جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿نّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً * إِنّ هََذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتّخَذَ إِلَىَ رَبّهِ سَبِيلاً﴾.
يقول تعالى ذكره : نحن خلقنا هؤلاء المشركين بالله المخالفين أمره ونهيه وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ : وشددنا خلقهم، من قولهم : قد أُسِر هذا الرجل فأُحسِن أسره، بمعنى : قد خُلِقَ فأُحسِن خَلْقه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ يقول : شددنا خلقهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ قال : خَلْقهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ : خَلْقهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
وقال آخرون : الأَسْر : المفاصل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، سمعته، يعني خلادا يقول : سمعت أبا سعيد، وكان قرأ القرآن على أبي هريرة قال : ما قرأت القرآن إلا على أبي هريرة، هو أقرأني، وقال في هذه الآية وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ قال : هي المفاصل.
وقال آخرون : بل هو القوّة. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ قال : الأسر : القوّة.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الأسر، هو ما ذكرت عند العرب ومنه قول الأخطل :
مِنْ كلّ مُجْتَنَبٍ شَدِيدٍ أسْرُهسَلِسِ الْقِيادِ تَخالُهُ مُخْتالاَ
ومنه قول العامة : خذه بأسره : أي هو لك كله.
وقوله : وَإذَا شِئْنا بَدّلْنا أمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً يقول : وإذا نحن شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم أمثالهم من الخلق، مخالفين لهم في العمل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : بَدّلْنا أمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً قال : بني آدم الذين خالفوا طاعة الله، قال : وأمثالهم من بني آدم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى