محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢١ من سورة الإنسان في ٩٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٩ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢١ من سورة الإنسان

٩٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلّوَاْ أَسَاوِرَ مِن فِضّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾.


يقول تعالى ذكره : فوقهم، يعني فوق هؤلاء الأبرار ثياب سُنْدُسٍ. وكان بعض أهل التأويل يتأوّل قوله : عالِيَهُمْ فوق حِجَالهم المثبتة عليهم ثِيابُ سُنْدُسٍ وليس ذلك بالقول المدفوع، لأن ذلك إذا كان فوق حجالٍ هم فيها، فقد علاهم فهو عاليهم.
وقد اختلف أهل القراءة في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة وبعض قرّاء مكة :«عَالِيْهِمْ » بتسكين الياء. وكان عاصم وأبو عمرو وابن كثير يقرءونه بفتح الياء، فمن فتحها جعل قوله عالِيَهُمْ اسما مرافعا للثياب، مثل قول القائل : ظاهرهم ثياب سندس.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقوله : ثِيابُ سُنْدُسٍ يعني : ثياب ديباج رقيق حسن، والسندس : هو ما رقّ من الديباج.
وقوله : خُضْرٌ اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه أبو جعفر القارىء وأبو عمرو برفع خُضْرٌ على أنها نعت للثياب، وخفض «اسْتَبْرَقٍ » عطفا به على السندس، بمعنى : وثياب إستبرق. وقرأ ذلك عاصم وابن كثير :«خُضْرٍ » خفضا واسْتَبْرَقٌ رفعا، عطفا بالاستبرق على الثياب، بمعنى : عاليهم استبرق، وتصييرا للخضر نعتا للسندس. وقرأ نافع ذلك : خُضْرٌ رفعا على أنها نعت للثياب واسْتَبْرَقٌ رفعا عطفا به على الثياب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة :«خُضْرٍ واسْتَبْرَقٍ » خفضا كلاهما. وقرأ ذلك ابن محيصن بترك إجراء الاستبرق :«واسْتَبْرَقَ » بالفتح بمعنى : وثياب استبرق، وفَتَحَ ذلك لأنه وجّهه إلى أنه اسم أعجميّ. ولكلّ هذه القراءات التي ذكرناها وجه ومذهب، غير الذي سبق ذكرنا عن ابن محيصن، فإنها بعيدة من معروف كلام العرب، وذلك أن الاستبرق نكرة، والعرب تجري الأسماء النكرة وإن كانت أعجمية، والاستبرق : هو ما غَلُظ من الديباج. وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في ذلك فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته ها هنا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : الاستبرق : الديباج الغليظ.
وقوله : وَحُلّوا أساوِرَ مِنْ فِضّةٍ يقول : وحلاهم ربهم أساور، وهي جمع أسورة من فضة.
وقوله : وَسَقاهُمْ رَبّهُمْ شَرَابا طَهُورا يقول تعالى ذكره : وسقى هؤلاء الأبرار ربّهُم شرابا طهورا، ومن طهره أنه لا يصير بولاً نجسا، ولكنه يصير رشحا من أبدانهم كرشح المسك، كالذي :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم التيمي وَسَقاهُمْ رَبّهُمْ شَرَابا طَهُورا قال : عرق يفيض من أعراضهم مثل ريح المسك.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن منصور، عن إبراهيم التيمي، مثله.
قال : ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم التيمي، قال : إن الرجل من أهل الجنة يقسَمُ له شهوة مئة رجل من أهل الدنيا، وأكلهم وهمتهم، فإذا أكل سقي شرابا طهورا، فيصير رشحا يخرج من جلده أطيب ربحا من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : شَرَابا طَهُورا قال : ما ذكر الله من الأشربة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبان، عن أبي قِلابة : إن أهل الجنة إذا أكلوا وشربوا ما شاءوا دَعَوا بالشراب الطهور فيشربونه، فتطهر بذلك بطونهم ويكون ما أكلوا وشربوا رَشْحا وريحَ مسك، فتضمر لذلك بطونهم.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره «شكّ أبو جعفر الرازي » قال : صعد جبرائيل بالنبيّ ﷺ ليلة أُسريَ به إلى السماء السابعة، فاستفتَح، فقيل له : من هذا ؟ فقال : جبرائيل قيل : ومن معك ؟ قال : محمد، قالوا : أَوَ قَدْ أُرسل إليه ؟ قال : نعم، قالوا : حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيءُ جاء قال : فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس على كرسيّ عند باب الجنة، وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خَلَص من ألوانهم شيء ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خَلَصت ألوانهم، فصارت مثل ألوان أصحابهم، فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال : يا جبريل من هذا الأشمط، ومن هؤلاء البيض الوجوه، ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي اغتسلوا فيها، فجاءوا وقد صفت ألوانهم ؟ قال : هذا أبوك إبراهيم، أوّل من شَمِط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم. وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا فتابوا، فتاب الله عليهم. وأما الأنهار، فأوّلها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شرابا طهورا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
أي إذا رميت ببصرك هناك رأيت نعيما.
وقوله: (وَمُلْكًا كَبِيرًا) يقول: ورأيت مع النعيم الذي ترى لهم ثَمَّ مُلْكا كبيرا. وقيل: إن ذلك الملك الكبير: تسليم الملائكة عليهم، واستئذانهم عليهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: ثني من سمع مجاهدا يقول: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) قال: تسليم الملائكة.
قال: ثنا عبد الرحمن، قال: سمعت سفيان يقول في قوله: (مُلْكًا كَبِيرًا) قال: بلغنا أنه تسليم الملائكة.
حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا الأشجعيّ، في قوله: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) قال: فسَّرها سفيان قال: تستأذن الملائكة عليهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) قال استئذان الملائكة عليهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾.
يقول تعالى ذكره: فوقهم، يعني فوق هؤلاء الأبرار ثياب سُنْدُسٍ. وكان بعض أهل التأويل يتأوّل قوله: (عالِيَهُمْ) فوق حِجَالهم المثبتة عليهم (ثِيَابُ سُنْدُسٍ) وليس ذلك بالقول المدفوع، لأن ذلك إذا كان فوق حجالٍ هم فيها، فقد علاهم فهو عاليهم.
وقد اختلف أهل القراءة في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة وبعض قرّاء مكة (عَالِيهُمْ) بتسكين الياء. وكان عاصم وأبو عمرو وابن كثير يقرءونه بفتح الياء، فمن فتحها جعل قوله (عالِيَهُمْ) اسما مرافعا للثياب، مثل قول القائل: ظاهرهم ثياب سندس.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: (ثِيَابُ سُنْدُسٍ) يعني: ثياب ديباج رقيق حسن، والسندس: هو ما رقّ من الديباج.
وقوله: (خُضرٌ) اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه أبو جعفر القارئ وأبو عمرو برفع: (خُضْرٌ) على أنها نعت للثياب، وخفض (إستَبْرَقٍ) عطفا به على السندس، بمعنى: وثياب إستبرق. وقرأ ذلك عاصم وابن كثير (خُضْرٍ) خفضا (وإسْتَبْرَقٌ) رفعا، عطفا بالإستبرق على الثياب، بمعنى: عاليهم إستبرق، وتصييرا للخضر نعتا للسندس. وقرأ نافع ذلك: (خُضْرٌ) رفعا على أنها نعت للثياب (وإسْتَبْرَقٌ) رفعا عطفا به على الثياب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: (خُضْرٍ وإسْتَبْرَقٍ) خفضا كلاهما. وقرأ ذلك ابن محيصن بترك إجراء الإستبرق: (وإسْتَبْرَقَ) بالفتح بمعنى: وثياب إستبرق، وفَتَحَ ذلك أنه وجَّهه إلى أنه اسم أعجميّ. ولكلّ هذه القراءات التي ذكرناها وجه ومذهب غير الذي سبق ذكرنا عن ابن محيصن، فإنها بعيدة من معروف كلام العرب، وذلك أن الإستبرق نكرة، والعرب تجري الأسماء النكرة وإن كانت أعجمية، والإستبرق: هو ما غَلُظ من الديباج. وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في ذلك فيما مضى قبل فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: الإستبرق: الديباج الغليظ.
وقوله: (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) يقول: وحلاهم ربهم أساور، وهي جمع أسورة من فضة.
وقوله: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) يقول تعالى ذكره: وسقى هؤلاء الأبرار ربُّهُم شرابا طهورا، ومن طهره أنه لا يصير بولا نجسا، ولكنه يصير رشحا من أبدانهم كرشح المسك.
كالذي حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم التيمي (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) قال: عرق يفيض من أعراضهم مثل ريح المسك.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن منصور، عن إبراهيم التيمي، مثله.
قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم التيمي، قال: إن الرجل من أهل الجنة يقسَمُ له شهوة مئة رجل من أهل الدنيا، وأكلهم وهمتهم، فإذا أكل سقي شرابا طهورا، فيصير رشحا يخرج من جلده أطيب ريحًا من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ أي : لباس أهل الجنة فيها الحرير، ومنه سندس، وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان، وهو مما يلي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس(١) ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال :﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]
ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال(٢) بعده :﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي : طهر بواطنهم من الحَسَد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرّديَّة، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال : إذا انتهى أهلُ الجنة إلى باب الجنة وَجَدوا هنالك عينين فكأنما ألهموا ذلك فشربوا من إحداهما [ فأذهب الله ](٣) ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فَجَرت عليهم نضرةُ النعيم.
١ - (٣) في أ: "في الملبس"..
٢ - (٤) في أ: "فقال"..
٣ - (٥) مكانها في هـ، كلمة غير واضحة، والمثبت من م، أ..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ أي : قد جللتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران، اللذان هما أجل أنواع الحرير، فالسندس : ما غلظ من الديباج(١)  والإستبرق : ما رق منه. ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي : حلوا في أيديهم أساور الفضة، ذكورهم وإناثهم، وهذا وعد وعدهم الله، وكان وعده مفعولا، لأنه لا أصدق منه قيلا ولا حديثا.
وقوله :﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي : لا كدر فيه بوجه من الوجوه، مطهرا لما في بطونهم من كل أذى وقذى.
١ - في ب: ما غلظ الحرير..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٤ - ٢٢} ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا وَسَعِيرًا * إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾.
إلى آخر الثواب أي: إنا هيأنا وأرصدنا لمن كفر بالله، وكذب رسله، وتجرأ على المعاصي ﴿سَلاسِلَ﴾ في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.
﴿وَأَغْلالا﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ويوثقون بها.
﴿وَسَعِيرًا﴾ أي: نارا تستعر بها أجسامهم وتحرق بها أبدانهم، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ وهذا العذاب دائم لهم أبدا، مخلدون فيه سرمدا.
وأما ﴿الأبْرَارِ﴾ وهم الذين برت قلوبهم بما فيها من محبة الله ومعرفته، والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم (١)، واستعملوها بأعمال البر أخبر أنهم ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ أي: شراب لذيذ من خمر قد مزج بكافور أي: خلط به ليبرده ويكسر حدته، وهذا الكافور [في غاية اللذة] قد سلم من كل مكدر ومنغص، موجود في كافور الدنيا، فإن الآفة الموجودة في الأسماء التي ذكر الله أنها في الجنة وهي في الدنيا تعدم في الآخرة (٢).
كما قال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾.
(١) في ب: أعمالهم.
(٢) في ب: الموجودة في الدنيا تنعدم من الأسماء التي ذكرها الله في الجنة.

﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي: ذلك الكأس اللذيذ الذي يشربون به، لا يخافون نفاده، بل له مادة لا تنقطع، وهي عين دائمة الفيضان والجريان، يفجرها عباد الله تفجيرا، أنى شاءوا، وكيف أرادوا، فإن شاءوا صرفوها إلى البساتين الزاهرات، أو إلى الرياض الناضرات، أو بين جوانب القصور والمساكن المزخرفات، أو إلى أي: جهة يرونها من الجهات المونقات.
وقد ذكر (١) جملة من أعمالهم في أول هذه السورة، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ أي: بما ألزموا به أنفسهم لله من النذور والمعاهدات، وإذا كانوا يوفون بالنذر، وهو لم يجب (٢) عليهم، إلا بإيجابهم على أنفسهم، كان فعلهم وقيامهم بالفروض الأصلية، من باب أولى وأحرى، ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ أي: منتشرا فاشيا، فخافوا أن ينالهم شره، فتركوا كل سبب موجب لذلك، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: وهم في حال يحبون فيها المال والطعام، لكنهم قدموا محبة الله على محبة نفوسهم، ويتحرون في إطعامهم أولى الناس وأحوجهم ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.
ويقصدون بإنفاقهم وإطعامهم وجه الله تعالى، ويقولون بلسان الحال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ أي: لا جزاء ماليا ولا ثناء قوليا.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا﴾ أي: شديد الجهمة والشر ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ أي: ضنكا ضيقا، ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ فلا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة [هذا يومكم الذي كنتم توعدون].
﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ أي: أكرمهم وأعطاهم ﴿نَضْرَةً﴾ في وجوههم ﴿وَسُرُورًا﴾ في قلوبهم، فجمع لهم بين نعيم الظاهر والباطن ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعة الله، فعملوا ما أمكنهم منها، وعن معاصي الله، فتركوها، وعلى أقدار الله المؤلمة، فلم يتسخطوها، ﴿جَنَّةً﴾ جامعة لكل نعيم، سالمة من كل مكدر ومنغص، ﴿وَحَرِيرًا﴾ كما قال [تعالى:] ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ولعل الله إنما خص الحرير، لأنه لباسهم الظاهر، الدال على حال صاحبه.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ﴾ الاتكاء: التمكن من الجلوس، في حال الرفاهية والطمأنينة [الراحة]، والأرائك هي السرر التي عليها اللباس المزين، ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿شَمْسًا﴾ يضرهم حرها ﴿وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ أي: بردا شديدا، بل جميع أوقاتهم في ظل ظليل، لا حر ولا برد، بحيث تلتذ به الأجساد، ولا تتألم من حر ولا برد.
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ أي: قربت ثمراتها من مريدها تقريبا ينالها، وهو قائم، أو قاعد، أو مضطجع.
ويطاف على أهل الجنة أي: يدور [عليهم] الخدم والولدان (٣) ﴿بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾ ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: مادتها من فضة، -[٩٠٢]-[وهي] على صفاء القوارير، وهذا من أعجب الأشياء، أن تكون الفضة الكثيفة من صفاء جوهرها وطيب معدنها على صفاء القوارير.
﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ أي: قدروا الأواني المذكورة على قدر ريهم، لا تزيد ولا تنقص، لأنها لو زادت نقصت لذتها، ولو نقصت لم تف بريهم (٤). ويحتمل أن المراد: قدرها أهل الجنة بنفوسهم بمقدار يوافق لذاتهم، فأتتهم على ما قدروا في خواطرهم.
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة من كأس، وهو الإناء المملوء من خمر ورحيق، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ أي: خلطها ﴿زَنْجَبِيلا﴾ ليطيب طعمه وريحه.
﴿عَيْنًا فِيهَا﴾ أي: في الجنة، ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلا﴾ سميت بذلك لسلاستها ولذتها وحسنها.
﴿وَيَطُوفُ﴾ على أهل الجنة، في طعامهم وشرابهم وخدمتهم.
﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي: خلقوا من الجنة للبقاء، لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم في غاية الحسن، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ منتشرين في خدمتهم ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ من حسنهم ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ وهذا من تمام لذة أهل الجنة، أن يكون خدامهم الولدان المخلدون، الذين تسر رؤيتهم، ويدخلون على مساكنهم، آمنين من تبعتهم، ويأتونهم بما يدعون وتطلبه نفوسهم، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ أي: هناك في الجنة، ورمقت ما هم فيه من النعيم (٥) ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فتجد الواحد منهم، عنده من القصور والمساكن والغرف المزينة المزخرفة، ما لا يدركه الوصف، ولديه من البساتين الزاهرة، والثمار الدانية، والفواكه اللذيذة، والأنهار الجارية، والرياض المعجبة، والطيور المطربة [المشجية] ما يأخذ بالقلوب، ويفرح النفوس.
وعنده من الزوجات. اللاتي هن في غاية الحسن والإحسان، الجامعات لجمال الظاهر والباطن، الخيرات الحسان، ما يملأ القلب سرورا، ولذة وحبورا، وحوله من الولدان المخلدين، والخدم المؤبدين، ما به تحصل الراحة والطمأنينة، وتتم لذة العيش، وتكمل الغبطة.
ثم علاوة ذلك وأعظمه الفوز برؤية (٦) الرب الرحيم، وسماع خطابه، ولذة قربه، والابتهاج برضاه، والخلود الدائم، وتزايد ما هم فيه من النعيم كل وقت وحين، فسبحان الملك المالك، الحق المبين، الذي لا تنفد خزائنه، ولا يقل خيره، فكما لا نهاية لأوصافه فلا نهاية لبره وإحسانه.
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ أي: قد جللتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران، اللذان هما أجل أنواع الحرير، فالسندس: ما غلظ من الديباج (٧) والإستبرق: ما رق منه. ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: حلوا في أيديهم أساور الفضة، ذكورهم وإناثهم، وهذا وعد وعدهم الله، وكان وعده مفعولا لأنه لا أصدق منه قيلا ولا حديثا.
وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: لا كدر فيه بوجه من الوجوه، مطهرا لما في بطونهم من كل أذى وقذى.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ الجزاء الجزيل والعطاء الجميل ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ على ما أسلفتموه من الأعمال، ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي: القليل منه، يجعل الله لكم به من النعيم المقيم ما لا يمكن حصره.
وقوله تعالى لما ذكر نعيم الجنة ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزيلا﴾ فيه الوعد والوعيد وبيان كل ما يحتاجه العباد، وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتم القيام، والسعي في تنفيذها، والصبر على ذلك. ولهذا قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: اصبر لحكمه القدري، فلا تسخطه، ولحكمه الديني، فامض عليه، ولا يعوقك عنه عائق. ﴿وَلا تُطِعْ﴾ من المعاندين، الذين يريدون أن يصدوك ﴿آثِمًا﴾ أي: فاعلا إثما ومعصية ولا ﴿كَفُورًا﴾ فإن طاعة الكفار والفجار والفساق، لا بد أن تكون في المعاصي، فلا يأمرون (٨) إلا بما تهواه أنفسهم. ولما كان الصبر يساعده القيام بعبادة الله (٩)، والإكثار من ذكره أمره الله بذلك فقال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ أي: أول النهار وآخره، فدخل في ذلك، الصلوات -[٩٠٣]- المكتوبات وما يتبعها من النوافل، والذكر، والتسبيح، والتهليل، والتكبير في هذه الأوقات.
(١) في ب: ثم ذكر.
(٢) في ب: الذي هو غير واجب.
(٣) في ب: "ويطاف عليهم" أي: يدور الولدان والخدم على أهل الجنة.
(٤) في ب: لم تكفهم لريهم.
(٥) في ب: أي رمقت ما أهل الجنة عليه من النعيم الكامل.
(٦) في ب: برضا.
(٧) في ب: ما غلظ الحرير.
(٨) في ب: لا بد أن تكون معصية لله لأنهم لا يأمرون.
(٩) في ب: يستمد من القيام بطاعة الله.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ أي: أكثر [له] من السجود، ولا يكون ذلك إلا بالإكثار من الصلاة (١). ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ وقد تقدم تقييد هذا المطلق بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ الآية (٢) [وقوله] ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ أي: المكذبين لك أيها الرسول بعد ما بينت لهم الآيات، ورغبوا ورهبوا، ومع ذلك، لم يفد فيهم ذلك شيئا، بل لا يزالون يؤثرون، ﴿الْعَاجِلَةَ﴾ ويطمئنون إليها، ﴿وَيَذَرُونَ﴾ أي: يتركون العمل ويهملون ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ أي: أمامهم ﴿يَوْمًا ثَقِيلا﴾ وهو يوم القيامة، الذي مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون، وقال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا والإقامة فيها.
(١) في ب: وذلك متضمن لكثرة الصلاة.
(٢) "في ب: أكمل الآيات (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ).
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
عَالِيَهُمْ
يَعْلُوهُمْ.
ثِيَابُ سُندُسٍ
الحَرِيرُ الرَّقِيقُ الأَخْضَرُ؛ وَهَذَا بَاطِنُ الثِّيَابِ.
وَإِسْتَبْرَقٌ
الحَرِيرُ الغَلِيظُ؛ وَهَذَا ظَاهِرُ الثُيَابِ.
طَهُورًا
لَا رِجْسَ فِيهِ، وَلَا دَنَسَ.

إعراب الآية ٢١ من سورة الإنسان

من كتاب: إعراب القرآن

للفراء قال: التقدير: وإذا رأيت ما ثمّ وحذف «ما». قال أبو جعفر: «وثمّ» عند جميع النحويين مبنيّ غير معرب لتنقّله وحذف «ما» خطأ عند البصريين لأنه يحذف الموصول ويبقى الصلة فكأنه جاء ببعض الاسم رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً جواب «إذا»، ويبيّن لك معنى هذا كما حدّثنا أحمد بن علي بن سهل قال: حدّثنا زهير يعني ابن حرب ثنا محمد بن حازم ثنا عبد الملك بن أبجر عن ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
«إن أدنى أهل الجنّة منزلة لينظر في ملكه ألفي عام ينظر أزواجه وسرره وخدمه وإنّ أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله جلّ وعزّ في كل يوم مرتين» «١».

[سورة الإنسان (٧٦) : آية ٢١]

عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١)
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ مبتدأ وخبره، والأصل عاليهم حذفت الضمة لثقلها. وهذه قراءة بيّنة، وهي قراءة أبي جعفر ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة، وقرأ أبو عبد الرّحمن والحسن وأبو عمرو والكسائي وابن كثير وعاصم عالِيَهُمْ بالنصب على أنه ظرف، ومثّله الفراء «٢» بقوله: زيد داخل الدار. قال أبو جعفر: أما عاليهم فبيّن أنه منصوب على الظرف، وفي معناه قولان: أحدهما أن الخضرة تعلو ثياب أهل الجنة، والقول الآخر أن هذه النبات الخضر فوق حجالهم لا عليهم وأما زيد داخل الدار فلا يجوز عند جماعة من النحويين كما لا يقال: زيد الدار، ولكن لو قلت: زيد خارج الدار جاز، وروى عبد الوارث عن حميد عن مجاهد أنه قرأ «عليهم ثياب سندس» قال أبو جعفر: وهذا لا يحتاج إلى تفسير، وفي قراءة ابن مسعود «عاليتهم ثياب سندس» «٣» على تأنيث الجماعة، وقرأ الحسن ونافع «ثياب سندس خضر وإستبرق» «٤» وقرأ الأعمش وحمزة «ثياب سندس خضر وإستبرق» بخفضهما، وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر «ثياب سندس خضر وإستبرق» برفع «خضر» وخفض «إستبرق»، وقرأ ابن كثير وعاصم «ثياب سندس خضر وإستبرق» قرأ ابن محيصن «وإستبرق» بوصل الألف وبغير تنوين. قال أبو جعفر: القراءة الأولى حسنة متّصل الرفع بعضه ببعض فخضر نعت للثياب وإستبرق معطوف عليها:
وانصرف لأنه نكرة وقطعت الألف لأنه اسم ولو سمّيت رجلا باستكبر لقلت:
جاءني استكبر. هذا قول الخليل وسيبويه والقراءة الثانية على أن من قرأ بها نعت سندسا بخضر. وفي ذلك بعد لأنه إنّما يقال: هذا سندس أخضر كما يقال. هذا حرير أخضر إلا أن ذلك جائز لأنه جنس والجنس يؤدّي عن الجميع كقولك:
(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٩. [.....]
(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٩.
(٣) انظر تيسير الداني ١٧٧، والبحر المحيط ٨/ ٣٩١.
(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٢١ من سورة الإنسان

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّواْ

(سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٍ وَحُلُّوا) اخفاء التنوين قبل الخاء وبرفع الراء وكسر القاف وادغام تنوينهما في الواو بغنة

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا) اظهار التنوين قبل الخاء وبرفع الراء والقاف وادغام تنوينهما في الواو بغنة

ورش عن نافع حفص عن عاصم قالون عن نافع

(سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٍ وَحُلُّوا) اظهار التنوين قبل الخاء وبرفع الراء وكسر القاف وادغام تنوينهما في الواو بغنة

السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب روح عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو

(سُندُسٍ خُضْرٍ وَإِسْتَبْرَقٍ وَحُلُّوا) اظهار التنوين قبل الخاء وبكسر الراء والقاف وادغام تنوينهما في الواو بلا غنة

خلف عن حمزة

(سُندُسٍ خُضْرٍ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا) اظهار التنوين قبل الخاء وبكسر الراء ورفع القاف وادغام تنوينهما في الواو بغنة

قنبل عن ابن كثير شعبة عن عاصم البزي عن ابن كثير

(سُندُسٍ خُضْرٍ وَإِسْتَبْرَقٍ وَحُلُّوا) اظهار التنوين قبل الخاء وكسر الراء والقاف وادغام تنوينهما في الواو بغنة

أبو الحارث عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف خلاد عن حمزة الدوري عن الكسائي

عَالِيَهُمْ

(عَالِيهِمْ) بإسكان الياء وكسر الهاء واسكان الميم

قالون عن نافع خلاد عن حمزة خلف عن حمزة ورش عن نافع

(عَالِيهِمُ) بإسكان الياء وكسر الهاء وصلة الميم

ابن جمّاز عن أبي جعفر قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر

(عَالِيَهُمْ) بفتح الياء وضم الهاء واسكان الميم

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

(عَالِيَهُمُ) بفتح الياء وضم الهاء وصلة الميم

قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٩ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٩ أقوال
١
عن إبراهيم التيميّ -من طريق مُغيرة- قال: بلَغني: أنه يُقسَم للرجل من أهل الجنة شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، وأكْلُهم، ونَهْمَتهم، فإذا أكل سُقي شرابًا طهورًا، يَخرج من جِلده رشحًا كرشْح المِسك، ثم تعود شهوته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏١٢٤، وابن جرير ٢٣‏/‏٥٦٩-٥٧٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾ وذلك أنّ على باب الجنة شجرة يَنبع من ساقها عينان، فإذا جاز الرجل الصراط إلى العين يَدخل في عين منها، فيَغتسل فيها، فيَخرج وريحه أطيب من المِسك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٥٣٢.
٣
عن أبي الجَوْزاء أنه كان يقرأ: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾، قال: عَلَت الخُضرة، أكثر ثيابها الخُضرة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: الإستبرق: الدِّيباج الغليظ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٥٦٩.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وحلوا أساور من فضة﴾، وقال في آية أخرى: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا﴾ [الحج:٢٣، فاطر:٣٣]، فهي ثلاث أسورة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٥٣١.
٦
عن أبي هريرة أو غيره -شكّ أبو جعفر الرازي- قال: صَعد جبرائيل بالنبي ﷺ ليلة أُسري به إلى السماء السابعة، فاستَفتح، فقيل له: مَن هذا؟ فقال: جبرائيل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قالوا: أوَقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حيّاه الله مِن أخٍ وخليفة، فنِعم الأخ ونِعم الخليفة، ونعم المجيء جاء. قال: فدَخل، فإذا هو برجلٍ أشْمط جالس على كرسي عند باب الجنة، وعنده قوم جلوس بِيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام الذين في ألوانهم شيء، فدَخلوا نهرًا، فاغتَسلوا فيه، فخَرجوا وقد خَلَص من ألوانهم شيء، ثم دَخلوا نهرًا آخر، فاغتَسلوا فيه، فخَرجوا وقد خَلصَتْ ألوانهم، فصارت مثل ألوان أصحابهم، فجاؤوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: «يا جبريل، مَن هذا الأشمط، ومَن هؤلاء البيض الوجوه، ومَن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي اغتَسلوا فيها فجاؤوا وقد صَفتْ ألوانهم؟». قال: هذا أبوك إبراهيم، أول مَن شَمِط على الأرض، وأمّا هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يَلبِسوا إيمانهم بظُلم، وأمّا هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خَلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فتابوا، فتاب الله عليهم، وأمّا الأنهار فأولها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شرابًا طهورًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٥٧٠-٥٧١.
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿شَرابًا طَهُورًا﴾، قال: ما ذَكر الله من الأشربة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٥٧٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٨
عن أبي قِلابة عبد الله بن زيد الجرمي -من طريق أبان- ﴿وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾، قال: إنّ أهل الجنة إذا أكلوا أو شربوا ما شاء الله من الطعام والشراب دَعَوا بالشراب الطّهور، فيَشربون، فيطهّرهم، فيكون ما أكلوا وشَربوا جُشاء بريح مِسك، يَفيض من جلودهم، وتضْمُر لذلك بطونهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٣٨، وابن جرير ٢٣‏/‏٥٧٠ بنحوه، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة -موسوعة ابن أبي الدنيا ٦‏/‏٣٤٧ (١٣٠)-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٩
عن إبراهيم التيميّ -من طريق منصور- في هذه الآية: ﴿وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾، قال: عرقٌ يَفيض من أعراضهم مِثل ريح المِسك١
التخريج
  1. ١أخرجه هناد (٦١)، وابن جرير ٢٣‏/‏٥٦٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
التفسير بالمأثور لسورة الإنسان كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢١ من سورة الإنسان

١٣ وقفةً في هذه الآية

  • "عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ" لم و لن يكون العريّ نعمة أبداً.

    — عبدالله الشهري

  • فرق بين: "عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة" وبين "قطعت لهم ثياب من نار" (البس/ البسِ) ما يرضيه (ليُلبسك/ليُلبسكِ) ما يرضيك.

    — بدون مصدر

  • لما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي، قال بعده: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) أي: طهَّر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، فحلَّى الظاهر والباطن.

    — ابن كثير

  • فرق بين : " عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة " وبين : " قطعت لهم ثياب من نار " ( البس / البسِ ) ما يرضيه ؛ ( ليُلبسك / ليُلبسكِ ) ما يرضيك .

    — ابو حمزة الكناني

  • تأملات فى تفسير ابن كثير (وفتحت أبوابها)

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • سورة الإنسان (21) الظاهر والباطن

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • طرق تدبر القرآن الربط بين الجمل سورة الإنسان آية 21

    — خالد السبت

  • قال ربنا تعالى في سقيا الآخرة:(وسقاهم ربهم شرابا طهورا)بلا همز في أوله وفي الدنيا(لأسقيناكم ماء غدقا) وقال(وأسقيناكم ماء فراتا)بالهمز في أوله؟ قال الزركشي في البرهان ٣/٢٨٥: السقيا في الآخرة لا يقع فيها كلفة وفي الدنيا لا تخلوا من كلفةا.ه مختصرا وزيادة المبنى تدل على زيادة في المعنى

    — وليد الحمدان

  • مسألة: قوله تعالى: (يحلون فيها من أساور من ذهب) وكذلك في الزخرف. وقال تعالى في "هل أتى": (وحلوا أساور من فضة) ؟ . جوابه: من وجوه: أحدها: أن الضمير للولدان في " الإنسان " وفى " الكهف " والزخرف " للعباد. الثاني أنهم يحلون بهما فجمع لأهل الجنة التحلي بالذهب والفضة. الثالث: أن الأمزجة مختلفة في ذلك في الدنيا، فمنهم من يؤثر الذهب ومنهم من يؤثر الفضة، فعوملوا في الجنة بمقتضى ميلهم في الدنيا

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • الفرق بين ( الثياب واللباس) في تعبير القرآن

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)) يقول المفسرون أن عاليهم تعني فوقهم لكنها في الحقيقة لا تعني فوقهم لأن الفوقية لا تقتضي الملامسة فقد يكون الشيء ملامساً وقد لا يكون إذا كان فوقهم كما في قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) الملك) وكذلك قوله (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154 النساء)) وقوله تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) ق) فوقهم هنا تُعرف بالظرف المُبهم الذي ليس له حدود مثل كلمة يمين لا حدود لها كل ما على يميني يمين. وعليه فإن كلمة عاليهم تفيد الملامسة وتعني يلبسونها. وقوله تعالى (وحُلّوا فيها أساور من فضة) هي مقابل ما ذكره للكافرين (سلاسل وأغلالاً وسعيرا) وهنا نسأل لماذا ذكر تعالى أساور من فضة هنا في سورة الإنسان بينما ذكر في مواضع أخرى في القرآن أساور من ذهب (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) الكهف) ومرة أساور من ذهب ولؤلؤ (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) فاطر) قسم من المفسرين قال أنها تدل على المعاقبة أو الجمع أي مرة يلبسون ذهب ومرة فضة ومرة يجمعون بينها. فلماذا جاءت ذكر أساور فضة في سورة الإنسان بينما جاءت من ذهب ولؤلؤا في سورة فاطر؟ يجب أن يكون هناك سبب لاختيار كل منها في السورة المناسبة وإذا نظرنا في سياق الآيات في سورة فاطر من قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)) ففي سورة فاطر قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)) وفي سورة الإنسان قال (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً {7} وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً {8}) والأكيد أن الإنفاق سراً وعلانية هو أعم وأشمل من إطعام الطعام على حبه المسكين واليتيم والأسير. ثم إن يتلون الكتاب ويقيمون الصلاة هي أرفع وأعلى من الوفاء بالنذر لأن النذر أصلاً مكروه شرعاً وفي الحديث: "النذر صدقة البخيل" فالأمو التي ورد ذكرها في فاطر هي أعم وأرفع وأعلى مما ورد في سورة الإنسان فتلاوة القرآن أوسع من إقامة الصلاة ولهذا قدّم التلاوة على الصلاة والإنفاق لأن الصلاة لا تصح إلا بتلاوة القرآن والتلاوة تكون في الصلاة وفي غير الصلاة. ثم إن التلاوة والصلاة جاءت بصيغة المضارع بينما جاء الإنفاق بصيغة الماضي لتكرر التلاوة والصلاة أكثر من الإنفاق. فالوصف في سورة فاطر أعلى مما جاء في سورة الإنسان هذا أمر والأمر الآخر أنه تعالى في سورة فاطر ذكر (يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) بينما قال في سورة الإنسان (إن هذا كان لكم جزاء) ففي سورة فاطر توفية وزيادة وهما أعلى من الجزاء لذا ذكر اللؤلؤ وهو الزيادة ، وكذلك في فاطر قال تعالى (إنه غفور شكور) وفي الإنسان (وكان سعيكم مشكورا) فزاد المغفرة على الشكر في سورة فاطر. ثم ذكر في سورة فاطر (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا) بإسناد الفعلين إلى نفسه تعالى وهذا في مقام التكريم ثم ذكر الاصطفاء بالذات وهو من باب التكريم أيضاً. اصطفاهم هذا تكريم والتكريم الآخر هو الإسناد في قوله (أورثناهم). قسّم تعالى المصطفين إلى قسمين (مقتصد) و(سابق بالخيرات) ذكر السابقين وهم أعلى المكلفين فلا يناسب معهم أن يذكر الأساور من فضة لأنها قد تدل على أن الفضة للسابقين مه أنه يجب أن يتميزوا لأنهم أعلة المكلّفين ولهذا جاء بأساور من ذهب لؤلؤا ليتناسب مع المذكورين. قوله تعالى في فاطر (ويزيدهم من فضله) (وذلك هو الفضل الكبير) يناسب الزيادة أيضاً لأن هذا الفضل يقتضي الزيادة ذكر المغفرة والشكر مرتين (إنه غفور شكور) و(إن ربنا لغفور شكور). من الناحية البلاغية، لمّا ذكر تعالى (يتلون كتاب الله) قال (إنه غفور شكور) بجون اللام ولمّا ذكر الظالم لنفسه والمقتصد ذكر أنهم يخلون الجنّات ذكر اللام في قوله (إن ربنا لغفور شكور) لأنه هؤلاء محتاجون للمغفرة أكثر ولولا المغفرة لما دخلوا الجنة وهؤلاء أحوج إلى المغفرة من الأولين لذا أكد باللام (إن ربنا لغفور شكور) فالتأكيد جاء بحسب الحاجة إلى المغفرة. قال تعالى في سورة الإنسان (حُلّوا أساور من فضة) وفي فاطر (يحلون فيها من أساور من ذهب) فيها تكريم لأن (من) تفترض الكثرة لأنهم أعلى من المذكورين في سورة الإنسان لأنه عندما نقول لأحد مثلاً البس هذه الثياب أو البس من هذه الثياب بالتأكيد الثانية أوسع لأن له أن يختار من بين الثياب ما يشاء. ثم قال تعالى (حُلوا) بصيغة الماضي وفي سورة فاطر (يحلّون) بصيغة المضارع وفي الآيتين الفعل مبني للمجهول لكن في سورة الإنسان الإخبار بما هو حاصل أما في سورة فاطر فالإخبار بشيء لم يحدث بعد وفيه إخبارهم أنهم سيدخلون الجنة (يدخلون الجنة) لذا جاءت يُحلّون. يبقى السؤال لماذا قال في سورة الإنسان (يُطاف عليهم ويُسقون ويطوف عليهم) بصيغة المضارع مع أنه قال (جزاهم وحّلوا) بصيغة الماضي وهذا للدلالة على تجدد الطواف والاستمرار فيه فهو لا ينقطع ولا يناسب أن يقول تعالى (طيف عليهم) لذا جاء بصيغة المضارع في الطواف والسقيا. وكذلك يلبسون ويحلون لأن التحلية هي من الحلي والتزيّن. (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) طهور هي صيغة مبالغة على وزن فعول بمعنى الطاهر والمطهِّر والمبالغة فيهما والعرب استعملت كلمة طهور للشيئين وطهور مشتقة بالأصل من الفعل الثلاثي طهُر. الطاهر ليس بالضرورة مطهِّر فكثير من السوائل طاهرة لكنها ليست بالضرورة مطهِّرة. واستعمال طهور هنا مناسب لسياق الآيات وتشتمل المعاني كلها الطاهر والمطهر والمبالغة فيهما. والصيغ لها فروق بيانية فيما بينها مثل غفّار وغفور كلتاهما صيغة مبالغة وكذلك همّاز وهُمزة كلتاهما صيغة مبالغة لكنها ليست متساوية في الدلالة. والعرب كانت تتحدث هذه اللغة فاللسان عربي أصلاً لكن الناس يختلفون فيه فيكون بعضهم أبلغ من بعض ويختلفون في اختيار الكلمات والسياق والبلاغة وتنتهي قمة الإعجاز في القرآن الكريم. فلماذا استخدم كلمة (طهور) في الآية؟ ذكر تعالى في الآيات السابقة من السورة (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)) و (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17)) و(وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) ذكر لنا تعالى ثلاثة أنواع من الشراب كل منها أعلى من الذي سبقها أولاً ذكر أنهم يشربون من كأس (كافورا) ثم في الثانية ذكر أنهم يُسقون كأساً (زنجبيلا) هنا الفعل مبني للمجهول وذكر الساقي (ولدان مخلدون) والآنية التي يُسقون فيها (آنية من فضة) ثم الثالثة ذكر تعاله أنه سقاهم ربهم وهذه أعلى الدرجات لم يثل يُسقون ولا يشربون وإنما سقاهم ربهم فهذا الشراب هو أفضل من السابقين لأنه أسنده تعالى إلى الربّ سبحانه وتعالى وهذه الآيات دلّت على أن الشراب أنواع مختلفة. شراباً طهورا كلمة موجزة تحوي معاني كثيرة بينما وصف في الآيات السابقة ما يشربون فيه من آنية وصفاً دقيقاً ولم يذكر في هذا الوصف إلا (شراباً طهورا) وهذا يدل على أن الشيء عندما يكون فوق الوصف لا يذكر شيئاً ولا تستطيع اللغة ولا الوصف أن يعبروا عن هذا الأمر العظيم، كما ورد في سورة الرحمن (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54)) وصف البطائن ولم يصف الظاهر ونقول إذا كانت البطائن من استبرق فكيف يكون الظاهر؟ لا يُتصور الظاهر ولهذا لم يُذكر لأنه ما من لغة أو وصف يمكن أن يعبر عما يوجد هناك من نعيم وسعادة مصداقاً لقوله تعالى (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة). وكذلك عندما يصف لنا تعالى شجرة الزقوم (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) الصافات) لم يراها أحد ولم ترد على ذهن الإنسان وكما أن في الجنة أمور لا يعلمها أحد كذلك في النار. * في سورة الإنسان الآية 21 (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) هنا كلمة استبرق هل هي صفة للثياب؟ ولماذا أتت مرفوعة ولم تأت واستبرقٍ؟ الاستبرق غير السندس، السندس قماش والاستبرق قماش آخر. هما نوعان، عاليهم ثياب سندس خضر هذا واحد، وأيضاً هنالك استبرق، العطف على الثياب، وليس من سندسٍ واستبرقٍ. ثياب سندس خضر صفة للثياب واستبرق. ما هو؟ هل هو بالضرورة ثياب أو غير شيء؟ ثياب خضر من سندس، هذه ثياب، واستبرق قد يكون للبطائن لأنه قال أحياناً (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (54) الرحمن) إذن أمرين السندس شيء والاستبرق شيء آخر. فذكر أمرين. السندس ثياب والاستبرق قد يكون ثياب وقد يكون شيئاً آخر، ولهذا جاءت مرفوعة لأنها ليست معطوفة على سندس وإنما على ثياب. * في القرآن الكريم يستخدم الفعل المضارع في وصف أفعال أهل الجنة (يحلون فيها، يلبسون، يشتهون) أما في أفعال أخرى في الآخرة يستخدم الفعل الماضي فهل من لمسة بيانية في هذا الخصوص؟(د.فاضل السامرائي) ليس دائماً لكن حسب الآية نفسها والسياق (إ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) الكهف) هذه تدل على المستقبل، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) لما كان الكلام على المستقبل جاء بالفعل المضارع (يحلّون) يتكلم عن أمر في المستقبل. لكن في مكان آخر يستعمل الماضي مثلاً في سورة الإنسان قال (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)) لأنه قال (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)) قال جزاهم، هذا حدث في الماضي لأن الفعل الماضي أحياناً يستعمل بمعنى المستقبل للدلالة على أن هذا بمنزلة الماضي ليس فيه شك. هي أحداث مستقبلة، العرب - والقرآن بالغ فيها كثيراً - يستعملوها بمعنى الماضي بمنزلة الماضي كأن الأمر قد وقع تحقق وثبوت (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ (68) الزمر) لم ينفخ بعد ولم يصعق (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) الحاقة) لم تحمل بعد، (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا (71) الزمر) هذا كله في المستقبل وعبّر عنه بالماضي لتحققه بمنزلة الماضي الذي وقع والذي ليس فيه شك أو بمنزلة أنه حدث (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)) (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)) جزاهم، تلك الكلام عن المستقبل وهنا الكلام كأنما هو عن الماضي، كل واحدة تناسب كل موقف وكل مشهد وكل حالة.

    — فاضل السامرائي

  • برنامج لمسات بيانية *فلماذا جاءت ذكر أساور من فضة في سورة الإنسان بينما جاءت من ذهب ولؤلؤا في سورة فاطر؟(د.فاضل السامرائي) إذا نظرنا في سياق الآيات في سورة فاطر من قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)). ففي سورة فاطر قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)) وفي سورة الإنسان قال (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً {7} وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً {8}) والأكيد أن الإنفاق سراً وعلانية هو أعم وأشمل من إطعام الطعام على حبه المسكين واليتيم والأسير. ثم إن الذين يتلون الكتاب ويقيمون الصلاة هي أرفع وأعلى من الوفاء بالنذر لأن النذر أصلاً مكروه شرعاً وفي الحديث: "النذر صدقة البخيل" فالأمو التي ورد ذكرها في فاطر هي أعم وأرفع وأعلى مما ورد في سورة الإنسان فتلاوة القرآن أوسع من إقامة الصلاة ولهذا قدّم التلاوة على الصلاة والإنفاق لأن الصلاة لا تصح إلا بتلاوة القرآن والتلاوة تكون في الصلاة وفي غير الصلاة. ثم إن التلاوة والصلاة جاءت بصيغة المضارع بينما جاء الإنفاق بصيغة الماضي لتكرر التلاوة والصلاة أكثر من الإنفاق. فالوصف في سورة فاطر أعلى مما جاء في سورة الإنسان هذا أمر والأمر الآخر أنه تعالى في سورة فاطر ذكر (يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) بينما قال في سورة الإنسان (إن هذا كان لكم جزاء) ففي سورة فاطر توفية وزيادة وهما أعلى من الجزاء لذا ذكر اللؤلؤ وهو الزيادة ، وكذلك في فاطر قال تعالى (إنه غفور شكور) وفي الإنسان (وكان سعيكم مشكورا) فزاد المغفرة على الشكر في سورة فاطر. ثم ذكر في سورة فاطر (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا) بإسناد الفعلين إلى نفسه تعالى وهذا في مقام التكريم ثم ذكر الاصطفاء بالذات وهو من باب التكريم أيضاً. اصطفاهم هذا تكريم والتكريم الآخر هو الإسناد في قوله (أورثنا). قسّم تعالى المصطفين إلى قسمين (مقتصد) و(سابق بالخيرات) ذكر السابقين وهم أعلى المكلفين فلا يناسب معهم أن يذكر الأساور من فضة لأنها قد تدل على أن الفضة للسابقين مه أنه يجب أن يتميزوا لأنهم أعلة المكلّفين ولهذا جاء بأساور من ذهب لؤلؤا ليتناسب مع المذكورين. قوله تعالى في فاطر (ويزيدهم من فضله) (وذلك هو الفضل الكبير) يناسب الزيادة أيضاً لأن هذا الفضل يقتضي الزيادة. ذكر المغفرة والشكر مرتين (إنه غفور شكور) و(إن ربنا لغفور شكور). من الناحية البلاغية، لمّا ذكر تعالى (يتلون كتاب الله) قال (إنه غفور شكور) بدون اللام ولمّا ذكر الظالم لنفسه والمقتصد ذكر أنهم يدخلون الجنّات ذكر اللام في قوله (إن ربنا لغفور شكور) لأنه هؤلاء محتاجون للمغفرة أكثر ولولا المغفرة لما دخلوا الجنة وهؤلاء أحوج إلى المغفرة من الأولين لذا أكد باللام (إن ربنا لغفور شكور) فالتأكيد جاء بحسب الحاجة إلى المغفرة. قال تعالى في سورة الإنسان (حُلّوا أساور من فضة) وفي فاطر (يحلون فيها من أساور من ذهب) فيها تكريم لأن (من) تفترض الكثرة لأنهم أعلى من المذكورين في سورة الإنسان لأنه عندما نقول لأحد مثلاً البس هذه الثياب أو البس من هذه الثياب بالتأكيد الثانية أوسع لأن له أن يختار من بين الثياب ما يشاء. ثم قال تعالى (حُلوا) بصيغة الماضي وفي سورة فاطر (يحلّون) بصيغة المضارع وفي الآيتين الفعل مبني للمجهول لكن في سورة الإنسان الإخبار بما هو حاصل أما في سورة فاطر فالإخبار بشيء لم يحدث بعد وفيه إخبارهم أنهم سيدخلون الجنة (يدخلون الجنة) لذا جاءت يُحلّون. فى سؤال آخر: *ما اللمسة البيانية في استخدام حروف الجر في القرآن (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ (33) فاطر) لماذا قال من أساور ولم يقل بأساور؟(د.فاضل السامرائى) الفعل حلّ يتعدى بنفسه إلى مفعولين في الأصل. حلّاها أي ألبسها حِلية، حلّيتًها أساور أي ألبستها أساور وقد يستعمل مع (من) كبقية الأفعال التي تتعدى كأن تقول أعطيته دفاتر أو أعطيته من الدفاتر (تبعيض) والقرآن استعملها هكذا مرة معدي بنفسها إلى مفعولين (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) المفعول الأول هو الواو التي هي نئاب فاعل وهي مفعول به وأساور مفعول ثاني. وقال يُحلّون من أساور من ذهب، هذه لها مفعول واحد كما تقول أعطيته من الكتب وأعطيته كتباً أحياناً يتعدى إلى مفعول واحد وأحياناً نستعمله لازم وأحياناً متعدي بمفعولين. لكن هو السؤال لماذا أحياناً يستعمل (من) وأحياناً لا يستعملها؟ أما الباء فهي ليست في الأصل لأن الفعل يتعدى بنفسه وليس بالباء لكن أحياناً يؤتى بـ (من) لغرض آخر كما في القرآن مرة عداه بنفسه إلى مفعولين (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) ومرة عداها بمفعول واحد وجاء بـ (من) فقال (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ). ما الفرق بينهما؟ الباء ليست محلها لغة ولا يصح أن نقول يحلون فيها بأساور. يحلون لا يأتي مع الباء يقال في اللغة حليته أساور ومن أساور. الأصل في فعل حلّ أنه لا يتعدى بالباء. لماذا مرة قال (من أساور) ومرة (وحلوا أساور)؟ لماذا مرة عدّاه إلى مفعولين (أحدهما نائب فاعل والآخر مفعول به) (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) ومرة عداها إلى مفعول واحد وجاء بـ (من) (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ) لماذا لم يقل (يحلون فيها أساور من ذهب)؟ في القرآن نجد استعمالين مرة قال (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) جاء بـ (من) وهنا قال (أساور من ذهب). (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ) هذه في سورة فاطر وتلك في سورة الإنسان (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)) ما جاء بـ (من) أعلى، الأجر أعلى، الجزاء أعلى. نقرأ الآيتين: في سورة الإنسان قال (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)) ذكر أمرين في العمل أولاً يوفون بالنذر والآخر يطعمون الطعام على حبه. أما في فاطر فقال (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29) فاطر) (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)) أي العملين أعلى؟ يوفون بالنذر النذر أصلاً مكروه لكن الوفاء به واجب، ثم إطعام الطعام ذكر مسكين ويتيم وأسير. هناك لدينا يتلون كتاب الله وإقامة الصلاة والصلاة عماد الدين وأنفقوا مما رزقناهم وليس فقط إطعام الطعام، الإنفاق أعم من الطعام ومرة قال مسكيناً ويتيماً وأسيرا وهناك قال سراً وعلانية. إذن الأعلى (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ) أعلى من (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ). (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) لما كان العمل أكثر يكون الجزاء أكبر. لماذا جاء بـ (من)؟ لو قلت لك إلبس هذه الملابس أو إلبس من هذه الملابس؟ الأكثر (من هذه الملابس) هذه مثل (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) هي كثيرة والبعضية أكثر من (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) إلبس منها ما تشاء. أولاً قال من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فها حرير وتلك من فضة فالأولى أعلى ثم جاء بـ (من) دلالة على كثرة الموجود، العمل أعلى فالجزاء أعلى. الفعل المستخدم عندما كان متعدياً بنفسه كان بالماضي لأن الكلام أصلاً في الماضي والله تعالى أخبر عنهم بالماضي (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)) بينما في سورة فاطر فأخبر عنهم بالاستقبال فقال (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)) فالسياق أصلاً الأولى في الماضي والثانية في المستقبل. أساور جمع وسوار مفرد، أسورة جمع قلة. سوار مفرد يُجمع على أسورة (جمع قلة: أفعُل مثل أذرع،أفعال، أفعِلة مثل أشربة، فِعلة مثل فتية وصبية) فتية أقل من فتيان. وأساور جمع كثرة .

    — فاضل السامرائي

ووقفة واحدة أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٢١ من سورة الإنسان

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(21) Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال