البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الأمشاج : الأخلاط، واحدها مشج بفتحتين، أو مشج كعدل، أو مشيج كشريف وأشراف، قاله ابن الأعرابي، وقال رؤبة :
يطرحن كل معجل بساجلم يكس جلداً من دم أمشاج
وقال الهذلي :
كأن النصل والفوقين منهاخلاف الريش سيط به مشيج
وقال الشماخ :
طوت أحشاء مرتجة لوقتعلى مشج سلالته مهين
ويقال : مشج يمشج مشجاً إذا خلط، ومشيج : كخليط، وممشوج : كمخلوط. مزج الشيء بالشيء : خلطه، وقال الشاعر :
كأن سبيئة من بيت رأسيكون مزاجها عسل وماء
﴿إنا خلقنا الإنسان﴾ : هو جنس بني آدم لأن آدم لم يخلق ﴿من نطفة أمشاج﴾ : أخلاط، وهو وصف للنطفة.
فقال ابن مسعود وأسامة بن زيد عن أبيه : هي العروق التي في النطفة.
وقال ابن عباس ومجاهد والربيع : هو ماء الرجل وماء المرأة اختلطا في الرحم فخلق الإنسان منهما.
وقال الحسن : اختلاط النطفة بدم الحيض، فإذا حبلت ارتفع الحيض.
وقال ابن عباس أيضاً وعكرمة وقتادة : أمشاج منتقلة من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى غير ذلك إلى إنشائه إنساناً.
وقال ابن عباس أيضاً والكلبي : هي ألوان النطفة.
وقيل : أخلاط الدم والبلغم والصفراء والسوداء، والنطفة أريد بها الجنس، فلذلك وصفت بالجمع كقوله :﴿على رفرف خضر﴾ أو لتنزيل كل جزء من النطفة نطفة.
وقال الزمخشري : نطفة أمشاج، كبرمة إعسار، وبرد أكياس، وهي ألفاظ مفرد غير جموع، ولذلك وقعت صفات للأفراد.
ويقال أيضاً : نطفة مشج، ولا يصح أمشاج أن تكون تكسيراً له، بل هما مثلان في الإفراد لوصف المفرد بهما. انتهى.
وقوله مخالف لنص سيبويه والنحويين على أن أفعالاً لا يكون مفرداً.
قال سيبويه : وليس في الكلام أفعال إلا أن يكسر عليه اسماً للجميع، وما ورد من وصف المفرد بأفعال تأولوه.
﴿نبتليه﴾ : نختبره بالتكليف في الدنيا ؛ وعن ابن عباس : نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة، فعلى هذا هي حال مصاحبة، وعلى أن المعنى نختبره بالتكليف، فهي حال مقدرة لأنه تعالى حين خلقه من نطفة لم يكن مبتلياً له بالتكليف في ذلك الوقت.
وقال الزمخشري : ويجوز أن يراد ناقلين له من حال إلى حال فسمي ذلك الابتلاء على طريق الاستعارة. انتهى.
وهذا معنى قول ابن عباس.
وقيل : نبتليه بالإيحان والكون في الدنيا، فهي حال مقارنة.
وقيل : في الكلام تقديم وتأخير الأصل.
﴿فجعلناه سميعاً بصيراً﴾ نبتليه، أي جعله سميعاً بصيراً هو الابتلاء، ولا حاجة إلى ادعاء التقديم والتأخير، والمعنى يصح بخلافه، وامتن تعالى عليه بجعله بهاتين الصفتين، وهما كناية عن التمييز والفهم، إذ آلتهما سبب لذلك، وهما أشرف الحواس، تدرك بهما أعظم المدركات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى