جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله : إنّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ قال : إن هذه السورة تذكرة.
وقوله : فَمَنْ شاءَ اتّخَذَ إلى رَبّهِ سَبِيلاً يقول : فمن شاء أيها الناس اتخذ إلى رضا ربه بالعمل بطاعته، والانتهاء إلى أمره ونهيه، سبيلاً.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا) قال: كان هذا أوّل شيء فريضة. وقرأ: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا نِصْفَهُ)، ثم قال: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ... ) إلى قوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ... ) إلى آخر الآية، ثم قال: مُحِي هذا عن رسول الله ﷺ وعن الناس، وجعله نافلة فقال: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) قال: فجعلها نافلة.
وقوله: (إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المشركين بالله يحبون العاجلة، يعني، الدنيا، يقول: يحبون البقاء فيها وتعجبهم زينتها (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا) يقول: ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة، وما لهم فيه النجاة من عذاب الله يومئذ، وقد تأوّله بعضهم بمعنى: ويذرون أمامهم يوما ثقيلا وليس ذلك قولا مدفوعا، غير أن الذي قلناه أشبه بمعنى الكلمة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا) قال: الآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا (٢٩)﴾.
يقول تعالى ذكره: نَحْنُ خَلَقْنَا هؤلاء المشركين بالله المخالفين أمره ونهيه (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) : وشددنا خلقهم، من قولهم: قد أُسِر هذا الرجل فأُحسِن أسره، بمعنى: قد خلِقَ فأُحسِن خَلْقه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبى، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) قال: خَلْقهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) : خَلْقهم.
حدثنا بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
وقال آخرون: الأسْر: المفاصل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، سمعته - يعني: خلادا - يقول: سمعت أبا سعيد، وكان قرأ القرآن على أبي هريرة قال: ما قرأت القرآن إلا على أبي هريرة، هو أقرأني، وقال في هذه الآية (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) قال: هي المفاصل.
وقال آخرون: بل هو القوّة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) قال: الأسر: القوّة.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الأسر، هو ما ذكرت عند العرب؛ ومنه قول الأخطل:
| مِنْ كلّ مُجْتَنَبٍ شَدِيدٍ أسْرُه | سَلِسِ الْقِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا (١) |
وقوله: (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا) يقول: وإذا نحن شئنا أهلكنا هؤلاء