الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :( عاليهم ثياب سندس [ خضر ] (١) وإستبرق )
من أسكن الياء في ( عاليهم ) (٢) جعله مرفوعا بالابتداء، وما بعده خبَرَه (٣)، وشاهده أن في قراءة ابن مسعود " عاليتهم ثياب " (٤).
ومن فتح الياء (٥) جعله ظرفا خبَر ( ابتداء ) (٦) مقدم، وهو " ثياب " (٧). وشاهِده أن [ مجاهدا ] (٨) قرأ " عليهم ثياب " (٩).
والسندس : رقيق الديباج، والاستبرق : غليظه (١٠).
فالمعنى : أن الثياب الخضر تعلو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع الخضر وخفض السندس (١١).
وقيل : معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم (١٢) لا عليهم (١٣).
قال الطبري :( عاليهم ) أي :" فوقهم، يعني : فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس " (١٤). هذا كله على قراءة من فتح الياء.
ومن أسكنها فمعناه : ظاهرهم ثياب سندس (١٥).
وقرأ ابن محيصن (١٦) :" واستبرق " بوصل الألف (١٧) وفتح القاف (١٨). وهو لحن عند النحويين، لأنه لا يمتنع (١٩) مثل هذا من الصرف في النكرة (٢٠). ولأنه لا توصل ألف مثل هذا ( في التسمية به ) (٢١)، ولو سميت بِـ " استكبر " (٢٢) لقطعت الألف لانتقاله من الأفعال إلى الأسماء.
هذا قول الخليل وسيبويه (٢٣).
- ثم قال تعالى :( وحلوا أساور من فضة )
أي : وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة (٢٤).
- ثم قال :( وسقاهم ربهم شرابا طهورا )
أين شرابا يصير رشْحا في أبدانهم ( كرشح المسك ) (٢٥). لا (٢٦) صير بولا نجسا كشراب الدنيا (٢٧). قال النخعي :" إن الرجل من أهل الجنة ( يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا ) (٢٨) وأكلهم ونعمتهم (٢٩) فإذا أكل سقي شرابا طهورا فيصير رشحا يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر (٣٠)، ثم تعود إليه لشهوته " (٣١).
١ - م: حضر..
٢ - هي قراءة عامة قراء المدينة والكوفة وبعض قراء مكة في جامع البيان ٢٩/٢٢٢ وقراءة نافع وحمزة وأبان والمفضل عن عاصم في السبعة: ٦٦٤ والمبسوط: ٤٥٥ حيث ذكرها عن أبي جعفر أيضا. وهي أيضا قراءة الاعرج وأبي جعفر وشيبة وابن محيصن وابن عباس بخلاف عنه في المحرر ١٦/١٩٢ واختارها أبو عبيد في تفسير القرطبي: ١٩/١٤٥..
٣ - انظر إعراب النحاس ٥/١٠٤ والحجة لأبي زرعة ٧٣٩ والكشف ٢/٣٥٤ وتفسير القرطبي ١٩/١٤٥..
٤ - انظر قراءة ابن مسعود في المحرر ١٦/١٩٢ حيث حكاها أيضا عن الأعمش وطلحة وتفسير القرطبي ١٩/١٤٥ وحكاها عن ابن وثاب أيضا وفي المختصر لابن خالويه: ١٦٦ عن ابن مسعود "عاليتهن"..
٥ - هي قراءة عاصم وأبي عمرو وابن كثير في جامع البيان ٢٩/٢٢٢ وقراءة جمهور السبعة في السبعة لابن مجاهد: ٦٦٤ وهي قراءة يعقوب وخلف أيضا في المبسوط ٤٥٥ وانظر تفسير القرطبي ١٩/١٤٥ والبحر ٨/٣٩٩ حيث عزاها إلى عمر وابن عباس والحسن ومجاهد والجحدري وأهل مكة..
٦ - تكررت في ث..
٧ - انظر إعراب النحاس ٥/١٠٤ والحجة لابن خالويه ٣٥٩ والحجة لأبي زرعة ٧٤٠ والكشف ٢/٣٥٤..
٨ - أ، م: مجاهد..
٩ - انظر إعراب النحاس ٥/١٠٤..
١٠ - انظر الغريب لابن قتيبة ص ٢٦٧ وص ٤٠٣ وجامع البيان ٢٩/٢٢٢. .
١١ - انظر جامع البيان ٢٩/٢٢٢..
١٢ - الحجال جمع "حَجَلة بالتحريك: بيت القبة يستر بالثياب وتكون له أزرار كبار" النهاية لابن الأثير: ١/٣٤٦. وفي اللسان: (حجل): "حَجَلَةُ العَروس: معروفة، وهي بيت يزين بالثياب والأسِرّة والستور"..
١٣ - ذكره الطبري في جامع البيان ٢٩/٢٢٢ عن "بعض أهل التأويل"..
١٤ - جامع البيان ٢٩/٢٢٢..
١٥ - الذي في جامع البيان: ٢٩/٢٢٢: "فمن فتحها جعل قوله (عاليهم) اسما مرافعا للثياب، مثل قول القائل: ظاهرهم ثياب سندس..
١٦ - أ: ابن حصين. ث: ابن محيص. (تحريف في كلا النسختين) وابن محيصن هو: محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي مولاهم المكي، مقرئ أهل مكة مع ابن كثير، عرض على سعيد بن جبير وعرض عليه أبو عمرو بن العلاء.
(ت: ١٢٣ﻫ) بمكة انظر: الغاية لابن الجزري: ٢/١٦٧..

١٧ - أ: لا الف..
١٨ - انظر قراءة ابن محيصن في جامع البيان ٢٩/٢٢٢ وفيه أنه "فتح ذلك لأنه وجّهه إلى أنه اسم أعجمي". وانظر: المختصر لابن خالويه: ١٦٦ وفيه أنها "على وزن: استفعل". والمحتسب ٢/٣٤٤ عن هذه الآية من سورة الانسان وص: ٣٠٤ عن قوله تعالى في سورة الكهف الآية ٣١ ﴿ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق﴾. وقد وجهها ابن جني ووجد لها مخرجا في اللغة.
وانظر المحرر ١٦/١٩٢. وفي تفسير القرطبي ١٩/١٤٦ "كلهم صرف الاستبرق إلا ابن محيصن غير أنهم اختلفوا بين من يقرأ بالخفض وبين من يقرأ بالرفع. انظر تفصيل ذلك في السبعة ٦٦٤ والمبسوط: ٤٥٥..

١٩ - أ: يمنع..
٢٠ - في جامع البيان ٢٩/٢٢٢: "العرب تجري الاسماء النكرة وإن كانت أعجمية" وانظر معاني الزجاج ٥/٢٦٢ وإعراب النحاس ٥/١٠٥ وتفسير القرطبي ١٩/١٤٦..
٢١ - ما بين قوسين بياض في ث..
٢٢ - أ: باستكبرت، ث: فاستكر. وفي إعراب النحاس ٥/١٠٤: "لو سميت رجلا بـ "استَكْبَرَ" لقلت: جاءني إسْتَكْبَرُ"..
٢٣ - انظر الكتاب ٣/٢٣٤ قال: "اعلم أن كل اسم أعجمي أعرب وتمكن في الكلام فدخلته الألف واللام وصار نكرة فإنك إذا سميت به رجلا صرفته، إلا أن يمنعه من الصرف ما يمنع العربي" ثم مثَّلَ لذلك بأمثلة وليس فيها :"استكبر" وقد ذكر النحاس في إعرابه ٥/١٠٤ هذا المثال حكاية عن سيبويه..
٢٤ - انظر جامع البيان ٢٩/٢٢٢. والأساورة جمع الجمع: انظر معاني الزجاج ٤/٤١٥ واللسان (سور) حكاية عن الزجاج "قال: الأساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، وهو سوار المرأة وسوارها، قال: والقلب من الفضة يسمى سوارا، وإن كان من الذهب، فهو أيضا سوار وكلاهما لباس أهل الجنة" وما جاء في اللسان أضبط وأصح مما جاء في النسخة المطبوعة من معاني الزجاج. وانظر: مفردات الراغب: ٢٥٤ (سور)..
٢٥ - ما بين قوسين بياض في: ث..
٢٦ - أ: ولا..
٢٧ - انظر جامع البيان ٢٩/٢٢٢..
٢٨ - ما بين قوسين (يقسم – الدنيا) ساقط من أ..
٢٩ - كذا في م. وفي أ: وسمنهم. ث: ونهـ ثم بياض. ولعلها بالتمام ونهمهم أو: ونهمتهم. "والنهمة بلوغ الهمة في الشيء، ومنه النهم من الجوع".
النهاية لابن كثير ٥/١٣٨ وهذا المعنى مناسب لسياق الحديث إلا أن الثابت في جامع البيان ٢٩/٢٢٣: "وهِمَّتهم" والهِمَّة من هم بالأمر يهم: إذا عزم عليه، والجمع: همم، يقال: إنه لبعيد الهمة والهمة.
انظر النهاية لابن الأثير ٥/٢٧٤ واللسان: (همم)..

٣٠ - في النهاية لابن الأثير ٢/١٦١ "... مسك أذفر" أي طيب الريح..
٣١ - جامع البيان ٢٩/٢٢٣ والدر ٨/٣٧٧ ويشهد لهذا المعنى حديث أخرجه الدارمي في سننه ٢/٣٣٤، كتاب الرقائق، باب في أهل الجنة ونعيمها عن زيد بن أرقم عن النبي ﷺ قال: "إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة فقال رجل من اليهود إن الذي يأكل ويشرب تكون منه الحاجة، فقال: يفيض من جلده عرق فإذا بطنه قد ضمر"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى