روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ من آدم وحواء عليهما السلام فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب ومن هذا قوله :
الناس في عالم التمثيل أكفاءأبوهم آدم والأم حواء
وجوز أن يكون المراد هنا أنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم، ويبعده عدم ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه والكلام مساق له كما ينبئ عنه ما بعد، وقيل : هو تقرير للأخوة المانعة عن الاغتياب وعدم ظهور الترتب عليه على حاله مع أن ملاءمة ما بعد له دون ملاءمته للوجه السابق لكن وجه تقريره للأخوة ظاهر.
﴿وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ الشعوب جمع شعب بفتح الشين وسكون العين وهم الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد، وهو يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة بفتح العين وقد تكسر تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، فخزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصى بطن وهاشم فخذ والعباس فضيلة ؛ وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النسب واللغة، ونظم ذلك بعض الأدباء فقال :
قبيلة فوقها شعب وبعدهماعمارة ثم بطن تلوه فخذ
وليس يؤوي الفتى إلا فصيلتهولا سداد لسهم ماله قذذ
وذكر بعضهم العشيرة بعد الفصيلة فقال :
اقصد الشعب فهو أكثر حيعدداً في الحساب ثم القبيلة
ثم يتلوهما العمارة ثم البطنثم الفخذ وبعد الفصيلة
ثم من بعدها العشيرة لكنهي في جنب ما ذكرنا قليله
وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه تقديم الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم الفخذ فأقام الفصيلة مقام العمارة والعمارة مقام الفصيلة في ذكرها قبل الفخذ ولم يذكر ما يخالفه، وقيل : الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل، وأيد كون الشعوب في العجم ما في حديث مسروق أن رجلاً من الشعوب أسلم فكانت تؤخذ منه الجزية ؛ فإن الشعوب فيه فسرت بالعجم لكن قيل : وجهه على ما تقدم أن الشعب ما تشعب منه قبائل العرب والعجم فخص بأحدهما، ويجوز أن يكون جمع الشعوبي وهو الذي يصغر شأن العرب ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم كيهود ومجوس في جمع المجوسي واليهودي، ومنهم أبو عبيدة وكان خارجياً وقد ألف كتاباً في مثالب العرب، وابن غرسية وله رسالة فصيحة في تفضيل العجم على العرب، وقد رد عليه علماء الأندلس برسائل عديدة.
وقيل : الشعوب عرب اليمن من قحطان والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان، وقال قتادة. ومجاهد. والضحاك : الشعب النسب الأبعد والقبيلة الأقرب، وقيل : الشعوب الموالي والقبائل العرب، وقال أبو روق : الشعوب الذين ينتسبون إلى المدائن والقرى والقبائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم ﴿لتعارفوا﴾ علة للجعل أي جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً فتصلوا الأرحام وتبينوا الأنساب والتوارث لا لتفاخروا بالآباء والقبائل، والحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر والسكوت في معرض البيان.
وقرأ الأعمش ﴿لتتعارفوا﴾ بتاءين على الأصل، ومجاهد. وابن كثير في رواية. وابن محيصن بإدغام التاء في التاء، وابن عباس. وأبان عن عاصم ﴿وَقَبَائِلَ لتعارفوا﴾ بكسر الراء مضارع عرف، قال ابن جني : والمفعول محذوف أي لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه كقوله :
وما علم الإنسان إلا ليعلماأي ليعلم ما علمه وما أعذب هذا الحذف وما أغربه لمن يعرف مذهبه.
واختير في المفعول المقدر قرابة بعضكم من بعض، وقوله تعالى :﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم﴾ تعليل للنهي عن التفاخر بالأنساب المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف الحقيقي كأنه قيل : إن الأكرم عند الله تعالى والأرفع منزلة لديه عز وجل في الآخرة والدنيا هو الأتقى فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى. وقرأ ابن عباس ﴿أن﴾ بفتح الهمزة على حذف لام التعليل كأنه قيل : لم لا تتفاخروا بالأنساب ؟ فقيل : لأن أكرمكم عند الله تعالى أتقاكم لا أنسبكم فإن مدار كمال النفوس وتفاوت الأشخاص هو التقوى فمن رام نيل الدرجات العلا فعليه بها.
وفي «البحر » أن ابن عباس قرأ ﴿وَأَن أَكْرَمَكُمْ﴾ بفتح الهمزة فاحتمل أن يكون ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ﴾ الخ معمولاً ﴿لتعارفوا﴾ وتكون اللام في ﴿لتعارفوا﴾ لام الأمر وهو أجود من حيث المعنى، وأما إن كانت لام كي فلا يظهر المعنى إذ ليس جعلهم شعوباً وقبائل لأن يعرفوا أن أكرمهم عند الله تعالى أتقاهم فإن جعلت مفعولاً ﴿لتعارفوا﴾ محذوفاً أي لتعرفوا الحق لأن أكرمكم عند الله أتقاكم ساغ في اللام أن تكون لام كي اه وهو كما ترى.
﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ﴾ بكم وبأعمالكم ﴿خَبِيرٌ﴾ بباطن أحوالكم. روي أنه لما كان يوم فتح مكة أذن بلال على الكعبة فغضب الحرث بن هشام. وعتاب بن أسيد وقالا : أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة فنزلت.
وعن ابن عباس سبب نزولها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح له عند النبي ﷺ يا ابن فلانة فوبخه النبي عليه الصلاة والسلام وقال : إنك لا تفضل أحداً إلا في الدين والتقوى ونزلت. وأخرج أبو داود في مراسيله. وابن مردويه. والبيهقي في سننه عن الزهري قال : أمر رسول الله ﷺ بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا : يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا ؟ فأنزل الله تعالى :﴿رَّحِيمٌ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ الآية.
قال الزهري : نزلت في أبي هند خاصة وكان حجام النبي ﷺ، وفي رواية ابن مردويه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال : أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه ونزلت :﴿يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس﴾ الآية في ذلك، وعن يزيد بن شجرة مر رسول الله ﷺ في سوق المدينة فرأى غلاماً أسود يقول : من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام فاشتراه رجل فكان رسول الله ﷺ يراه عند كل صلاة ففقده فسأل عنه صاحبه فقال : محموم فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقال : هو لما به فجاءه وهو في ذمائه فتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت، وفي القلب من صحة هذا شيء والله تعالى أعلم.
وقد دلت على أنه لا ينبغي التفاخر بالأنساب وبذلك نطقت الأخبار. أخرج ابن مردويه. والبيهقي في «شعب الإيمان ». وعبد بن حميد. والترمذي. وغيرهم عن ابن عمر أن النبي ﷺ طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه فلما خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال فخطبهم فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال : الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها يا أيها الناس الناس رجلان بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله الناس كلهم بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى :﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأثنى﴾ إلى قوله تعالى :﴿خَبِيرٌ﴾ ثم قال : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأخرج البيهقي. وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال : يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم﴾ ألا هل بلغت ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : فليبلغ الشاهد الغائب، وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال :" قال رسول الله ﷺ إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بابآئها كلكم لآدم وحواء كطف الصاع بالصاع وإن أكرمكم عند الله أتقاكم فمن أتاكم ترضون دينه وأمانته فزوجوه " وأخرج أحمد. وجماعة نحوه لكن ليس فيه ﴿فَمَنْ * ءاتاكم﴾ الخ.
وأخرج البزار عن حذيفة قال :" قال رسول الله ﷺ كلم بنو آدم وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان " وأخرج الطبراني. وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال :
" يقول الله يوم القيامة أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا : فلان بن فلان وفلان أكرم من فلان وإني اليوم أرفع نسبي واضع نسبكم ألا إن أوليائي المتقون " وأخرج الخطيب عن علي كرم الله تعالى وجهه نحوه مرفوعاً.
وأخرج أحمد. والبخاري في تاريخه. وأبو يعلى. والبغوي. وابن قانع. والطبراني. والبيهقي في «شعب الإيمان » عن أبي ريحانة أن رسول الله ﷺ قال :" من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وكبراً فهو عاشرهم في النار " وأخرج البخاري. والنسائي عن أبي هريرة قال :" سئل رسول الله ﷺ أي الناس أكرم ؟ قال : أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فعن معادن العرب تسألوني ؟ قالوا : نعم قال : خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى. وفي الآية إشارة إلى وجه رد التفاخر بالنسب حيث أفادت أن شرف النسب غير مكتسب ﴿وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: ٣٩] وأنه لا فرق بين النسيب وغيره من جهة المادة لاتحاد ما خلقا منه، ولا من جهة الفاعل لأنه هو الله تعالى الواحد، فليس للنسب شرف يعول عليه ويكون مداراً للثواب عند الله عز وجل، ولا أحد أكرم من أحد عنده سبحانه إلا بالتقوى وبها نكمل النفس وتتفاضل الأشخاص، وهذا لا ينافي كون العرب أشرف من العجم وتفاوت كل من العرب والعجم في الشرف، فقد ذكروا أن الفرس أشرف من النبط، وبنو إسرائيل أفضل من القبط. وأخرج مسلم. وغيره عن واثلة بن الأسقع قال :" قال ﷺ إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " لأن ذلك ليس إلا باعتبار الخصال الحميدة، فشرف العرب على العجم مثلاً ليس إلا باعتبار أن الله تعالى امتازهم على من سواهم بفضائل جمة وخصال حميدة كما صحت به الأحاديث، وقد جمع الكثير منها العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه مبلغ الإرب في فضائل العرب، ولا نعني بذلك أن كل عربي ممتاز على كل عجمي بالخصال الحميدة بل إن المجموع ممتاز على المجموع، ثم إن أشرف العرب نسباً أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها لأنهم ينسبون إلى النبي ﷺ كما صرح به جمع من الفقهاء. وأخرج الطبراني عن فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت :" قال رسول الله ﷺ كل بني آدم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم " وفي رواية له عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه «كل ابن أنثى كان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فأنا عصبتهم وأنا أبوهم » ونوزع في صحة ذلك، ورمز الجلال السيوطي للأول بأنه حسن، وتعقب وليس الأمر موقوفاً على ما ذكر لظهور دليله. وقد أخرج أحمد. والحاكم في «المستدرك » عن المسور بن مخرمة ولا كلام فيه قال :" قال ﷺ فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها وأن الأنساب كلها تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري " وحديث بضعية فاطمة رضي الله تعالى عنها مخرج في «صحيح الب

تفسير هذه الآية من كتب أخرى