليهم، كما يحدث عندنا مثلاً في الانتخابات، يشترون الأصوات بالأموال، فيأخذ الناسُ الأموالَ ولا يعطونم أصواتهم لأنهم لا يستحقونها.
القسم الثاني من أعمالهم بعد المال هو القتال، والقتال له واقع في صراعهم مع الحق، والله يدعوهم: يا مَنْ تحملون السلاح لتشاقّوا الرسول، اعتبروا من الواقع الذي أمامكم: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.. [الرعد: ٤١] ألم يروا أنَّ أرض الإسلام كلّ يوم في ازياد، وأرض الكفر كل يوم في انحسار ونقصان.
وفي بدر يقول سبحانه: وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ.. [الأنفال: ٧] طائفة العير التي تحمل البضائع والأموال وكان حُراسها قليلين، وطائفة النفير التي خرجتْ لحماية القافلة والتي كان يقودها أبو سفيان.
فكان المسلمون يريدون طائفة العير التي فيها الأموال، لكن لله تعالى شأن آخر، هم يريدون المال، والله يريد إحقاقَ الحق وإعلاء كلمته ودحر الكفر، وحتى لا تكون هناك شبهة تُؤخذ على المسلمين، وأنهم ما خرجوا إلا للمال والغنائم التي تُعوِّض خسارتهم في مكة.
يقول تعالى: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ.. [الأنفال: ٧] أي: العير وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ * إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: ٧-٩].
نعم لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه واستغاثه: وسيدنا أبو بكر يقول للرسول: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك.
وكان صلى الله عليه وسلم يتطلع إلى النصر على طائفة النفير ذات الشوكة لأنه لا يريد المال، إنما يريد أنْ يُحقَّ الحق ويُزهقَ الباطل، وعلى مقدار الصبر يكون المدد من الله، فإنْ أردتَ أنْ تكبِّر المدد فكبّر الصبر وكبّر الرضى وكبّر العزيمة.
الله تعالى لو شاء لانتصر منهم بدون قتال، لكن أراد أنْ تُقاتلوهم لتُظهروا قوتكم وتفوّقكم عليهم قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤] ولو هزمهم بآية كونية من عنده سبحانه لقالوا: ظاهرة طبيعية كونية، لا قدرة لنا عليها.
كذلك في يوم حنين لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ [التوبة: ٢٥].
فلما اغتر المسلمون بكثرة العدد لقَّنهم درساً يُؤدِّبهم به، وتفوق عليهم أعداؤهم، ثم تداركهم برحمته، وكتب لهم النصر في نهاية المعركة، ففي نفس اللقاء أدَّب المؤمنين برسول الله، وأدَّب الذين شاقوا رسول الله.
وهذا يُعلِّمنا درساً هو أن الهزيمة للمؤمنين، ليست لهوانهم على الله، إنما تربية لهم ليُصحِّحوا المفاهيم ويُعدِّلوا المسيرة، وهذا الدرس واضح في غزوة أُحُد كما تعلمون.
فلما خالفوا أوامر القائد هُزموا، ولو انتصروا في هذه الغزوة لَهانَ عليهم بعد ذلك أمر رسول الله، ولقالوا: خالفنا أوامره في أُحُد وانتصرنا.
لذلك يقولون في هذه الغزوة: هُزِم المسلمون وانتصر الإسلام. إذن أحبط اللهُ أعمالهم في الجانبين، جانب المال، وجانب القتال.
النداء هنا للذين آمنوا، فالإيمان هو حيثية الأمر في أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ.. [محمد: ٣٣] وفي النهي وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ [محمد: ٣٣] فالمؤمن هو الذي يسمع النداء ويطيع الأوامر، لأنه يعلم أنها من رب حكيم هو الخالق والرازق والقيوم.
الخير في طاعته، والخسران في مخالفة أمره، لذلك المؤمن حين ينزل به بلاء أو شدة يعود إلى نفسه. ويقول: ماذا فعلت؟ لا بدّ أنني خالفتُ منهج ربي فيُصحح ما كان منه.
ونقف هنا عند تكرار فعل الأمر أَطِيعُواْ.. [محمد: ٣٣] مرة معه الله، ومرة مع رسول الله، لابد أن لها ملحظاً، نعم قالوا: لأن الله يُشرِّع المبدأ العام على سبيل الإجمال، والرسول يُشرِّع ما يُبيِّن وما يُفصِّل هذا الإجمال كما في الصلاة مثلاً: فالله فرضها إجمالاً والرسول بيَّن لنا أوقاتها وعدد ركعاتها، وكلَّ ما يتعلَّق بها.
إذن: لله تعالى طاعة في المبدأ المجمل، وللرسول طاعة في التفصيل، فإذا لم يكرر الفعل كما في وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ.. [آل عمران: ١٣٢] فالأمر واحد توارد عليه كلامُ الله وكلامُ رسول الله.
ويأتي الأمر بصورة أخرى: وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ.. [النساء: ٥٩] فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، لكن جعل طاعتهم من باطن طاعة الله وطاعة رسول الله، فلا طاعةَ لهم خاصة. ولا طاعةَ لهم منفصلة عن طاعة الله وطاعة رسول الله، لأنه كما تعلمون لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق، وهذه قاعدة شرعية.
وقوله: وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ [محمد: ٣٣] لأنكم تعملون أعمالاً حسنة وأفعالاً طيبة، فحافظوا عليها ولا تبطلوها بفعل السيئات، على حَدِّ قوْل الشاعر:
وَلَمْ أَرَ فِي عيوب النَّاسِ عَيْباً  كَعَجْزِ القَادِرِينَ عَلَى التمَامِ

والإمام الشافعي يقول:

إذَا كنتَ في نِعْمَةٍ فَارْعَهَا  فَإنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَم
فمن العيب أنْ ينتكس المسلم ويفعل السيئة بعد أنْ وُفِّق للحسنة، ويقول تعالى: إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١٤].
وفي الحديث الشريف: فمن رحمة الله بنا أن الحسنة تمحو السيئة، لكن السيئة لا تمحو الحسنة لكن يلزمها الاستغفار. ومن أخطر الأمراض التي تبطل العمل الصالح أنْ يداخله رياءٌ أو سُمعة أو نفاق أو شبه شرك، والعياذ بالله.
قوله تعالى: ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ.. [محمد: ٣٤] يعني: ماتوا على الكفر ولم يستدركوا الأمر بالتوبة قبل أنْ يداهمهم الموت فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ [محمد: ٣٤] هذا يعني أنهم لو تابوا قبل الغرغرة وفي فسحة الدنيا لغفر لهم.
وفي آية أخرى يقول تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ.. [النساء: ٤٨] والموت على الكفر بعد أنْ بان الهدى وظهر للناس دليلٌ على الإصرار، فكيف تناله رحمة الله؟!
معنى: فَلاَ تَهِنُواْ.. [محمد: ٣٥] لا تضعفوا في مواجهة الأعداء لأنكم أمامهم في معركة، ولو لمسوا فيكم بوادر الضعف لتجرأوا عليكم وطمعوا فيكم، ومن مظاهر الضعف أن تدعوهم إلى المسالمة والموادعة وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ.. [محمد: ٣٥] فتصرفوا من هذا المنطلق، ومن هذا الاعتقاد أنكم الأعلوْنَ عليهم.
ولم لا وَٱللَّهُ مَعَكُمْ.. [محمد: ٣٥] يُقوِّيكم ويحمي ظهوركم، وهو سبحانه الركن الشديد الذي لا يخذل أبداً مَنْ لجأ إليه، وهو صاحب هذا المنهج الذي تقاتلون من أجله، فكيف يتخلى عنكم أو يُسلمكم لأعدائكم؟!
إذن: إذا حميَ الوطيس واشتدَّتْ الحرب فاثبتوا، ولا ترهبكم منهم عدة ولا عدد ولا حيلة ولا مكر، لأن الله معكم.
لذلك في قصة سيدنا موسى عليه السلام لما كاد فرعون أنْ يلحقه هو وجنوده، حتى كان البحر من أمامه وجنود فرعون من خلفه، وقال أحد جنود موسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] ماذا قال موسى؟ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] قالها بملءِ فيه وهو واثق من نصر الله.
ونفهم من قوله تعالى: وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ.. [محمد: ٣٥] نهى عن أن نطلب نحن السلام ولا نرفع نحن الراية البيضاء، بل نتركهم يطلبون هم، لذلك يقول سبحانه في الآية الأخرى: وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا.. [الأنفال: ٦١] ذلك لأنهم يفهمون أن السلام من طرفكم ضعفٌ واستسلام، وأيضاً لا تطلبون السلام لأنكم الأعلون والأعز والأقوى.
وَٱللَّهُ مَعَكُمْ.. [محمد: ٣٥] ومَنْ كان في معية الله يخلع الله عليه من صفاته، أرأيتم في قصة الغار كيف وقفوا على فتحة الغار، حتى قال الصِّديق: وما دام الله ثالثهما، فهم في معيته تعالى، وما دام الله لا تدركه الأبصار، فكذلك مَنْ كان في معيته لا تدركه الأبصار.
معنى وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد: ٣٥] وتر الشيء يعني: فقده، والمعنى: لن ينقصكم من أجور أعمالكم شيئاً، بل سيُوفِّيكم إياها وزيادة.
القرآن الكريم أعطانا صوراً متعددة للحياة الدنيا تدل في مجملها على أنها حياة قصيرة هيِّنة تغرُّ الناس وتخدعهم، من هذه الصور قوله تعالى: وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ [الكهف: ٤٥].
وهنا: إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ.. [محمد: ٣٦] وهذا أسلوب قصر يؤكد أن الدنيا ما هي إلا كذلك لعب ولهو، فليحذرها العاقلُ ولا يغترُّ بها.
اللعب أنْ تنشغل بشيء لا يضر لكنه لا ينفع، لذلك أخذتْ بعض المجتمعات المتقدمة تُرشِّد لعب الأطفال، بحيث تؤدي الغرض في تسلية الطفل، وأيضاً تعلمه شيئاً للمستقبل.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: واللعب بالنسبة للطفل يكون قبل التكليف، أما اللهو فهو الانشغال بعمل لا يفيد ولا ينفع ويلهيك عن عمل مفيد نافع، كالذي يجلس على القهوة مثلاً يلعب الشطرنج، ويؤذن للظهر فلا يقوم للصلاة.
وفي سورة الجمعة: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ [الجمعة: ١١].
والمتتبع لآيات القرآن يجدها تصف الدنيا في أكثر من موضع بهذا الوصف، لعب ولهو بهذا الترتيب الوجودي، لأن اللعب للأطفال واللهو للكبار إلا في سورة العنكبوت، فيقول: وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٤] لأن الكلام هنا عن الفتن التي تضرُّ بالآخرة وتبعدك عن ثوابها، فذكر اللهو قبل اللعب.
ثم يكفي في تحقير الدنيا وهوان شأنها اسمها إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا.. [محمد: ٣٦] فلا أقل من هذا الوصف، وأنت حين تقول (الدنيا) تتذكر المقابل لها وهي (الآخرة)، فإنْ كانت هذه دنيا فهذه عُلْيا، وإنْ كانت هذه فانية فهذه باقية.
ومع ذلك لا تُذمُّ الدنيا عموماً، وإنما تُذمُّ إنْ حدث فيها ما يُذم، وتُمدح إنْ حدث فيها ما يُمدح، وهي مزرعة الآخرة ولا تدخل الجنة إلا بعمل الدنيا، فالدنيا موضوع الدين أما الآخرة فجزاء، والجزاء على الشيء ليس هو الشيء.
وسبق أنْ قلنا: إن الدنيا في نظر المؤمن أهم من أنْ تُنسى لأنها تُوصِّلك للآخرة، ولكنها أتفه من أنْ تكون غاية لأن غاية الشيء نهايته والدنيا ليست نهايتك، إنما وراءك غاية أهم منها هي الآخرة، هي الغاية الحقيقية التي ليس بعدها بعد.
وقوله سبحانه: وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ.. [محمد: ٣٦] أي: تؤمنوا بالله وتُطبقوا منهجه في افعل ولا تفعل يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ [محمد: ٣٦] يعني: يعطيكم أجور الأعمال كاملة دون نقصان، ولا يأخذ منك الأموال التي تفضل بها عليكم.
بدليل أنه سبحانه حين يأمرك بأنْ تتصدَّق يعتبر هذه الصدقة قرضاً يرده إليك مع الزيادة مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً.. [البقرة: ٢٤٥].
وقوله تعالى: إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ [محمد: ٣٧] الحق سبحانه لا يسألنا أموالنا، لأن الإنسان جُبل على حب المال ويشق عليه أن يؤخذ منه، فالله يقول: لو سألتكم الأموال سيحتاج السؤال إلى إلحاح.
فَيُحْفِكُمْ.. [محمد: ٣٧] يلح عليكم في السؤال وأنتم تكرهون ذلك؛ لأنه يُظهر ما عندكم من البخل، ويُظهر ما في نفوسكم من ضغائن وأحقاد.
وحين تظهر أضغان النفوس تفسد العلاقات بين أفراد المجتمع وقد رأيتم ذلك مثلاً في مسألة التأميم التي حدثتْ؛ لأن المال عادة تكسبه بتعب وعرق فيعزّ عليك أنْ يؤخذ منك ويُعطي لغيرك، وهنا يظهر الضغن.
وقوله تعالى: إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ.. [محمد: ٣٧] كما في قوله سبحانه: لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً.. [البقرة: ٢٧٣].
وقالوا في وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ [محمد: ٣٦] أنها تفيد عموم السلب لا سلب العموم، كيف؟ كما نقول مثلاً: لم ينجح كل الطلاب، هذا يعني أن البعض نجح، فالسلب هنا للعموم على خلاف لو قلت: كل الطلاب لم ينجحوا. هذا عموم السلب حيث لم ينجح منهم أحد.
كذلك وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ [محمد: ٣٦] أي: كلها، فالمعنى أنه يسألكم بعضها كما يحدث في الزكاة والصدقات والفدية والكفارات.
آية رقم ٣٧
القرآن الكريم أعطانا صوراً متعددة للحياة الدنيا تدل في مجملها على أنها حياة قصيرة هيِّنة تغرُّ الناس وتخدعهم، من هذه الصور قوله تعالى: وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ [الكهف: ٤٥].
وهنا: إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ.. [محمد: ٣٦] وهذا أسلوب قصر يؤكد أن الدنيا ما هي إلا كذلك لعب ولهو، فليحذرها العاقلُ ولا يغترُّ بها.
اللعب أنْ تنشغل بشيء لا يضر لكنه لا ينفع، لذلك أخذتْ بعض المجتمعات المتقدمة تُرشِّد لعب الأطفال، بحيث تؤدي الغرض في تسلية الطفل، وأيضاً تعلمه شيئاً للمستقبل.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: واللعب بالنسبة للطفل يكون قبل التكليف، أما اللهو فهو الانشغال بعمل لا يفيد ولا ينفع ويلهيك عن عمل مفيد نافع، كالذي يجلس على القهوة مثلاً يلعب الشطرنج، ويؤذن للظهر فلا يقوم للصلاة.
وفي سورة الجمعة: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ [الجمعة: ١١].
والمتتبع لآيات القرآن يجدها تصف الدنيا في أكثر من موضع بهذا الوصف، لعب ولهو بهذا الترتيب الوجودي، لأن اللعب للأطفال واللهو للكبار إلا في سورة العنكبوت، فيقول: وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٤] لأن الكلام هنا عن الفتن التي تضرُّ بالآخرة وتبعدك عن ثوابها، فذكر اللهو قبل اللعب.
ثم يكفي في تحقير الدنيا وهوان شأنها اسمها إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا.. [محمد: ٣٦] فلا أقل من هذا الوصف، وأنت حين تقول (الدنيا) تتذكر المقابل لها وهي (الآخرة)، فإنْ كانت هذه دنيا فهذه عُلْيا، وإنْ كانت هذه فانية فهذه باقية.
ومع ذلك لا تُذمُّ الدنيا عموماً، وإنما تُذمُّ إنْ حدث فيها ما يُذم، وتُمدح إنْ حدث فيها ما يُمدح، وهي مزرعة الآخرة ولا تدخل الجنة إلا بعمل الدنيا، فالدنيا موضوع الدين أما الآخرة فجزاء، والجزاء على الشيء ليس هو الشيء.
وسبق أنْ قلنا: إن الدنيا في نظر المؤمن أهم من أنْ تُنسى لأنها تُوصِّلك للآخرة، ولكنها أتفه من أنْ تكون غاية لأن غاية الشيء نهايته والدنيا ليست نهايتك، إنما وراءك غاية أهم منها هي الآخرة، هي الغاية الحقيقية التي ليس بعدها بعد.
وقوله سبحانه: وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ.. [محمد: ٣٦] أي: تؤمنوا بالله وتُطبقوا منهجه في افعل ولا تفعل يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ [محمد: ٣٦] يعني: يعطيكم أجور الأعمال كاملة دون نقصان، ولا يأخذ منك الأموال التي تفضل بها عليكم.
بدليل أنه سبحانه حين يأمرك بأنْ تتصدَّق يعتبر هذه الصدقة قرضاً يرده إليك مع الزيادة مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً.. [البقرة: ٢٤٥].
وقوله تعالى: إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ [محمد: ٣٧] الحق سبحانه لا يسألنا أموالنا، لأن الإنسان جُبل على حب المال ويشق عليه أن يؤخذ منه، فالله يقول: لو سألتكم الأموال سيحتاج السؤال إلى إلحاح.
فَيُحْفِكُمْ.. [محمد: ٣٧] يلح عليكم في السؤال وأنتم تكرهون ذلك؛ لأنه يُظهر ما عندكم من البخل، ويُظهر ما في نفوسكم من ضغائن وأحقاد.
وحين تظهر أضغان النفوس تفسد العلاقات بين أفراد المجتمع وقد رأيتم ذلك مثلاً في مسألة التأميم التي حدثتْ؛ لأن المال عادة تكسبه بتعب وعرق فيعزّ عليك أنْ يؤخذ منك ويُعطي لغيرك، وهنا يظهر الضغن.
وقوله تعالى: إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ.. [محمد: ٣٧] كما في قوله سبحانه: لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً.. [البقرة: ٢٧٣].
وقالوا في وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ [محمد: ٣٦] أنها تفيد عموم السلب لا سلب العموم، كيف؟ كما نقول مثلاً: لم ينجح كل الطلاب، هذا يعني أن البعض نجح، فالسلب هنا للعموم على خلاف لو قلت: كل الطلاب لم ينجحوا. هذا عموم السلب حيث لم ينجح منهم أحد.
كذلك وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ [محمد: ٣٦] أي: كلها، فالمعنى أنه يسألكم بعضها كما يحدث في الزكاة والصدقات والفدية والكفارات.
قوله تعالى: هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ.. [محمد: ٣٨] (ها) أداة تنبيه لجذب الانتباه، و(أنتم) ضمير للخطاب، و(هؤلاء) إشارة لهذا المخاطب أنتم، فالمخاطب هو عَيْن المشار إليه، إذن: جمعتْ الآية بين أدوات ثلاثة لتأكيد التنبيه ولمزيد الاهتمام.
جاء بـ هاء التنبيه لأن المتكلم حر يتكلم في الوقت الذي يريده فهو يملك زمام الأمر، أما المخاطب فلا يملك ذلك ولا يدري متى تتكلم ليسمع، لذلك نأتي بأداة التنبيه ليستعد ولا يفوته شيء من الكلام.
فالحق سبحانه وتعالى يخاطبهم بكل هذه الأدوات ليؤكد نداءه لهم ودعوته لهم لينفقوا تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [محمد: ٣٨] مَنْ الذي يدعو؟ الله يدعوهم لينفقوا.
تأمل هنا كيف أن الحق سبحانه يحترم ويُقدِّر مجهودات البشر؟ فرغم أنه هو سبحانه الخالق الرازق مُسبِّب الأسباب منحك القوة التي تعمل بها، والعقل الذي تفكر به، والمادة التي تستعملها، ومع ذلك احترم دورك في أنْ تُوجِّه الطاقة المخلوقة لله في شيء نافع مفيد وقال لك: أنفق كأن المالَ مالك وهو يقترضه منك قرضاً حسناً.
كما أنك تعطي ابنك مصروفه اليومي فيدخره مثلاً في حصالة، ثم يطرأ عليك ظروف تحتاج فيها ما في حصالة الولد. فتقول له: أعطني ما في الحصالة سلف وسوف أرده إليك لما أقبض.
يقول تعالى: مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ.. [البقرة: ٢٤٥] فالحق سبحانه حرَّم الربا في التعامل بين البشر، لكن أحله لنفسه تعالى حين يقترض منهم، وهذا فضل وتكرُّم من الله على الخَلْق في الأولى وفي الآخرة.
وقوله: لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [محمد: ٣٨] في كل الوجوه التي يحبها الله في الإنفاق من خَلْقه لخلقه، وهو سبحانه قادر أنْ يغني الجميع فلا يحتاج أحد لأحد، إنما أراد سبحانه أنْ تتواصل القلوب وتتشابك المصالح ويترابط الخَلْق بمشاعر الإيمان، حيث يعطف الغني على الفقير، ولا يحقد الفقير على الغني، وحيث يرحم القوي الضعيف.
لكن لما دعاهم الله للإنفاق كان منهم قسم يبخل فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ.. [محمد: ٣٨] وهؤلاء هم الذين لا يفهمون فلسفة التجارة مع الله ولا عاقبة الإنفاق، لا يعرفون أن النفقة بهذا الشكل تزيد المال ولا تنقصه، واقرأ: مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥].
الإنفاق في سبيل الله مثل رجل حصد القمح وأدخل المخزن عنده عشرة أرادب مثلاً عندما يأخذ أردباً منها ليزرع به الأرض من جديد، هل يقول أن القمح نقص أردباً؟ لا لأنه سيأخذه مضاعفاً.
إذن: لا تنظر إلى ما يخرج لكن انظر أيضاً إلى ما سيأتي لتكتمل الصورة ويكون الحساب صحيحاً، حتى الربا في تعاملات الناس يعطيك بزياة خمسة أو عشرة في المائة.
أما ربك عز وجل فيعطيك سبعين أو سبعمائة أو أضعاف ذلك، واقرأ: مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦١].
لذلك وقف المستشرقون عند حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقالوا: هذا مناقض للقرآن الذي يقرر أن الحسنة بعشر أمثالها، والواقع أنه لا يوجد بينهما تناقض أبداً، لأنني حين أُخرج الدرهم قرضاً يعطيني عشرة منها الدرهم الذي دفعته. إذن: أعطاني تسعة فحين تُضاعف تكون ثمانية عشر.
والحق سبحانه وتعالى لما حثَّنا على القرض علَّمنا كيف نتعامل مع المقترض، فقال: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٨٠].
فالمرحلة الأولى أنْ تنظره لحين يتيسر له السداد، ثم لك بعد ذلك أن تكمل إحسانك وتتسامح في هذا القرض أو بعضه على سبيل الصدقة، وهذا هو الخير لمن تتوق نفسه إلى معالي الأمور.
ثم في قوله تعالى: فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ.. [محمد: ٣٨] إنصاف لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وبيان لشرفها، فالكثرة تنفق والقلَّة تبخل، في الأمة مَنْ أنفق كل ماله في سبيل الله، ومَنْ أنفق شطر ماله في سبيل الله.
وقد بلغ البذل والعطاء في هذه الأمة مبلغاً لا مثيل له في التاريخ، حيث كان الأنصاري يقول لأخيه المهاجر: انظر إلى نسائي أيّهن أعجبتْك أطلقها لتتزوجها أنت، مع ما هو معلوم من مكانة المرأة خاصة عند الرجل، لكنها السماحة والتضحية.
وفي المقابل تجد هذا الصحابي المهاجر، وهو سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يرفض هذا العرض السخي ويدعو لأخيه ويقول له: لا يا أخي، بارك الله لك في نسائك، لكن دُلّني على السوق.
وذهب عبد الرحمن إلى السوق وتاجر، حتى كان أغنى صحابة رسول الله، حتى قالوا: إنه لو تاجر في التراب لربح فيه.
وكان عنده ألفُ عبد، وجاء رجل يسأل أحدهم: ما حال ابن عوف فيكم؟ فقال: والله لو أقبلت علينا وهو معنا لا تعرفه من بيننا لأنه يُلبسنا مما يلبس، ويُطعمنا مما يأكل.
فرغم ما ركز في النفس الإنسانية من حب المال وحب التملك إلا أنه يوجد من الناس من جبل على الجود والكرم، يعطي بلا حدود، يعطي عطاء مَنْ لا يخشى الفقر، انظر مثلاً إلى كرم حاتم الطائي وهو يقول لغلامه:
أَوْقِدْ فَإنَّ الليْلَ لَيْلَ قُرّ  وَالرِّيحُ يَا غُلامُ رِيح صُر
عَلَّ يَرَى نَارَك مَنْ يمُرّإنْ جلبتَ ضَيْفاً فَأنتَ حُر

ويُروى أنه جلس جماعة من القوم في ساحة مكة يتحدثون عن أجود أهل زمانهم، واختلفوا في ذلك، واحد قال: أجودهم سعيد بن سعد بن عُبادة. وآخر قال: بل عبد الله بن جعفر. وآخر قال: عرابة الأوسي في المدينة أجود منهما. وكادوا يقتتلون، فقال رجل عاقل منهم: ابعثوا إلى كل واحد من هؤلاء رجلاً يدخل عليه على أنه عابر سبيل وله حاجة، وانظروا كيف يقابله.
فبعثوا رجلاً إلى عبد الله بن جعفر، فوجده يركب للصيد، وقد وضع رِجْلاً في الركاب والأخرى على الأرض، فقال له: يا ابن بنت رسول الله، عابر سبيل وطالب حاجة فأنزل رجْله من الركاب، وقال له: اركب وهذه حقيبة فيها أربعة آلاف دينار وفيها كسوة كذا وكذا، وفيها سيف علي بن أبي طالب فاحرص عليه.
وذهب آخر لسعيد بن سعد بن عُبادة وطرق الباب فردَّتْ الخادمة: مَنْ؟ قال: عابر سبيل، وطالب حاجة. فقالت: إن صاحب البيت نائم، فماذا تريد؟ فقال: طالب حاجة، فقالت: حاجتُكَ أهون من أنْ أوقظه، والله ما عنده إلا سبعمائة دينار خُذها واذهب إلى معاقل الإبل، واختر لك راحلة وخادماً يخدمها، فلما استيقظ سعيد قالت له: حدث كذا وكذا، فقال: أفعلتِ ذلك؟ قالت: نعم، قال: فأنتِ حرة.
ثم تلاحظ أن الأمر بالنفقة هنا لمن؟ للذين آمنوا خاصة الذين ناداهم: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ.. [محمد: ٣٣] ذلك لشرف الإنفاق ومنزلة وثوابه المضاعف يريد ألاّ يحرم المؤمن نفسه من هذا الخير.
حتى كلمة (نفقة) مأخوذة من سوق نافقة. يعني: رائجة رابحة لأنها تجارة مع الله، فلا تظن أنها تجارة كاسدة خاسرة، نعم سوق أقامها الحق سبحانه بين عباده لحكمة أرادها، فجعل منهم الغني والفقير، والقوي والضعيف، واختبر كلاً منهما بالآخر ليحدث هذه الحركة التكاملية في مجتمع الإيمان.
لذلك قلنا: إن الله تعالى يريد من المؤمن أنْ يعمل على قدر طاقته لا على قدر حاجته، لأنه لو عمل على قدر حاجته وحاجة مَنْ يعول لن يبقى شيء للضعيف الذي لا يقدر على العمل، ثم إن الأيام دُوَل، وقد يصير القوي إلى حال الضعف فيحتاج، أو يصير الغني إلى حال الفقر، عندها يجد مَنْ يعطيه، والإنسان ابن أغيار.
إذن: نستطيع أن نقول: إن الإنفاق الذي أمرنا الله به يمثل التأمين لمستقبل المؤمن، فلا يخاف على نفسه ولا على أولاده من بعده إنْ ألجأتْه الظروف إلى الحاجة، ويكون على ثقة بأن المجتمع المؤمن سيمدُّ له يد العون.
والعجيب في أمر النفقة أن الحق سبحانه لم يعف منها أحداً، فمَنْ لا يقدر على نفقة المال تلزمه نفقة المقال، اقرأ قول الله تعلى: لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ٩١].
فمَنْ كان واجداً وبخل على غير الواجد أنْ ينصحه وأنْ يوقظ غفلته، فإذا لم يفعل كان آثماً، فإذا لم يكُنْ لديه هذا ولا ذاك، شرحها الحق سبحانه في قوله: وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ.. [التوبة: ٩٢] ماذا يصنعون؟ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢].
فهذا الذي لا يملك شيئاً إلا البكاء والعواطف الجيَّاشة التي تعبر عن شوقه إلى الإنفاق ورغبته فيه، لكنه لا يملك فيكفيه هذه العواطف، وتُحسب له الأعمال بالنيات، وقد يشجعه هذا الموقف على أنْ يسعى ليفعل شيئاً ليعطي أيَّ شيء.
وليحذر الغني أنْ يكون فتنة للفقير حين يمنعه حقه فيتذمر ويعترض على قضاء الله الذي حكم عليه بالفقر وعلى غيره بالغنى، لا تجمع عليه الفقر وعدم الرضا بالقضاء.
واقرأ: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٤-٣٥].
والعاقل مَنْ خفف حمله يوم تثقل الأحمال على أصحابها، فلا يحملها عنهم أحد، ومن أراد أنْ يُخفِّف عن نفسه فلا أقلَّ من أنْ يعطي الزائد عن حاجته لمَنْ يستحق.
كلمة فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ.. [محمد: ٣٨] البخل هو قَبْض اليد عن الإنفاق، وهو عملية حركية تنشأ نتيجة مواجيد راسخة في النفس الإنسانية هي مشاعر الشح التي تدعو صاحبها لعدم الإنفاق.
لذلك قال تعالى: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩] أي: يتغلب على هذه الطبيعة فيه، ويكبت جماح نفسه حتى تطاوعه فينفق.
ثم يُبيِّن الحق سبحانه عاقبة البخل: وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ.. [محمد: ٣٨] يعني: بخله ناشىء من شُحِّ نفسه، أو يبخل عن نفسه يحرمها ثواب الصدقة والإنفاق ويحرمها مضاعفة الأجر.
إذن: قوله (عن) أعطتنا معنيين: إما بيان مصدر البخل وهو شح النفس، أو بيان عاقبة البخل، وهي حرمان النفس من الثواب لا حرمان أحد آخر.
وقد فهم العلماء العارفون هذه المعنى، فالإمام علي رضي الله عنه لما سُئل: أريد أنْ أعرف أنا من أهل الدنيا أم من أهل الأخرة، قال السائل: الجواب عندك أنت، قال: كيف؟ قال: إذا دخل عليك شخصٌ بهدية وآخر يطلب عطية، فلأيِّهما تبَشُّ وبأيهما تفرح؟
إن كنتَ تفرح بحامل الهدية فأنت من أهل الدنيا، وإنْ كنتَ تفرح بطالب العطية فأنتَ من أهل الآخرة.
لذلك كان بعض الصالحين إذا دخل عليه سائل يقف له ويُرحِّب به ويقول: مرحباً بمَنْ جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة.
وقوله سبحانه: وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ.. [محمد: ٣٨] لأن اليهود قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، لأنه يقترض منا، فالله يرد عليهم بل الغنى لله، غني في ذاته عن خَلْقه، ويفيض من غناه فيغني الخلق بأنْ يزرع بينهم المودة والرحمة ويُحببهم في النفقة، فلا يتكبر الغنيُّ بغناه، ولا يحقد الفقير على الغني بسبب فقره، فالكل راضٍ يقول: الحمد لله، فكأن الغني كله مصدره الحق سبحانه وتعالى.
ثم يقول سبحانه: وَإِن تَتَوَلَّوْاْ.. [محمد: ٣٨] أي: تعرضوا وتمتنعوا عن الإنفاق الذي أمركم الله به، ولا تُصدقوا ما وعدكم الله به من الزيادة، فاعلموا أن الله لن يترك الضعيف والفقير والعاجز عن الكسب، إنما سيستبدلكم بمَنْ هو خير منكم فيستجيبوا لأمر الله وينفقوا على خَلْق الله.
وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم [محمد: ٣٨] لا يكونوا أمثالكم في البخل والشح وقَبْض اليد عن العطاء، لأنك عبدي وموظف عندي، فإنْ خالفتني آتي بغيرك يكون أفضل منك، فإذا لم تجد الخير في قوم ستجده في آخرين، وإذا لم تجده في بلد ستجده في بلد أخرى.
ومعلوم أنه لما انتشر الإسلام في المشارق والمغارب كثر أهل الجود في شتى بلاد الإسلام، ولهم في جودهم قصص وحكايات.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

38 مقطع من التفسير