تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية١ : قوله تعالى :﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ اختلفوا في معنى الهمزة واللمزة، فقال بعضهم : معناهما واحد، وهو الدفع والطعن، وقال بعضهم : الهمزة : هو الذي يؤذي جليسه بلسانه، واللمزة : الذي يؤذي بعينه، وقال : بعضهم : الهمزة الذي يطعنه/٦٥٣ أ/ عند حضرته، واللمزة الذي يطعنه عند غيبته. وهذا إنما يسمى به من يعتاد ذلك الفعل.
وأهل اللغة وصفوا هذا المثال، وهو فعل من يعتاد ذلك، ويحترفه.
قال أهل التأويل : إن الآية في الكفار، لكن بعضهم قالوا : نزلت في الأخنس بن شريق، وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة.
ولقائل أن يقول : إن الآية نزلت في الكفار، وكذلك كثير من الآي : كقوله(١) تعالى :﴿ويل للمطففين﴾ ﴿الذين﴾ ( المطففين : ١و٢ ) ونحوه(٢)، ومعلوم ( أن من )(٣) وجد منهم هذا الفعل أو مثله(٤) استوجبوا ما ذكر من العقوبات وأشد، مع أن الذي فيه من الكفر أقبح من هذين الفعلين، فكيف وقع تعييرهم بذلك ؟
والجواب عن هذا وأمثاله من نحو قوله تعالى :﴿ويل للمطففين﴾ ﴿الذين﴾ ( المطففين : ١و٢ ) وقوله :﴿لم تك من المصلين﴾ ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾. . . ﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾ ( المدثر : ٤٣ ٤٦ ) ( في وجوه : أحدها : أنهم )(٥) وإن أقاموا الصلاة، وأعطوا الزكاة، لم يزل عنهم عقوبة النار. والجواب عنه أن الإيمان لم يحسن لاسمه، ولا قبح الكفر لنفس اسم الكفر ؛ لأنه ليس أحد ممن يذهب مذهبا، أو يدين دينا إلا وهو يكفر بشيء، ويؤمن بشيء ؛ لأن المسلم مؤمن بالله تعالى، كافر بالطاغوت، والكافر يكفر بالرحمن، ويؤمن بالطاغوت، ويعبده.
فثبت أن الإيمان ليس يحسن لنفس اسم الإيمان، ولا قبح الكفر لعين اسم الكفر، ولكن الإيمان بالله تعالى إنما يحسن بحسن ( من حين )(٦) أوجبت الحكمة الإيمان به، ويقبح الكفر ؛ لأن الحكمة أوجبت ترك الكفر بالله تعالى، فالإيمان حسن لما فيه من ( معنى الإيمان )(٧)، والكفر قبيح لما فيه من معنى الكفر.
وهذان الفعلان قبيحان في نفسيهما(٨) لا بغيرهما، فكان التعبير الذي يقع بهذين الفعلين أكثر وأبلغ منه في تعييرهم بالكفر. لذلك عيرهم الله تعالى بهذين الفعلين.
( والثاني :)(٩) أن هذا يخرج مخرج الموعظة لأمة محمد ﷺ، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يهمز به، ويسخر منه لما يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ولا يحمله ما كانوا يتعاطون على ترك أمرهم بالمعروف ونهيهم(١٠) عن المنكر لما يخشى أن يسخر به، أو يستهزأ.
والثالث : أن يكون هذا على وجه المكافأة والانتقام لما كانوا يفعلون بنبينا محمد ﷺ على الزجر والردع عن ذلك ؛ إذ العقلاء يمتنعون عن الأفعال القبيحة.
فعلى هذه الوجوه يحتمل معنى تعييرهم.
١ في الأصل وم: من قوله.
٢ في الأصل وم: ونحوها.
٣ في الأصل وم: أنه.
٤ في الأصل وم: عدمه.
٥ في الأصل وم: فهم.
٦ في الأصل: من حيث. ساقطة من م.
٧ في الأصل وم: المعنى..
٨ في الأصل وم: أنفسهما.
٩ في الأصل وم: ووجه آخر.
١٠ في الأصل وم: والنهي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى