-
﴿نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ من كان بيده نبضات قلبك ونفثات نفَسك فقد - والله - أسرَك وأحكم أسْرك
— محمد الفراج
-
هو تنبيه لقلوب المستغرقين في حب العاجلة , والمغترين بصحتهم وقوة أجسادهم ؛ ليذكروا نعمة الله التي بطروها , ويشعروا بالابتلاء الكامن وراء هذه النعمة .
— مصحف تدبر المفصل
-
(نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28))
علاقة هذه الآية بما قبلها: قال تعالى في هذه الآية (نحن خلقناهم) وفي الآية السابقة قال تعالى (إنا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلا) وهذا يدل على أن الذي خلقهم وشد أسرهم (نحن) هو الذي أنزل عليهم القرآن (نحن) فينبغي لهم أن يسمعوا لكلام خالقهم ويطيعوا تنزيله فكأن الآية التي سبقت هي مقدمة لهم بأن يسمعوا ما أُنزل على الرسول .
لماذا تقديم ضمير المتكلم (نحن) عن الفعل (خلقناهم)؟ التقديم له أكثر من سبب وإن كان يجمعها الاهتمام لكن مداراته مختلفة. وهنا تقديم المعمول على العامل (نحن: مبتدأ) و(خلقناهم: خبر) وفي هذه الحالة الخبر جملة فعلية وهذا يفيد القصر في الغالب بمعنى لأنه لم تكن هناك جهة أخرى خلقت أو تشاركه سبحانه في الخلق فهو وحده سبحانه متفرّد بالخلق (بمعنى نحن خلقناهم حصراً) وكذلك قوله تعالى (إنا نحن نزلنا عليك القرآن) تفيد الحصر. فالذي خلقهم حصراً هو الذي نزّل القرآن حصراً فعليهم أن يطيعوه.
أوجه التقديم: يجمع التقديم تحت عبارة: كأنما يقدمون الذي هم ببيانه
وقد يقدّم الأفضل وقد يقدّم المفضول حسب السياق وقد يقدّم كلمة على أخرى في مكان ويؤخرها نفسها في مكان آخر ولكلٍ مقامه في البلاغة.
وشددنا أسرهم: بمعنى أحكمنا خلقهم أي أحكمنا توصيل مفاصلهم وأحكمناها وثبتناها (أي إحكام الربط). والأسر هي المفاصل والعظام وما إلى ذلك. فهو الذي أحكم خلقهم وشد أسرهم وقد قال تعالى في آية أخرى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وهذا من تمام النعمة على الإنسان ومن تمام النعمة أن يطيعوه، فالخلق نعمة وشد الأسر نعمة وهو القادر أن يفعل ما يشاء (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا).
لماذا جاء قوله (وشددنا أسرهم)؟ ألا يمكن أن يقال نحن خلقناهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم؟
نحن خلقناهم هذا أمر وشددنا أسرهم هذا أمر آخر بعد الخلق وهي نعمة أخرى بعد الخلق ولو لم يقلها لأغفلت نعمة من نعم الله تعالى. فهو تعالى جعلهم أقوياء وهذه نعمة وليس فقط الخلق هو النعمة. مثل قوله تعالى (هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) فهناك عدة أمور بعد الخلق ومن إتمام النعمة أن يشد أسرهم فيكونوا أقوياء وخلفاء في الأرض.
القرآن كثيراً ما يستعمل الفعل (شدّ) ومضاعفاته مثال قوله تعالى (واشدد به أزري) فهل للفعل شدّ دلالة خاصة في اللغة؟
شدّ في اللغة بمعنى ربط وأحكم وأوثق وشدّ. وشدّ مضعّف والتضعيف في الغالب فيه قوة وشدّ فعل ثلاثي ليس مزيداً لكن من الناحية الصوتية تجعل حرف في حرف فتعطيه قوة.
في أول السورة قال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) وفي هذه الآية قال تعالى (نحن خلقناهم) فلماذا التوكيد بـ (إن) في الأولى؟
في أول السورة أكّد بـ(إن) وهنا لم يؤكّد لأنه في أول السورة تحدث عن خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكورا وهي أصعب من الخلق من أب وأم ثم يضع فيه القابلية على التوالد (وهذه هي البداية) وهي أصعب مما بعدها (نحن خلقناهم) فهذه تأتي من سلسلة الآباء من الأبناء. هذا أمر والأمر الآخر كونه خلقهم أمر غير منازع فيه عند كفار قريش وكثير من الكفار لو سألتهم من خلقهم ليقولون الله. لكنهم ينازعون في أن الخلق لم يكن ثم كان بمعنى أنه ليس له بداية كما يقول الفلاسفة والدهريون وينسبون الخلق إلى سلسلة الوجود ليس له بداية فينكرون (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر). فالذي ينازع فيه الفلاسفة إذن هو كون هناك بداية للمخلوقات والخلق (سؤالهم هل هناك بداية؟) وعليه احتاج الأمر إلى توكيد في الآية أول السورة (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج). وهناك أمر آخر قوله تعالى (نبتليه) ذكر تعالى أن الخلق الأول للابتلاء وهذا أيضاً أمر منازع فيه وكفّار قريش كانوا ينكرون هذا ويقولون هل خلق الله الإنسان ليبتليه ثم يحاسبه؟ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) سبأ) وكثير من الناس ينكرون هذا الأمر أيضاً حتى لو اعتقدوا فعلاً أن الله هو خالقهم. ونلاحظ من كل ما ذكرنا أن الآية في أول السورة احتاجت إلى توكيد فجاء بـ (إن) في قوله تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) وهو الخلق الأول والبداية وخُلق للإبتلاء وكلها تقتضي التوكيد بخلاف الآية الثانية (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم).
(وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا)
جاء هنا بـ (إذا) دون (إن) وكما سبق وذكرنا في حلقات سابقة أن استعمال (إذا) يكون للقطع لكثير الوقوع وللمتيقن وقوعه بخلاف (إن) التي تستعمل إذا كان هناك احتمال للوقوع أو المشكوك في وقوعه. واستعمال (إذا) هنا يدل على أن الله تعالى سيبدّل أمثالهم ويأتي بأناس مؤمنين مكانهم فالمشيئة حاصلة وقد تمّت.
— فاضل السامرائي
-
قوله تعإلى ( وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) البقرة ( 187 ) .
وقوله تعالى ( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الطلاق ( 229 ) .
حينما نتدبر الآيتين نجد في الأولى نهياً عن مقاربة حدود الله ، ونجد في الثانية نهياً عن مجاوزتها ، ولذلك مقاصد عظيمه ، فالحدود نوعان :
حدود مانعة من ارتكاب المحظور ، فينهى عن مقاربتها ، وحدود فاصلة بين الحلال والحرام ، فينهى عن مجاوزتها .
وفى الآية إلاولى نهى عن مواقعه النساء ، في حالة الاعتكاف الى في المساجد ،فغلّظ الوعيد بالنهى عن مقاربته ، وشدد بالابتعاد عنه ، والحذر من مقدماته و دواعيه ، لئلا يقع المعتكف في الحرام من حيث لا يشعر ، فاقتضى ذلك المبالغة في النهى عن المقاربة .
وفى الآية الثانية بيان لحل قيام المرأة بافتداء نفسها بمهرها ، ومخالعة زوجها ، وأنه لا إثم عليها ، فنهى عن مجاوزة الحد برفض ذلك أو مخالفته ، فقال (فَلَا تَعْتَدُوهَا) .
وقال بدر الدين بن جماعه : ( الحدود في الأولى هي عبارة عن نفس المحرمات في الصيام والاعتكاف من الأكل والشرب والوطء والمباشرة ، فناسب ( فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) .
والحدود في الثانية أوامر في أحكام الحل والحرمة في نكاح المشركات
، وأحلام الطلاق والعدة والإيلاء والرجعة ، وحصر الطلاق في الثلاث والخلع ، فناسب ( فَلَا تَعْتَدُوهَا) ، أي : لا تعتدوا أحكام الله تعالى الى غيرها مما لم يشرعه لكم ، فقفوا عنها ، ولذلك قال بعده : ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) . البقرة(230).
وقوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) البقرة ( 196 ) .
العرف في حديثهم يفرقون بين أداتي الشرط ( إذا ) و ( إن ) ، قال ابن مالك _ رحمه الله _ ( " اذا " للوقت المستقبل ، مضمنة معنى الشرط غالبا ، لكنا لما تيقن كونه ، أو رُجّح ، بخلاف "إن" ) .
وقال الكفوى ( "إن" الشرطية تقتضى تعليق الشيء ، ولا تستلزم تحقيق وقوعه ، ولا إمكانه ، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً ، كما في قوله تعالى ( قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ) الزخرف ( 81 ) .
وعادةً كما في قوله تعالى (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ) الأنعام ( 35 ) لكن في المستحيل قليل ) .
فيجعلون (اذا) مع الشيء المتحقق وقوعه ، أو المترجح ، فيقولن : اذا دخل وقت الصلاة نصلى ، لأن دخول وقتها متحقق الوقوع ، ولا يصح أن يقال : إن دخل وقت الصلاة نصلى ، لأن هذا الأسلوب يشعر بأن دخوله محتمل وغير مؤكد .
وكذلك يؤتى ب (إذا) مع الشيء الذي يحدث كثيراً ، أما (إن) فيؤتى بها مع قليل الحدوث ، كقول الطالب الذى اعتاد النجاح دائماً : إذا نجحت فسأعود الى بلدي ، وإن رسبت فسوف أبقى هنا ، أما الطالب المهمل المفرط الذى اعتاد الإخفاق فيقول : إن نجحت فسأعود الى بلدي ، و اذا رسبت فسوف أبقى هنا .
قال ابن القيم – رحمه الله – ( المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة (إن) لا يعلق عليها الا محتمل الوجود والعدم ، كوقلك : إن تأتني أكرمك ، ولا يعلق عليها محقق الوجود ، فلا تقول : إن طلعت الشمس أتيتك ، بل تقول : إذا طلعت الشمس أتيتك ، و (إذا) يعلق عليها النوعان .
وقول ابن القيم أوله صحيح ، وأخره ليس كذلك ، اذ لم يوافقه أحد من العلماء على أن (إذا) يعلق عليها النوعان ، الا ابن الجويني الذى قال ( الذى أظنه أنه يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك ، لأنها لأنها ظرف وشرط ، فبالنظر الى الشرط تدخل على المشكوك ك(إن) ،
وبالنظر الى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف .
وقول ابن الجويني وابن القيم غير صحيح ، لأن سيبويه يقول ( "إذا" تجئ وقتها معلوماً ، ألا ترى أنك لو قلت : آتيك اذا احمر البسر ، كان حسناً ،
ولو قلت : آتيك ان احمر البسر ، كان قبيحاً ، ف"إن" أبدا مبهمة ، وكذلك حروف الجزاء ، و "إذا" توصل بالفعل ، فالفعل "إذا" بمنزلته في "حين" ،
كأنك قلت : الحين الذى تأتيني فيه آتيك فيه ) .
ولذلك ذكر بعضهم أنها " اسم مؤقت .. ، ومعناها في نفسها ، والمتكلم بها يعرفون كون ما دخلت عليه ، و "إن" حرف وضعت لتعليق الثاني بالأول
، ومعناها في غيرها ، والمتكلم شاك في كون ما دخلت عليه ، وهذا حق ما يجازى به ألا يدرى أيكون أم لا يكون ) .
قال أبو سعيد السيرافي عن "إذا" ( ان الذاكر لها في الكلام كالمعترف بأنها كائنة ، كقولك : اذا طلعت الشمس فائتني ، فالمتكلم معترف بطلوع الشمس ، وحق ما يجازى ب "إن" ألا يدرى أيكون أم لا يكون؟ كقولك: إن قدم زيد زرته ، وإن تمطر اليوم نجلس للحديث ، ولا يدرى أيقوم زيد أم لا ، ولا يدرى أتمطر اليوم أم لا ، ولذلك حسن: ( اذا احمر البسر فائتنى ، وقبح : إن احمر البسر فائتنى لإحاطة العلم أن احمرار البسر كائن ) .
وإنني لا أنفي ورود "إذا" مع ظاهره أنه مشكوك فيها ، كقوله تعالى ،
( نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) الإنسان (28) .
ولا وقوع (إن) مع ظاهره انه متحقق الوقوع ، كقوله تعالى ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ) أل عمران (144 ) .
لكنني أرى أن ذلك يأتي تنزيلاً ، ل "إذا" منزلة "إن" ، وتنزيلا ل (إن) ، منزلة (اذا) ، لفائدة غير خفية .
قال السيرافي أيضاً : ( وقد تستعمل (إذا) في الموسع الذى يحسن فيه (إن) ، ولا يبين بينهما فرق ، للمشابهة التي بينهما ، وكذلك تستعمل (إن) في موضع (إذا) ، قد يقول القائل : إن مت فأخرجوا ثلث مالي للفقراء والماسكين ، وقال الله تبارك وتعالى ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ) ال عمران (144) ، والموت كائن لا محالة ، وقال الشاعر :
كم شامت بي إن هلكت وقائل لله دره
وقال زهير:
إذا انت لم تنزع عن الجهل والخنا أصبت حليما أو أصابك جاهل
وقد يجوز أن تنزع ، ويجوز أن لا تنزع ، ولا يحيط العلم بأي ذلك يكون .
وقولهم : إن مات زيد كان كذا ، أحسن من قولك : ان احمر البسر ، لأن الموت ، وإن كان معلوما انه كائن ، فلا يعرف وقته ، واحمرار البسر معروف الوقت ) .
وفى هذه الآية التي بين أيدينا قال الله تعالى ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) فاستعمل (إن) ، لأن الإحصار قليل الوقوع ، أما الأمن والتمكن من الوصول الى مكة ، والقدرة على إتمام الحج ، فهو الأكثر ، ولذلك قال ( فَإِذَا أَمِنتُمْ) . والله اعلم
وأما قوله (عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) فظاهر الكلام فيه أن كلمة (عَشَرَةٌ) مغنية عن (كَامِلَةٌ) ، لأنها اذا لم تكن كاملة فستكون تسعة ، أو ثمانية ...إلخ .
وقد اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال محمد بن يزيد المبرد : " لو لم يقل ( تلك عشرة) جاز أن يتوهم السامع أن بعدها شيء أخر ، فقوله ( تلك عشرة ) بنزلة قوله في العدد : فذلك كذا و كذا " .
ولكن الصحيح أن قوله ( كَامِلَةٌ) إنما هو بمعنى ( فاضلة ) ، من كمال الفضل ، لا من كمال العدد ، قال كمال الدين الزملكانى " الإتمام لإزالة نقصان الأصل ، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد اتمام الاصل ، ومن ثم كان قوله تعالى ( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) أحسن من ( تلك عشرة تامة ) ، إذ التمام في العدد قد علم ، وإنما بقى احتمال النقص في صفاتها .
ويفترقان أيضا من جهة أن قولهم : ( تم ) يشعر بحصول نقص قبل
ذلك ، و ( كَمُلَ ) لا يشعر به ، ومن ثم قالوا : رجل كامل ، اذا جمع خصال الخير ، ورجل تام ، اذا كان غير ناقص الطول .
وأيضاً (تمّ) يشعر بحصول نقص بعده ، كما يوصف القمر بالتمام ،
مثل قول العجاج :
أو شرفا يتم نورا قد زهر
كما تتم ليلة البدر القمر
وقال النابغة الذبياني :
فتى تم فيه ما يسر صديقه على ان فيه ما يسوء الأعاديا
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد فما يبقى من المال باقيا
وقال الشاعر :
وإذا الفتى جمع المروءة والتقى وحوى مع الأدب الحياء فقد كمل
وقال عدى بن الرقاع العاملي :
هو الفتى كله مجدا وتكرمة وكل أخلاقه الخيرات قد كملا
وقال امرؤ القيس :
اذا ما اتقى الله ثم لم يكن على أهله كلاً فقد كمل الفتى
وقال الشاعر
متى يبلغ البيان يوماً تمامه اذا كنت تبنيه أخر يهدم
وكذلك تقول العرب : (تّم البدر) ، لأنه كان ناقصاً ، ومصيره الى نقصان،
قال العرجي :
ووجه كمثل البدر اذ تم فاستوى اذا لم ما بدا في ظلمة الليل يسدف
ولذلك أحسن الحسن بن هانئ أيما أحسن حين قال في الخليفة العباسي محمد الأمين :
تتيه الشمس والقمر المنير اذا قلنا كأنهما الأمير
فإن يك أشبها منه قليلاً فقد أخطأهما شبه كثير
لأن الشمس تغرب حين تمسى أن البدر ينقصه المسير
ونور محمد أبداً تمام على وضح الطريق لا يحور
ولله در أبى هلال العسكري حين يقول :
لو تم شيء من الدنيا لذى أدب لانضاف مال الى علمي وآدابي
فتم جاهي عند الناس كلهم وطاب عيشي في أهلي وأصحابي
عز الكمال فلا يحظى به أحد فكل خلق وان لم يدر ذوو عاب
وقال الزجاج : قائل بعضهم : (كَامِلَةٌ) أي : تكمل الثواب ، وقال بعضهم : كامله في البدل من الهدى ، والذي أراه في هذا – والله أعلم – أنه لما قيل
( فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) جاز أن يتوهم المتوهم أن الفرض ثلاثة أيام في الحج ، أو سبعة في الرجوع ، فأعلم الله – عز و جل-
أن العشرة مفترضة كاملة ، فالمعنى : المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذكر من تفرقها في الحج والرجوع .
فليست الواو بمعنى (أو) كما في قوله تعالى ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) النساء (3) ، إذ الواو فيها بمعنى أو ، لئلا يظن ظان ، أنه يصح جمع تسع من النساء في جملة واحده .
قال كمال الدين الزملكانى " ومما جاء خبرا لإرادة معنى التأكيد قوله تعالى (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) لاحتمال ان يعنى بالواو معنى (أو) ، كما في قوله تعالى ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) النساء (34) اذ لا يسوغ الجمع بينهما " .
ومما يحسن ذكره ههنا أنه يروح أنه الحجاج بن يوسف الثقفي قال لرجل من ولد عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه ، وعن صحابة رسول الله ﷺ
أجمعين - : لم قرأ أبوك – يعنى عبد الله بن مسعود رضى الله عنه -:
(إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أنثى ) ص (23) ،أترى لا يعلم الناس أنها أنثى ؟ فقال : قد قرئ قبله : (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ألا يعلم أن سبعة وثلاثة عشرة ؟ فما أحار الحجاج .
— صالح العايد
-
قوله تعالى:﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ﴾[الإنسان: 28]
سبق القول مرارا: إن (إذا) تستعمل في ما كان متحقق الوقوع، و(إن) تستعمل في ما كان محتمل الوقوع، أو بعيده، لكن اشكل على العلماء استعمال (إذا) في هذه الآية مع مشيئة التبديل، والتبديل غير واقع.
وأجيب بأن التبديل هنا يحتمل وجهين:
"أحدهما: إعادتهم في الآخرة؛ لأنهم أنكروا البعث.
والثاني: إهلاكهم في الدنيا وتبديل أمثالهم، فيكون كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴾[النساء: 133].
فإن كان المراد في الدنيا وجب أن يجعل هذا بمعنى(إن) الشرطية؛ لأن هذا شئ لم يكن، فهي مكان (إن)؛ لأن الشرط يمكن أن يكون وألا يكون، ألا ترى إلى ظهورها في قوله تعالى:﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ ﴾ [النساء: 133], ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾[سبأ: 9]، وإنما جاز لـ(إذا) أن تقع موقع(إن) لما بينهما من التداخل والتشابه"
ولست أرى أن (إذا) هنا بمعنى (إن)، بل أراها باقية على معناها الأصلي؛ فيكون ذلك أبلغ في التهديد؛ ليأتي نتيجة لما سبقه من ذكر الخلق وشد الأسر.
— صالح العايد
-
قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ. .) أي خلقهم.
فإن قلتَ: كيف قال ذلك هنا، وقال في النساء " وَخُلِقَ الإِنسانُ ضَعِيفاً "؟
قلتُ: قال ابن عباسٍ وغيرهُ: المراد به: ضعيفٌ عن الصبر عن النساء، فلذلك أباح الله له نكاح الأمَةِ، وقَالَ الزَجاج: معناه يغلبُه هَوِاه وشهوتُه، فلذلِكَ وُصف بالضعف ومعنى قوله " وشَدَدْنَا أسْرهم " ربطنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والأعصاب، أو المرادُ بالأسر: عَجْبُ الذنب، لأنه لا يتفتت في القبر.
— كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
-
الأمثال في القران الكريم
تبديل أمثال المشركين
سورة الإنسان
آية 28
— عبدالله الشثري