تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال مجاهد : في أي شَبَه أب أو أم أو خال أو عم ؟
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا مُطَهَّر بن الهيثم، حدثنا موسى بنُ عُلَيِّ بن رَبَاح، حدثني أبي، عن جدي : أن النبي ﷺ قال له :" ما ولد لك ؟ " قال : يا رسول الله، ما عسى أن يُولَد لي ؟ إما غلام وإما جارية. قال :" فمن يشبه ؟ ". قال : يا رسول الله، من عسى أن يشبه ؟ إما أباه وإما أمه. فقال النبي ﷺ عندها :" مه. لا تقولَنَّ هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم ؟ أما قرأت هذه الآية في كتاب الله :﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ " قال : سَلَكك(١).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني، من حديث مُطهر بن الهيثم، به(٢) وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت ؛ لأن " مُطَهَّر بن الهيثم " قال فيه أبو سعيد بن يونس : كان متروك الحديث. وقال ابن حبان : يُرْوى عن موسى بن علي وغيره ما لا يُشبهُ حَديثَ الأثبات. ولكن في الصحيحين عن أبي هُرَيرة أن رَجُلا قال : يا رسول الله، إن امرأتي وَلَدت غُلامًا أسودَ ؟. قال :" هل لك من إبل ؟ ". قال : نعم. قال :" فما ألوانها ؟ " قال : حُمر. قال :" فهل فيها من أورَق ؟ " قال : نعم. قال :" فأنى أتاها ذلك ؟ " قال : عسى أن يكون نزعة عِرْق. قال :" وهذا عسى أن يكون نزعة عرق " (٣).
وقد قال عكرمة في قوله :﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وكذا قال أبو صالح : إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير.
وقال قتادة :﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال : قادر - والله - ربنا على ذلك. ومعنى هذا القول عند هؤلاء : أن الله، عز وجل، قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام، حَسَن المنظر والهيئة.
١ - (٣) في م: "شكلك"..
٢ - (٤) المعجم الكبير (٥/٧٤)..
٣ - (٥) صحيح البخاري برقم (٥٣٠٥) وصحيح مسلم برقم (١٥٠٠)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى