مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ من آدم وحواء أو كل واحد منكم من أب وأم فما منكم من أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر سواء بسواء فلا معنى للتفاخر والتفاضل في النسب ﴿وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ﴾ الشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب وهي : الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها ﴿لتعارفوا﴾ أي إنما رتبكم على شعوب وقبائل ليعرف بعضكم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد وتدعوا التفاضل في الأنساب. ثم بين الخصلة التي يفضل بها الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله فقال ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم﴾ في الحديث :« من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله » وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى. ورُوي أنه ﷺ طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :« الحمد لله الذي أذهب عنكم عِبُية الجاهلية وتكبرها. يا أيها الناس إنما الناس رجلان : مؤمن تقي كريم على الله وفاجر وشقي هين على الله » ثم قرأ الآية. وعن يزيد بن شجرة مر رسول الله ﷺ في سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول : من اشتراني فعلى شرط أن لا يمنعني من الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ. فاشتراه بعضهم فمرض فعاده رسول الله ﷺ ثم توفي فحضر دفنه فقالوا في ذلك شيئاً فنزلت ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ﴾ كرم القلوب وتقواها ﴿خَبِيرٌ﴾ بهمّ النفوس في هواها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى