الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال :﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [ ١٢ ].
أي : تجنبوا أن تظنوا بالمؤمنين شرا، فإن الظن غير محق، وإنما قال : " كثيرا " ولم يقل : اجتنبوا الظن كله ؛ لأن الظن قد يكون في الخير فتظن بأخيك المؤمن خيرا، وذلك حسن، فلو قال : اجتنبوا الظن كله يمنع أن (١) يظن الإنسان بأخيه خيرا، ولذلك قال : إن بعض الظن، إثم، أي : إن ظنك بأخيك المؤمن الشر لا الخير إثم لأن الله عز وجل (٢) قد نهاك عنه.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال : " إياكم والظن فإنه أكذب الحديث فلا ينبغي لأحد أن يظن شرا (٣) بمن ظاهره حسن، ولا بأس أن نظن شرا بمن ظاهره قبيح " (٤).
قال مجاهد : خذوا ما ظهر واتركوا ما ستره الله عز وجل (٥) (٦).
ثم قال :﴿ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا﴾.
أي : ولا يتبع بعضكم عورة بعض، فيبحث عن سرائره ليطلع على عيوبه. قال ابن عباس : نهى الله عز وجل (٧) المؤمن أن يتبع عورات (٨) المؤمن (٩).
قال مجاهد : ولا تجسسوا : خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستره الله وهو معنى قول قتادة (١٠).
والتجسس والتحسس ( سواء في اللغة (١١) ) (١٢).
وقوله :﴿ولا يغتب بعضكم بعضا﴾.
أي : لا يقل (١٣) بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره أن يقال له في وجهه، وسأل النبي ﷺ (١٤) عن الغيبة فقال : " هو أن تقول لأخيك ما فيه، فإن كنت صادقا فقد اغتبته، وإن كنت كاذبا فقد (١٥) بهته " (١٦).
قال مسروق : إذا ذكرت الرجل بأسوأ (١٧) ما فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته (١٨).
قال الحسن : الغيبة أن تذكر من أخيك ما تعلم فيه من مساوئ أعماله، فإذا ذكرت بما ليس فيه فذلك البهتان (١٩).
قال ابن سرين : إن علمت أن أخاك يكره أن تقول ما أشر سواد شعره ثم قلته من ورائه فقد اغتبته (٢٠).
وقالت عائشة رضي الله عنه : قلت بحضرة النبي ﷺ (٢١) في امرأة : ما أطول ذراعها، فقال : قد اغتبتها فاستحلي منها (٢٢).
وروى جابر أن النبي ﷺ (٢٣) قال : " الغيبة أشد من الزنا (٢٤) لأن الرجل يزني فيتوب الله عليه، [ والرجل يغتاب الرجل فيتوب، فلا يتاب عليه حتى يستحله ] " (٢٥) (٢٦).
ثم قال :﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾.
أي : أنتم تحبون أن تأكلوا لحم الميتة، وتكرهونه فكذلك (٢٧) يجب/أن تكرهوا الغيبة للحي فإن الله حرم غيبة المؤمن حيا كما حرم أكل لحمه ميتا (٢٨).
قال ابن عباس : معناه كما أنت كاره أكل لحم الميتة المدودة فاكره غيبة أخيك كذلك، فأكل الميتة حرام في الشريعة (٢٩) مكروه في النفوس مستقذر فضرب الله مثلا للغيبة، فجعل المغتاب كآكل لحم/الميتة.
والعرب تقول : ألحمتك فلانا : أي : أمكنتك من عرضه (٣٠).
وقوله :﴿فكرهتموه﴾.
[ أتى (٣١) ] بالماضي على تقدير فقد كرهتموه (٣٢)، ففيه معنى الأمر، ودل على ذلك قوله :﴿واتقوا الله﴾ عطف عليه وهو أمر.
وقال الكسائي : فكرهتموه معناه : فينبغي أن تكرهوه.
قال المبرد : معناه فكرهتم أن تأكلوه.
ثم قال :﴿واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾.
أي : وخافوا الله أن تقدموا على فعل ما نهاكم عنه من (٣٣) الظن السوء وتتبع عورات (٣٤) المسلم والتجسس على ما خفي عنك باغتياب (٣٥) أخيك المسلم وغير ذلك مما نهاك عنه، إن الله تواب على من تاب إليه : أي : رجع إليه، رحيم به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.
١ ع: "لمنع لن": وهو تحريف..
٢ ساقط من ع..
٣ ساقط من ع..
٤ أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ٧/٨٩، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظن والتحسسن والتنافس والتناجش ونحوها ١٦/١١٩، ومالك في الموطأ من كتاب حسن الخلق، باب: ما جاء في المهاجرة ٢/٧٥٤، وأبو داود في كتاب الأدب، باب: في الظن ٤/٢٨٠، وأخرجه الترمذي في باب: ما جاء في ظن السوء ٣/٢٤١ (رقم ٢٠٥٥). والبغوي في شرح السنة، باب: ما لا يجوز من الظن والنهي عن التحاسد والتجسس ١٣/١٠٩..
٥ ساقط من ع..
٦ انظر: تفسير مجاهد ٦١٢، وجامع البيان ٢٦/٨٦..
٧ ساقط من ع..
٨ ع: "عورة"..
٩ انظر : جامع البيان ٢٦/٨٦، والدر المنثور ٧/٥٦٧..
١٠ انظر: تفسير مجاهد ٦١٢، وجامع البيان ٢٦/٨٦..
١١ ع: "في اللغة سواء"..
١٢ جاء في اللسان مادة جسس ١/٤٥٩: تجسس الخبر: بحث عنه قال اللحيائي: تجسست فلانا ومن فلان بحثت عنه كتحسست وتجسست الخبر وتحسسته بمعنى واحد (...) وقيل: "التجسس بالجيم أن يطلبه لغيره وبالحاء أن يطلبه لنفسه، وقيل بالجيم البحث عن العورات والحاء الاستماع، وقيل معناهما واحد في تطلب معرفة الأخبار".
وراجع التاج نفس المادة ٤/١١٩..

١٣ ع : "يقول": وهو لحن..
١٤ ع: "عليه السلام"..
١٥ ساقط من ع..
١٦ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم الغيبة ١٦/١٤٢، ومالك في الموطأ ٢/٨٢٦، وأبو داود (حديث رقم ٤٨٧٤) والترمذي في أبواب البر والصلة ٣/٢٢٠. والدارمي ٢/٢٣٩، والبغوي في شرح السنة، باب: تحريم الغيبة ١٣/١٣٨..
١٧ ع: "بالسوء": وهو تحريف..
١٨ انظر: جامع البيان ٢٦/٨٦..
١٩ انظر: تفسير القرطبي ١٦/٣٣٥..
٢٠ انظر: جامع البيان ٢٦/٨٦ -٨٧، وإعراب النحاس ٤/٢١٥، والدر المنثور ٧/٥٧١..
٢١ ع: "عليه السلام"..
٢٢ أخرجه أبو داود- كتاب: الأدب (حديث ٤٨٧٥) عن عائشة في صفية، بلفظ مغاير وهو في نفس المعنى. وانظر: جامع البيان ٢٦/٨٧، والبحر المحيط ٨/١١٤..
٢٣ ع: "عليه السلام"..
٢٤ ع: "الزنى"..
٢٥ ساقط من ح..
٢٦ ذكره الهندي في كنز العمال ٣/٥٨٦ (رقم ٨٠٢٦) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في دم الغيبة، والديلمي في مسند الفردوس ٣/١١٦ رقم (٤٣٢٠). والمنذري في الترغيب والترهيب ٣/٥١١، والهيثمي في مجمع الزوائد كتاب الأدب والأخلاق ٨/٩٤، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/١١٤٧، والسيوطي في الدر المنثور ٧/٥٧٦..
٢٧ ع: "فذيك": وهو تحريف..
٢٨ ح: "مية": وهو تحريف..
٢٩ ع: "فالشريعة"..
٣٠ انظر: اللسان ٣/٣٥٢، والتاج مادة "لحم" ٩/٥٦..
٣١ ح، ع: "أنا": وهو خطأ..
٣٢ ع: "فقد ذكرتموه": وهو تحريف..
٣٣ ع: "ومن"..
٣٤ ع: "عورة"..
٣٥ ع: "واغتاب": وهو تحريف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى