كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ؛ الخطابُ في هذه الآيةِ للكفَّار، والمرادُ بالإنسانِ كلدَةَ بنَ أُسَيدٍ، ويقالُ : الخطابُ للكفَّار والعاصين، يقال له يومئذٍ : بمَ اغتَرَرْتَ وتشاغَلت عن طاعةِ الله وطلب مَرضاتهِ وهو الكريْمُ الصَّفُوحُ عن العبادِ، ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ ؛ خلقَكَ في بطنِ أُمِّك باليدينِ والرِّجلَين وسائرِ الأعضاء لم يخلُقها متفاوتةً، ولو كان خلقُ إحدى رجلَيك أطولَ من الأُخرى لم تكمُلْ منفعتُكَ.
وعن رسولِ الله ﷺ :" أنَّهُ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ فَقَالَ :﴿ياأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ؟ فَقَالَ :" جَهْلُهُ يَا رَبّ " وقال قتادةُ :((غَرَّ الإنْسَانَ عَدُّوُّهُ الْمُسَلَّطُ عَلَيْهِ)). قيل للفُضَيلِ بن عِيَاضٍ : لَوْ أقَامَكَ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ :﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ مَا كُنْتَ تَقُولُ ؟ فَقَالَ :((أقُولُ : غُرَّنِي سُتُورُكَ الْمُرْخَاةُ)). وقال مقاتلُ :((غَرَّهُ عَفْوُ اللهِ حِينَ لَمْ يُعَجِّلْ عَلَيْهِ بالْعُقُوبَةِ)). وقال السديُّ :((غَرَّهُ رفْقُ اللهِ بهِ))، وقال يحيَى بنُ معاذٍ :((لَوْ أقَامَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ : مَا غَرَّكَ بي ؟ لَقُلْتُ : غَرَّنِي بكَ رفْقُكَ بي سَالِفًا وَآنفاً)).
قال أهلُ الإشارة : إنَّما قالَ ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ دون سائرِ صِفاته، كأنَّهُ لَقَّنَهُ الإجابةَ حتَّى يقولَ : غَرَّنِي كَرَمُ الْكَرِيمِ. وعن ابنِ مسعودٍ قال :((مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ سَيُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ :﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا عَمِلْتَ ؟ فِيمَا عَلِمْتَ ؟ مَاذا أجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ؟)). وقال أبو بكرٍ الورَّاق :((لَوْ قَالَ لِي :﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ؟ لَقُلْتُ : غَرَّنِي كَرَمُ الْكَرِيمِ)).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَعَدَلَكَ﴾ ؛ قرأ أهلُ الكوفة بتخفيفِ الدال ؛ أي صرَفَك إلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ من الْحُسنِ والقُبحِ والطولِ والقِصَرِ، وقرأ الباقون بالتشديدِ ؛ أي قوَّمَ خَلْقَكَ، معتدلُ الخلق معتدلُ القامةِ في أحسنِ صُورةٍ، كما في قولهِ تعالى﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾[التين: ٤]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِي أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ أي في شَبَهِ أبٍ أو أُمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى