روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿يا أيها الذين ءامَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مّنَ الظن﴾ أي تباعدوا منه، وأصل اجتنبه كان على جانب منه ثم شاع في التباعد اللازم له، وتنكيراً ﴿كَثِيراً﴾ ليحتاط في كل ظن ويتأمل حتى يعلم أنه من أي القبيل، فإن من الظن ما يباح اتباعه كالظن في الأمور المعايشة، ومنه ما يجب كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات كالواجبات الثابتة بغير دليل قطعي وحسن الظن بالله عز وجل، ومنه ما يحرم كالظن في الإلهيات والنبوات وحيث يخالفوا قاطع وظن السوء بالمؤمنين، ففي الحديث " أن الله تعالى حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وعن عائشة مرفوعاً " من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه الظن إن الله تعالى يقول :﴿اجتنبوا كَثِيراً مّنَ الظن﴾ " ويشترط في حرمة هذا أن يكون المظنون به ممن شوهد منه التستر والصلاح وأونست منه الأمانة، وأما من يتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث كالدخول والخروج إلى حانات الخمر وصحبة الغواني الفاجرات وإدمان النظر إلى المرد فلا يحرم ظن السوء فيه وإن كان الظان لم يره يشرب الخمر ولا يزني ولايعبث بالشباب. أخرج البيهقي في «شعب الايمان » عن سعيد بن المسيب قال : كتب إلى بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرىء مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، وما كافيت من عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تعالى فيه، وعليك بإخوان الصدق فكن في اكتسابهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة عند عظيم البلاء، ولا تهاون بالحلف فيهينك الله تعالى، ولا تسألن عما لم يكن حتى يكون ؛ ولا تضع حديثك إلا عند من تشتهيه، وعليك بالصدق وإن قتلك، واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله تعالى، وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب.
وعن الحسن كنا في زمان الظن بالناس حرام وأنت اليوم في زمان اعلم واسكت وظن بالناس ما شئت، واعلم أن ظن السوء إن كان اختيارياً فالأمر واضح، وإذا لم يكن اختيارياً فالمنهى عنه العمل بموجبه من احتقار المظنون به وتنقيصه وذكره بما ظن فيه، وقد قيل نظير ذلك في الحسد على تقدير كونه غير اختياري، ولا يضر العمل بموجبه بالنسبة إلى الظان نفسه كما إذا ظن بشخص أنه ريد به سوءاً فتحفظ من أن يلحقه منه أذى على وجه لا يلحق ذلك الشخص به نقص، وهو محمل خبر «إن من الحزم سوء الظن » وخبر الطبراني «احترسوا من الناس بسوء الظن »، وقيل : المنهي عنه الاسترسال معه وترك إزالته بنحو تأويل سببه من خبر ونحوه، وإلا فالأمر الغير الاختياري نفسه لا يكون مورد التكليف، وفي الحديث «قال رسول الله ﷺ : ثلاث لازمات أمتي الطيرة والحسد وسوء الظن فقال رجل : ما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه ؟ قال : إذا حسدت فاستغفر الله وإذا ظنن فلا تحقق وإذا تطيرت فامض » أخرجه الطبراني عن حارثة بن النعمان ﴿إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ﴾ تعليل بالأمر بالاجتناب أو لموجبه بطريق الاستئناف التحقيقي، والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه، ومنه قيل لعقوبته الأثام فعال منه كالنكال، قال الشاعر :
لقد فعلت هذي النوى بي فعلةأصاب النوى قبل الممات أثامها
والهمزة فيه على ما قال الزمخشري بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها لكونه يضربها في الجملة وإن لم يحبطها قطعاً : وتعقب بأن الهمزة ملتزمة في تصاريفه تقول : إثم يأثم فهو آثم وهذا إثم وتلك آثام، وأن إثم من باب علم، ووثم من باب ضرب، وأنه ذكره في باب الهمزة في الأساس، والواوي متعد وهذا لازم. ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ ولا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم وتستكشفوا عما ستروه، تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كاللمس فإن من يطلب الشيء يجسه ويلمسه فأريد به ما يلزمه، واستعمال التفعل للمبالغة. وقرأ الحسن. وأبو رجاء. وابن سيرين ﴿وَلاَ﴾ بالحاء من الحسن الذي هو أثر الجس وغايته، ولهذا يقال لمشاعر الإنسان الحواس والجواس بالحاء والجيم، وقيل التجسس والتحسس متحدان ومعناهما معرفة الأخبار، وقيل : التجسس بالجيم تتبع الظواهر بالحاء تتبع البواطن، وقيل : الأول أن تفحص بغيرك والثاني أن تفحص بنفسك، وقيل : الأول في الشر والثاني في الخير، وهذا بفرض صحته غير مراد هنا والذي عليه الجمهور أن المراد على القراءتين النهي عن تتبع العورات مطلقاً وعدوه من الكبائر.
أخرج أبو داود. وابن المنذر. وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال : خطبنا رسول الله ﷺ فقال :«يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الايمان قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين فضحه الله تعالى في قعر بيته » وفي رواية البيهقي عن البراء بن عازب أنه ﷺ نادى بذلك حتى أسمع العواتق في الخدر. وأخرج أبو داود. وجماعة عن زيد بن وهب قلنا لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة بن معيط تقطر لحيته خمراً ؟ فقال ابن مسعود : قدنهينا عن التجسس فإن ظهر لنا شيء أخذنا به.
وقد يحمل مزيد حب النهي عن المنكر على التجسس وينسى النهي فيعذر مرتكبه كما وقع ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. أخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثور الكندي أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يعس بالمدينة فسمع صوت رجل في بيت يتغني فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال : يا عدو الله أظنن أن الله تعالى يسترك وأنت على معصية ؟ فقال : وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل علي إن كنت عصيت الله تعالى واحدة فقد عصيت الله تعالى في ثلاث قال سبحانه :﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ وقد تجسست وقال الله تعالى :﴿وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها﴾ [البقرة: ١٨٩] وقد تسورت وقال جل شأنه :﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] ودخلت علي بغير إذن قال عمر رضي الله تعالى عنه : فهل عندكم من خير إن عفوت عنك ؟ قال : نعم فعفا عنه وخرج وتركه. وفي رواية سعيد بن منصور عن الحسن أنه قال رجل لعمر رضي الله تعالى عنه : إن فلاناً لا يصحوا فقال : انظر الساعة التي يضع فيها شرابه فأتني فأتاه فقال : قد وضع شرابه فانطلقا حتى استأذنا عليه فعزل شرابه ثم دخلا فقال عمر : والله إني لأجد ريح شراب يا فلان أنت بهذا فقال : يا ابن الخطاب وأنت بهذا لم ينهك الله تعالى أن تتجسس ؟ فعرفها عمر فانطلق وتركه، وذكر بعضهم أن انزجار شربة الخمر ونحوهم إذا توقف على التسور عليهم جاز احتجاجاً بفعل عمر رضي الله تعالى عنه السابق وفيه نظر، وقد جاء في بعض الروايات عنه ما يخالف ذلك.
أخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد والخرائطي أيضاً عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن عوف أنه حرس مع عمر رضي الله تعالى عنه ليلة المدينة فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه فلما دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتبعة ولغط فقال عمر : وأخذ بيد عبد الرحمن أتدري بيت من هذا ؟ هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف الآن شرب قال : أرى أن قد أتينا ما نهى الله تعالى عنه قال الله تعالى :﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ فقد تجسسنا فانصرف عمر رضي الله تعالى عنه عنهم وتركهم، ولعل القصة إن صحت غير واحدة، ومن التجسس على ما قال الأوزاعي الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون فهو حرام أيضاً.
﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾ أي لا يذكر بعضكم بعضاً بما يكره في غيبته فقد قال ﷺ :«أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ذكرك أخاك بما يكره قيل : أفرأيت لو كان في أخي ما أقول قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته » رواه مسلم. وأبو داود. والترمذي. والنسائي وغيرهم.
والمراد بالذكر الذكر صريحاً أو كناية ويدخل في الأخير الرمز والإشارة ونحوهما إذاأدت مؤدى النطق فإن علة النهي عن الغيبة الإيذاء بتفهيم الغير نقصان المغتاب وهو موجود حيث أفهمت الغير ما يكرهه المغتاب بأي وجه كان من طرق الأفهام، وهي بالفعل كان تمشي مشية أعظم الأنواع كما قاله الغزالي، والمراد بما يكره أعم من أن يكون في دينه أو دنياه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو ولده أو زوجته أو مملوكه أو خادمه أو لباسه أو غير ذلك مما يتعلق به، وخصه القفال بالصفات التي لا تذم شرعاً فذكر الشخص بما يكره مما يذم شرعاً ليس بغيبة عنده ولا يحرم، واحتج على ذلك بقوله ﷺ :" اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس " وما ذكره لا يعول، عليه والحديث ضعيف وقال أحمد منكر، وقال البيهقي : ليس بشيء ولو صح فهو محمول على فاجر معلن بفجوره. والمراد بقولنا : غيبته غيبته عن ذلك الذكر سواء كان حاضراً في مجلس الذكر أولاً، وفي «الزواجر » لا فرق في الغيبة بني أن تكون في غيبة المغتاب أو بحضرته هو المعتمد، وقد يقال : شمول الغيبة للذكر بالحضور على نحو شمول سجود السهود لما كان عن ترك ما يسجد له عمداً ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ تميل لما يصدر عن المغتاب من حيث صدوره عنه ومن حيث تعلقه بصاحبه على أفحش وجه وأشنعه طبعاً وعقلاً وشرعاً مع مبالغات من فنون شتى، الاستفهام التقريري من حيث أنه لا يقع إلا في كلام هو مسلم عند كل سامع حقيقة أو ادعاء، وإسناد الفعل إلى أحد إيذاناً بأن أحداً من الأحديثن لا يفعل ذلك وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، وجعل المأكول أخاً للآكل وميتاً، وتعقيب ذلك بقوله تعالى :﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ حملاً على الإقرار وتحقيقاً لعدم محبة ذلك أو لمحبته التي لا ينبغي مثلها، وفي المثل السائر كنى عن الغيبة بأكل الإنسان للحم مثله لأنها ذكر المثالب وتمزيق الإعراض المماثل لأكل اللحم بعد تمزيقه في استكراه العقل والشرع له، وجعله ميتاً لأن المغتاب لا يشعر بغيبته، ووصله بالمحبة لما جبلت عليه النفوس من الميل إليها مع العلم بقبحها، وقال أبو زيد السهيلي : ضرب المثل لأخذ العرض بأكل اللحم لأن اللحم ستر على العظم والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه وكأنه أولى مما في المثل، والفاء في ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فصيحة في جواب شرط مقدور ويقدر معه قد أي أن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته، والجزائية باعتبار التبين، والضمير المنصوب للأكل وقيل : للحم، وقيل : للميت وليس بذاك، وجوز كونه للاغتياب المفهوم مما قبل، والمعنى فاكرهوه كراهيتكم لذلك الأكل، وعبر بالماضي للمبالغة، وإذا أول بما ذكر يكون إنشاء غير محتاج لتقدير ﴿قد﴾، وانتصاب ميتاً على الحال من اللحم أو الأخ لأن المضاف جزء من المضاف إليه والحال في مثل ذلك جائز خلافاً لأبي حيان.
وقرأ أبو سعيد الخدري. والجحدري. وأبو حيوة ﴿مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ بضم الكاف وشد الراء، ورواها الخدري عن النبي ﷺ، وقوله تعالى :﴿واتقوا الله﴾ قيل عطف على محذوف كأنه قيل : امتثلوا ما قيل لكم واتقوا الله.
وقال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى