الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَمْشَاجٍ﴾ : نعتٌ ل " نُطْفة " ووَقَعَ الجمعُ صفةً لمفردٍ ؛ لأنَّه في معنى الجمع، كقولِه تعالى :
﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ أو جُعِل كلُّ جزءٍ من النُّطفةِ نُطفةً، فاعتبر ذلك فوُصِفَ بالجمع، وقال الزمخشري :" أََمْشاج كبْرْمَةٍ أَعْشار، وبُرْدٍ أَكْياشٌ وهي ألفاظٌ مفردةٌ غيرُ جموعٍ ؛ ولذلك تقع صفاتٍ للأفرادِ " ويقال : نُطْفَةٌ مَشَجٌ، قال الشماخ :
طَوَتْ أَحْشاءَ مُرْتِجَةٍ لوَقْتٍعلى مَشَجٍ سُلالتُه مَهِينُ
ولا يَصِح " أَمْشاج " أَنْ يكونَ تكسيراً له، بل هما مِثْلان في الإِفرادِ لوصف المفرد بهما ". فقد مَنَعَ أَنْ يكونَ أَمْشاجاً جمعَ " مِشْجٍ " بالكسر. قال الشيخ :" وقوله مخالفٌ لنصِّ سيبويهِ والنَّحْويين على أَنْ أَفعالاً لا يكون مفرداً. قال سيبويه :" وليس في الكلامِ " أَفْعال " إلاَّ أَنْ يُكَسَّرَ عليه اسماً للجميع، وما وَرَدَ مِنْ وصفِ المفردِ بأَفْعال تَأَوَّلوه " انتهى. قلت : هو لم يَجْعل أَفْعالاً مفرداً، إنما قال : يُوْصف به المفردُ، يعني بالتأويلِ الذي ذَكَرْتُه مِنْ أنَّهم جَعَلُوا كلَّ قِطعةٍ من البُرْمَة بُرْمَةً، وكلَّ قطعةٍ من البُرْد بُرْداً، فوصفوهما بالجمع. وقال الشيخ :" الأمْشاج " الأخلاط، واحدُها مَشَج بفتحتين، أو مِشْج كعِدْل وأَعْدال أو مَشِيج كشريف وأَشْراف، قاله ابنُ الأعرابي. وقال رؤبة :
يَطْرَحْن كلَّ مُعْجَلٍ نَشَّاجٍلم يُكْسَ جِلْداً مِنْ دمٍ أَمْشاجِ
وقال الهذلي :
كأن الرِّيْشَ والفُوْقَيْنِ منهاخِلافَ النَّصْلِ سِيْطَ به مَشِيْجُ
وقال الشماخ :
طَوَتْ أحشاءَ مُرْتِجَةٍ. . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. ويقال :" مَشَج يَمْشُجُ مَشْجاً إذا خَلَط، ومَشيج كخليط ومَمْشوج كمخلوط " انتهى. فجوَّزَ أَنْ يكونَ جَمْعاً ل مِشْج كعِدْل، وقد تقدَّم أنَّ الزمخشريَّ : مَنَعَ ذلك. وقال الزمخشريُّ :" ومَشَجَه ومَزَجَه بمعنىً، والمعنى : مِنْ نُطْفة امتزَجَ فيها الماءان.
قوله :﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ يجوزُ في هذه الجملة وجهان، أحدهما : أنها حالٌ مِنْ فاعل " خَلَقْنا "، أي : خَلَقْنا حالَ كونِنا مُبْتَلِين له. والثاني : أنَّها حالٌ من " الإنسان "، وصَحَّ ذلك لأنَّ في الجملة ضميرَيْن كلٌّ منهما يعودُ على ذي الحال. ثم هذه الحالُ يجوزُ أَنْ تكونَ مقارِنَةً إنْ كان المعنى ب " نَبْتَليه " : نُصَرِّفُه في بطنِ أمِّه نُطْفَةً ثم عَلَقَةً. وهو قولُ ابن عباس، وأَنْ تكونَ مقدرةً إنْ كان المعنى ب " نَبْتَليه " : نَخْتَبره بالتكليفِ ؛ لأنَّه وقتَ خَلْقِهِ غيرُ مكلَّفٍ. وقال الزمخشري :" ويجوزُ أَنْ يكونَ المرادُ : ناقلين له مِنْ حالٍ إلى حالٍ، فُسُمِّي ذلك ابتلاءً على طريق الاستعارةِ ". قلت : هذا هو معنى قولِ ابنِ عباس المتقدَّمِ. وقال بعضُهم :" في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ. والأصلُ : إنَّا جَعَلْناه سميعاً بصيراً نَبْتَليه، أي : جَعَلْنا/ له ذلك للابْتلاءِ " وهذا لا حاجةَ إليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى