تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ) السخرية : هو الاستهزاء والبطر يعني : المهانة والاحتقار.
وقوله :( قوم من قوم ) القوم هاهنا بمعنى الرجال، قال الشاعر :
( ولا أدري ولست أخال أدريأقوم آل حصن أم نساء )
وإنما سمي الرجال قوما دون النساء ؛ لأنهم الذين يقومون بالأمور. قال مجاهد : الآية في الاستهزاء ؛ الغني بالفقير، والقوي بالضعيف. ويقال : استهزاء الدهاة بأهل سلامة القلوب.
وقوله :( عسى أن يكونوا خيرا منهم ) أي : عسى أن يكون المستهزئ منه خيرا من المستهزئ.
وقوله :( ولا نساء من نساء ) أي : ولا يسخر نساء من نساء عسى أن تكون خيرا منهن، أي : عسى أن تكون المستهزأة منها خيرا من المستهزئة، والمراد في الآخرة.
وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لأبي ذر :" أنظر إلى أوضع رجل في المسجد عندك، فأشار إلى فقير عليه أطمار. فقال : انظر إلى أرفع رجل في المسجد عندك، فأشار إلى بعض الأغنياء وعليه شارة فقال صلى الله عليه و سلم : هذا يوم القيامة أفضل من ملء الأرض من هذا " (١) وعنى به الفقير.
وقوله :( ولا تلمزا أنفسكم ) أي :( لا يعيب )(٢) بعضكم بعضا [ أي :](٣) مثل قوله تعالى :( ولا تقتلوا أنفسكم ) أي : لا يقتل بعضكم بعضا.
قال الضحاك : لا يلعن بعضكم بعضا، ويقال : لا يطعن بعضكم على بعض. وقوله :( ولا تنابزوا بالألقاب ) النبز واللقب بمعنى واحد.
ومعنى النبز هاهنا : هو اللقب المكروه الذي يكره الإنسان أن يدعى به. وعن [ أبي ](٤) جبيرة الأنصاري قال :" قدم رسول الله علينا المدينة ولأحدنا الاسم والاسمان والثلاثة، فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو بذلك الاسم، فقيل له : إنه يغضب إذا دعي بهذا، فترك ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية " (٥). قال مجاهد والحسن : هو أن يقول لمن أسلم : يا يهودي، يا نصراني تعييرا بما كان عليه من قبل. وقال قتادة وأبو العالية : هو أن يقول يا منافق، يا فاسق. وفي بعض التفاسير : أنه كان بين كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي منازعة فقال كعب بن مالك لعبد الله : يا أعرابي، وقال عبد الله لكعب : يا يهودي، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهاهم عن مثل هذا. وفي بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :" من حق المسلم على المسلم أن يدعوه بأحب أسمائه إليه " (٦).
وقوله :( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) استدل بهذا من قال إن الفاسق
لا يكون مؤمنا، قال : لأنه لو كان الفاسق مؤمنا لم يستقم قوله :( بعد الإيمان ) والجواب : أن المراد منه النهي عن قوله : يا فاسق، يا منافق، وكأنه قال : بئس الوصف بالفسوق بعد الإيمان بالله. وقال : إن " بعد " هاهنا بمعنى :" مع " ومعناه : بئس اسم الفسوق مع الإيمان.
وقوله :( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) أي : من لم يتب عن هذه الأشياء التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ؛ فأولئك هم الظالمون.
١ - رواه الامام أحمد في مسنده( ٥/١٥٧، ١٧٠)، و في الزهد ( ٢٧-٢٨)، و كيع في الزهد (١/٧٣٨ -٣٧٩ رقم ١٤٤)، و ابن أبي شيبة في المصنف ( ١٣/ ٢٢٢ رقم ١٦١٦٣، ١٦١٦٤ )، و هناد في الزهد (٢/٤١٦ رقم ٤٥٧ رقم ٦٨١ ٨١٥)، الطبراني في الاوسط ( ٨/٤٦-٢٤٧ رقم ٥٠٤٩ – مجمع البحرين ) و ابن حبان ( ٢/٤٥٦- ٤٥٧ رقم ٦٨١)، و أبو نعيم في الحلية ( ٨/ ١١٥-١١٦) و قال : حديث ثابت مشهور من حديث الأعمش و قال الهبثمي في المجمع ( ١٠/٢٦١) : رواه أحمد بأسانيد و و رجال الصحيح. وقال في موضوع آخر (١٠/٢٦٨) : رواه أحمد، و البزار، و الطبراني في الأوسط بأسانيد، و رجال أحمد، أحد إسنادي البزار و الطبراني رجال الصحيح..
٢ - في ((ك)) : يغتب..
٣ - من ((ك))..
٤ - في الاصل : عن ابن جبيرة، و ((ك)) : عن ابن عباس، و الصواب عن ابن جبيرة، و هو ابن الضحاك بن خليفة الانصاري المدني، كما سيأتي في تخريج الحديث عند البخاري في الادب و الترمذى و غيرهما، و انظر الإصابة ( ٤/٣١)..
٥ - رواه البخاري في الادب ( ص ١٠١)، و أبو داود (٤/٢٩٠-٢٩١ رقم ٤٩٦٢)، و الترمذى ( ٥/٣٦٢ رقم ٣٢٦٨) و قال : حسن صحيح، و النسائي في الكبرى ( ٦/٤٦٦ رقم ١١٥١٦)، و ابن ماجة ( ٢/١٢٣١ -١١٣٢ رقم ٣٧٤١)، و أحمد ( ٤/٦٩، ٢٦٠) و صححه، جميعهم من حديث أبي جبيرة الأنصاري مرفوعا به..
٦ - قال الحافظ الزيلعي في تخريج الكشاف ( ٣/ ٣٤٠) : غريب بهذا اللفظ لم أجد هكذا. قلت : في حدبث عثمان بن طلحة مرفوعا : و ثلاث يفين لك ود أخيك.... و تدعوه بأحب أسمائه إليه )). رواه البخاري في تاريخه ( ٧/٣٥٢)، و الطبراني في الأوسط ( ٥١/ رقم ٣٠١٨، ٣٠١٩- مجمع البحرين )، و الحاكم (٣/٤٢٩)، و البيهقي في الأدب ( ٧٧/ رقم ٢٢٩)، و ابن عساكر في تاريخه (١٣ / ٣٨٧ رقم ٣٣٢٤)، و تمام في فوائده ( ١/١٦٢ -١٦٣ رقم ٣٧٤، ٣٧٥ ). و قال أبو حاتم في علل الرازى ( ٢/٢٦٢) : و هذا حديث منكر ¸و موسى ضعيف الحديث. و قال الهيثمي في المجمع ( ٨/٨٥) : رواه الطبراني في الأوسط، و فيه موسى بن عبد الملك، و هو ضعيف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى