فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ هما آدم وحوّاء، والمقصود أنهم متساوون لاتصالهم بنسب واحد وكونه يجمعهم أب واحد وأمّ واحدة، وأنه لا موضع للتفاخر بينهم بالأنساب، وقيل المعنى : أن كل واحد منكم من أب وأمّ، فالكل سواء ﴿وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ الشعوب : جمع شعب بفتح الشين، وهو الحيّ العظيم، مثل : مضر، وربيعة، والقبائل دونها كبني بكر من ربيعة، وبني تميم من مضر. قال الواحدي : هذا قول جماعة من المفسرين، سموا شعباً، لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة، والشعب من أسماء الأضداد، يقال شعبته : إذا جمعته، وشعبته : إذا فرّقته، ومنه سميت المنية شعوباً لأنها مفرّقة، فأما الشعب بالكسر فهو الطريق في الجبل. قال الجوهري : الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم، والجمع الشعوب. وقال مجاهد : الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك. وقال قتادة : الشعوب : النسب الأقرب. وقيل : إن الشعوب : عرب اليمن من قحطان، والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان. وقيل : الشعوب : بطون العجم، والقبائل : بطون العرب. وحكى أبو عبيد أن الشعب أكثر من القبيلة، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العشيرة. ومما يؤيد ما قاله الجمهور من أن الشعب أكثر من القبيلة قول الشاعر :
قرأ الجمهور ﴿لتعارفوا﴾ بتخفيف التاء، وأصله : لتتعارفوا، فحذفت إحدى التاءين. وقرأ البزّي بتشديدها على الإدغام. وقرأ الأعمش بتاءين واللام متعلقة بخلقناكم : أي خلقناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً. وقرأ ابن عباس ( لِتَعْرِفُواْ ) مضارع عرف. والفائدة في التعارف أن ينتسب كل واحد منهم إلى نسبه، ولا يعتري إلى غيره. والمقصود من هذا أن الله سبحانه خلقهم كذلك لهذه الفائدة لا للتفاخر بأنسابهم، ودعوى أن هذا الشعب أفضل من هذا الشعب، وهذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة، وهذا البطن أشرف من هذا البطن. ثم علل سبحانه ما يدل عليه الكلام من النهي عن التفاخر، فقال :﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم﴾ أي إن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى، فمن تلبس بها فهو المستحق لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها وأشرف وأفضل، فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر بالأنساب، فإن ذلك لا يوجب كرماً، ولا يثبت شرفاً، ولا يقتضي فضلاً. قرأ الجمهور ﴿إن أكرمكم﴾ بكسر إن. وقرأ ابن عباس بفتحها : أي لأن أكرمكم ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ﴾ بكل معلوم، ومن ذلك أعمالكم ﴿خَبِيرٌ﴾ بما تسرّون وما تعلنون لا تخفى عليه من ذلك خافية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن أبي مليكة قال : لما كان يوم الفتح رقى بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس : أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة. وقال بعضهم : إن يسخط الله هذا يغيره، فنزلت :﴿يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى﴾. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج أبو داود في مراسيله وابن مردويه والبيهقي في سننه عن الزهري قال : أمر رسول الله ﷺ بني بياضة أن يزوّجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا : يا رسول الله، أنزوّج بناتنا موالينا ؟ فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية :﴿يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ هي مكية، وهي للعرب خاصة الموالي : أي قبيلة لهم، وأي شعاب، وقوله :﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم﴾ فقال : أتقاكم للشرك. وأخرج البخاري وابن جرير عن ابن عباس قال : الشعوب القبائل العظام، والقبائل : البطون. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال : الشعوب الجماع، والقبائل الأفخاذ التي يتعارفون بها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه أيضا قال : القبائل : الأفخاذ، والشعوب : الجمهور مثل مضر. وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة قال :«سئل رسول الله ﷺ أيّ الناس أكرم ؟ قال :«أكرمهم عند الله أتقاهم» قالوا : ليس عن هذا نسألك، قال :«فأكرم الناس يوسف نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله» قالوا : ليس عن هذا نسألك، قال :«فعن معادن العرب تسألوني» ؟ قالوا : نعم. قال :«خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» وقد وردت أحاديث في الصحيح وغيره أن التقوى هي التي يتفاضل بها العباد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿قَالَتِ الأعراب ءامَنَّا﴾ قال : أعراب بني أسد وخزيمة، وفي قوله :﴿ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ مخافة القتل والسبي. وأخرج ابن جرير عن قتادة أنها نزلت في بني أسد. وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه قال السيوطي : بسند حسن عن عبد الله بن أبي أوفى : أن ناساً من العرب قالوا : يا رسول الله، أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأنزل الله :﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. وأخرج النسائي، والبزار، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وذكر أنهم بنو أسد.
| قبائل من شعوب ليس فيهم | كريم قد يعدّ ولا نجيب |
وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية :﴿يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ هي مكية، وهي للعرب خاصة الموالي : أي قبيلة لهم، وأي شعاب، وقوله :﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم﴾ فقال : أتقاكم للشرك. وأخرج البخاري وابن جرير عن ابن عباس قال : الشعوب القبائل العظام، والقبائل : البطون. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال : الشعوب الجماع، والقبائل الأفخاذ التي يتعارفون بها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه أيضا قال : القبائل : الأفخاذ، والشعوب : الجمهور مثل مضر. وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة قال :«سئل رسول الله ﷺ أيّ الناس أكرم ؟ قال :«أكرمهم عند الله أتقاهم» قالوا : ليس عن هذا نسألك، قال :«فأكرم الناس يوسف نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله» قالوا : ليس عن هذا نسألك، قال :«فعن معادن العرب تسألوني» ؟ قالوا : نعم. قال :«خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» وقد وردت أحاديث في الصحيح وغيره أن التقوى هي التي يتفاضل بها العباد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿قَالَتِ الأعراب ءامَنَّا﴾ قال : أعراب بني أسد وخزيمة، وفي قوله :﴿ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ مخافة القتل والسبي. وأخرج ابن جرير عن قتادة أنها نزلت في بني أسد. وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه قال السيوطي : بسند حسن عن عبد الله بن أبي أوفى : أن ناساً من العرب قالوا : يا رسول الله، أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأنزل الله :﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾. وأخرج النسائي، والبزار، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وذكر أنهم بنو أسد.