الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
قرئ «عاليهم » بالسكون، على أنه مبتدأ خبره ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس. وعاليهم بالنصب، على أنه حال من الضمير في ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أو في ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ أي يطوف عليهم ولدان عالياً للمطوف عليهم ثياب. أو حسبتهم لؤلؤاً عالياً لهم ثياب. ويجوز أن يراد : رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب. وعاليتهم : بالرفع والنصب على ذلك. وعليهم. وخضر وإستبرق : بالرفع، حملا على الثياب بالجرّ على السندس. وقرىء «وإستبرق » نصباً في موضع الجر على منع الصرف لأنه أعجمي، وهو غلط لأنه نكرة يدخله حرف التعريف ؛ تقول : الإستبرق، إلا أن يزعم ابن محيصن أنه قد يجعل علماً لهذا الضرب من الثياب. وقرىء «واستبرق »، بوصل الهمزة والفتح : على أنه مسمى باستفعل من البريق، وليس بصحيح أيضاً : لأنه معرب مشهور تعريبه، وأنّ أصله : استبره ﴿وحلوا﴾ عطف على ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾.
فإن قلت : ذكر ههنا أنّ أساورهم من فضة، وفي موضع آخر أنها من ذهب. قلت : هب أنه قيل وحلوا أساور من ذهب ومن فضة، وهذا صحيح لا إشكال فيه، على أنهم يسورون بالجنسين : إما على المعاقبة، وإما على الجمع، كما تزاوج نساء الدنيا بين أنواع الحلي وتجمع بينها، وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران : سوار من ذهب، وسوار من فضة ﴿شَرَاباً طَهُوراً﴾ ليس برجس كخمر الدنيا ؛ لأنّ كونها رجساً بالشرع لا بالعقل، وليست الدار دار تكليف. أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة، وتدوسه الأقدام الدنسة، ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها. أو لأنه لا يؤول إلى النجاسة لأنه يرشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى