الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ الآية : المعنى : يأيها الناس، أَنتم سواء من حيثُ أنتم مخلوقون، وإنَّما جعلتم قبائل ؛ لأَنْ تتعارفوا، أوْ لأَنْ تعرفوا الحَقَائِقَ، وَأَمَّا الشرفُ والكرمُ فهو بتقوى اللَّه تعالى وسلامة القلوب، وقرأ ابن مسعود :( لِتَعَارَفُوا بَيْنَكُمْ وَخَيْرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) وقرأ ابن عباس :( لِتَعْرِفُوا أَنَّ ) عَلَى وزن تَفْعَلُوا بكسر العين وبفتح الهمزة من أَنَّ، وَرُوِيَ أَنَّ النبي ﷺ قال :" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ، فَلْيَتَّقِ اللَّه " وأَمَّا الشعوب فهو جمع شَعْبٍ، وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطاً بنسب واحد ؛ كمُضَرٍ ورَبِيعَةَ وحِمْيَرَ، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، والأسرة وهما قرابة الرجل الأَدْنَوْنَ، ثم نَبَّهَ سبحانه على الحذر بقوله :﴿إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي : بالمتقي الذي يستحق رُتْبَةَ الكرم، وَخرَّج مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال :" إنَّ اللَّهَ أوحى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا ؛ حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ على أَحَدٍ " وروى أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال :" لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ، إنَّما هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ أوْ لَيَكُونُنَّ عَلَى اللَّهِ أَهْوَنَ مِنَ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخُرَاءَ بِأَنْفِهِ، إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا ؛ إنَّما هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ " انتهى. ونقله البغويُّ في «مصابيحه ».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى